أيّ خريطة طريق يحتاجها الفلسطينيون؟
193
    

على الرغم من تعزّز الاعتقاد بأنّ السيناريو الأرجح تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية إلى العام المقبل، أو استبدالها بتشكيل مجلس وطني جديد ينتخب رئيس دولة فلسطين (هذا مرفوض من حكّام واشنطن وتل أبيب باعتباره إجراءً أحادياً، فلم يُتَّفق على إقامة الدولة الفلسطينية، لا في "أوسلو" ولا بعده، وكان الخيار الأوّل والمفضّل عند القيادة الرسمية الفلسطينية، كما يتّضح من صدور مرسوم إجراء انتخابات المجلس الوطني قبل تغييره بعد الضغط الأوروبي والرفضين الأميركي والإسرائيلي)، على أن يُشكّل المجلس الوطني عبر التعيين والمجمّعات الانتخابية. وقد أفاد مصدر موثوق بأنّ هذا الموضوع مطروح على طاولة البحث في مكتب الرئيس، ولعلّ ذهاب الوفود إلى شتّى المناطق التي فيها الفلسطينيون، وتنظيمها مجمعّات انتخابية منتقاة بعناية، دليل إضافي على ذلك.
وبحسب ما يُتداول، يشمل البحث أيضاً إحياء المجلس التشريعي المنحلّ بقرار المحكمة الدستورية، إذ يرى اجتهاد قانوني أنّ قرار حلّه غير دستوري، وأنّ المحكمة أخطأت في اجتهادها، بحجّة أنّ المجلس، وفقاً للقانون الأساسي للسلطة الفلسطينية والمادة 47 مكرّر منه، تظلّ ولايته قائمةً إلى حين أداء أعضاء المجلس الجديد المُنتخَب اليمين الدستورية.
إلّا أنّ الأصحّ، في الحالة التي نمرّ بها، هو العمل على أساس "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً". وهذا يعني الاستعداد للانتخابات وكأنّها ستُجرى، والاستعداد، في الوقت نفسه، لسيناريو تأجيلها أو إلغائها. مبرّر التأجيل هذه المرّة أنّ نحو 70% من قطاع غزّة محتلّ، وأنّ الاحتلال يواصل العدوان والإبادة، ولا يسهّل متطلبات إجراء الانتخابات في القطاع، مثل إدخال الصناديق والحبر السرّي، وتمكين طواقم لجنة الانتخابات والمرشَّحين والمراقبين الدوليين من حرّية الحركة والوصول إلى القطاع. وجدير بالذكر أنّ لجنة الانتخابات المركزية قدّمت حلّاً لمشكلة الانتخابات في القدس، يتمثّل في تمكين ابن القدس من الانتخاب عبر أيّ صندوق اقتراع، بالاستناد إلى أنّ الانتخابات يُعتمد فيها التمثيل النسبي، والضفّة الغربية بما فيها القدس والقطاع دائرة انتخابية واحدة. وكان هذا أحد الحلول المقترحة، ولم يُؤخذ به، لأنّ تأجيل الانتخابات كان سببه، في رأي كاتب هذه المقالة، الخشية من الخسارة المؤكَّدة، وليس أيّ سبب آخر. والسؤال هنا: ألم يكن هناك احتلال للقطاع عند صدور مرسوم الانتخابات؟

انتخابات تحت الاحتلال، وفي ظلّ الانقسام، ومن دون مشروع وطني، قد تقود إلى مزيد من التدهور والشرذمة والانقسام

ولتفسير هذا السلوك، هناك عدّة احتمالات. الأوّل، أنّ النيّة كانت مبيّتةً لعدم إجراء الانتخابات، وأنّ العذر كان موجوداً ومعروفاً منذ البداية، وهو احتلال القطاع واستمرار الإبادة. الثاني، وجود تقدير بأنّ خطّة ترامب تجاه قطاع غزّة ستُطبَّق، وأنّ حركة حماس لن تشارك في الانتخابات أو لن يُسمح لها بالمشاركة، وبالتالي ستضغط الإدارة الأميركية على حكومة نتنياهو حتّى تسهّل إجراء الانتخابات، وستكون الطريق معبّدةً لفوز قائمة حركة فتح وما يدور في فلكها من قوائم محلّية وعشائرية، وقوائم تمثّل رجال الأعمال ومراكز القوّة، خصوصاً بعد تخفيض نسبة الحسم إلى 1%، فضلاً عن القوائم الفتحاوية المتمرّدة التي يمكن احتواء معظمها أو التفاهم معها.
لكنّ حسابات الحقل جاءت مخالفةً لحسابات البيدر، إذ قرّرت "حماس" المشاركة في الانتخابات، وأعلنت أنّها تفضّل المشاركة من خلال تشكيل قائمة انتخابية ائتلافية واسعة تضمّ التيّار الإصلاحي في حركة فتح (محمد دحلان) وحركة الجهاد الإسلامي وآخرين، وتبقى مفتوحةً أمام قوى أخرى، على الرغم من رفض الجبهتَيْن الشعبية والديمقراطية، والمبادرة الوطنية، والمؤتمرات والحراكات كافّة. ويستند سيناريو التأجيل أيضاً إلى فرضية أنّ حكومة نتنياهو - بن غفير - سموتريتش، التي ستكون في الحكم عند موعد إجراء الانتخابات التشريعية (28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل)، فازت في الانتخابات الإسرائيلية أو خسرتها، ليست معنيةً، بل ترفض تمكين الفلسطينيين من إجراء انتخابات تجدّد شرعية السلطة التي تعمل حكومة الاحتلال بشكل منهجي ومثابر لتقويضها. وليست معنيةً بتجسيد الهُويّة الوطنية الفلسطينية، بل تعمل على تآكلها وتذويبها، لفتح الطريق أمام مخطّطها لتصفية القضية الفلسطينية عبر الإبادة والتهجير والضمّ والاستيطان والفصل والتطهير العنصري. فتجديد الشرعية الفلسطينية وإحياء المؤسّسات المُنتخَبة بمشاركة من مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي يبقيان خيار تجسيد حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال وإقامة دولة فلسطين مفتوحاً، كما يعيدان إحياء وحدة الضفّة الغربية وقطاع غزّة. ومن شأن هذا أن يفضي إلى تشكيل مجلس تشريعي مُنتخَب ينازع "مجلس السلام" على المرجعية والولاية.
وليس مستغرباً ألّا تكون الإدارة الأميركية قد منحت الضوء الأخضر لإجراء الانتخابات، بدليل أنّها تغطّي عدم تطبيق الحكومة الإسرائيلية خريطة الطريق لتنفيذ خطة ترامب التي اتفق عليها "مجلس السلام" وحركة حماس برعاية مصرية وقطرية وتركية، وتُوِّجت بلقاء في القاهرة بين جاريد كوشنر و"حماس" بحضور الوسطاء، أُعلن بعده أنّه لا مانع من أن تلعب "حماس" دوراً سياسياً بعد التخلّي عن السلطة ونزع سلاحها، وبعد أن يتم هذا "يمكن" السماح بإجراء الانتخابات. هذا صحيح بالنسبة إلى حكّام واشنطن، أمّا حكّام تل أبيب الحاليون، على الأقلّ، فلهم تقدير آخر، والتخلّي عن الحكم ونزع السلاح سيحتاجان، في أحسن الأحوال، إلى عدّة أشهر، تُحسب بعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية، لأنّ حكومة نتنياهو ترفض تطبيقها عشية الانتخابات حتّى لا تزيد من احتمالات خسارتها.

يدعم تأجيل الانتخابات تلك الهوّة الواسعة، التي تتّسع أكثر، بين القيادة والسلطة من جهة، والقاعدة الشعبية من جهة أخرى، نتيجة المأزق العميق الذي يعيشه النظام السياسي الفلسطيني

تأسيساً على ما سبق، ليس متوقّعاً إجراء الانتخابات. وإذا سلّمنا جدلاً بأنّها ستُجرى، فسيعزّز هذا فكرة تشكيل قائمة ائتلافية واسعة تنافس قائمة "فتح"، ما سيجعل الانتخابات ساخنةً وتنافسيةً، بل وحاسمةً؛ أي انتخابات "كسر عظم"، للحسم والمغالبة، وليست للمشاركة والوحدة وضمان التعدّدية. فإجراء انتخابات تحت الاحتلال، وفي ظلّ الانقسام، ومن دون بلورة رؤية شاملة ومشروع وطني تكون الانتخابات إحدى أدواته، يمكن أن يقود إلى مزيد من التدهور والشرذمة والانقسام، لأنّ النتائج ستغيّر خريطة القوى السياسية وأوزانها، حصلت القائمة الائتلافية الواسعة على الأغلبية أم لم تحصل عليها، لا هي ولا قائمة "فتح" ولا أيّ قائمة أخرى.
وقد يستدعي هذا إمّا مصادرة الاحتلال أي نتائج غير مريحة له، كما فعل سابقاً، أو إصدار مراسيم انتخابية وقرارات وإجراءات لمصادرة نتائج الانتخابات، بالاستناد إلى أنّ النظام رئاسي، وأنّ هناك قيوداً سياسية على القوائم التي ستخوض الانتخابات، فيمكن عدم قبول ترشّح قائمة أو الطعن فيها بعد فوزها، لأنّها لا تلتزم بالتعهّد الذي يقضي بالموافقة على برنامج منظّمة التحرير السياسي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. وممّا يعزز احتمال التأجيل أيضاً عدم وجود جاهزية لدى حركة فتح لخوض الانتخابات. فقد نُقل عن محمود العالول (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الذي يقاطع اجتماعاتها حتّى كتابة هذه السطور احتجاجاً على توزيع المهامّ بين أعضائها وأمور أخرى) قوله: "أعمى البصر والبصيرة من يقول إنّ فتح جاهزة لإجراء الانتخابات".
يدعم التأجيل كذلك الهوّة الواسعة، التي تتّسع أكثر، بين القيادة والسلطة من جهة، والقاعدة الشعبية من جهة أخرى، نتيجة المأزق العميق الذي يعيشه النظام السياسي الفلسطيني، بعدما وصلت مختلف الاستراتيجيات إلى طريق مسدود، وبات السقف السياسي منخفضاً إلى حدّ كبير. ويُلاحظ هذا في موافقة مختلف الأطراف، في السلطة والمعارضة، على خطّة ترامب و"مجلس السلام"، بما يجسده الأخير من وصاية استعمارية، فضلاً عن عدم دفع رواتب كاملة منذ سنوات، وتفجّر قضايا الفساد وفضائحه، وأزمة الوقود والمعابر، ووصول الفقر والبطالة إلى مستويات عالية جدّاً في قطاع غزّة، وإلى مستويات مرتفعة في الضفّة الغربية، إضافة إلى تداعيات المؤتمر الثامن لحركة فتح وارتداداته.
قلنا سابقاً، ونؤكّد حالياً، أنّ الانتخابات، في الظروف الفلسطينية الاستثنائية التي يراد فيها تصفية القضية الفلسطينية من جذورها وبكلّ أبعادها، ليست أولويةَ الأولويات، والأولوية لا بدّ أن تكون لتوفير مقوّمات الصمود والبقاء للقضية والشعب عبر وقف الإبادة والتهجير والاستيطان والفصل العنصري، وليست حلّاً ولا مدخلاً للحلّ، بل من المرجّح أن تكون، إن عُقدت من دون مشروع وطني وبلا توافق وطني، أداةً لتكريس واقع السلطة سلطةَ حكم ذاتي، مهمتها إدارة السكّان تحت الاحتلال، وليس المساهمة في الجهد الوطني الرامي إلى إنهاء الاحتلال، ويُراد تأهيلها، سواء بالانتخابات أو من دونها، لتغطية أيّ حلول تصفوية مقبلة. فلن يُسمح للانتخابات، في ظلّ موازين القوى القائمة والبيئة الإقليمية والدولية الراهنة، بأن تكون حرّةً ونزيهةً وتُحترم نتائجها، وإذا عُقدت وكانت نتائجها غير ملائمة، فمن المرجَّح أن تُصادر.
لذا، السيناريو الأرجح أن تكتفي القيادة بتشكيل المجلس الوطني عبر التعيين، الذي يأخذ شكلاً صورياً مفضوحاً يسمّى "المجمعات الانتخابية"، وتأجيل الانتخابات التشريعية تأجيلاً مفتوحاً، أو حتّى الربيع المقبل، إلى أن تتّضح الصورة السياسية في المنطقة عموماً وفي إسرائيل خصوصاً. فقد تتشكّل حكومة إسرائيلية جديدة، أو ينجح الائتلاف الحاكم، أو لا يتمكّن أحد من تشكيل الحكومة، وتبقى إسرائيل في فترة انتقالية تستمرّ فيها الحكومة الحالية في تسيير الأعمال، إلى حين إجراء انتخابات جديدة أو تشكيل حكومة وحدة يتم الاتفاق على التناوب في رئاستها. ويمكن أن تلجأ القيادة الرسمية إلى توصية من لجنة الانتخابات المركزية تفيد بأنّ الانتخابات لا يمكن أن تتمّ من دون قطاع غزّة، وهذا يتطلّب تقديم تسهيلات تسمح بإجرائها.

عدم إجراء الانتخابات سيجعل السلطة أضعف في مواجهة الضغوط والشروط والإملاءات الخارجية

أو يمكن أن يكون التأجيل أحد نتائج حوار وطني يُعقد في القاهرة، يستند إلى مبادرة الجبهة الشعبية أو من دونها. والبحث جارٍ في هذا مع القاهرة والفرقاء الفلسطينيين، وهناك زيارة قريبة للرئيس، سيكون هذا الموضوع، على الأرجح، في جدول أعمالها. هناك عدّة محاذير لتأجيل الانتخابات بتوافق وطني، منها أنّه سيشكّل سابقةً يمكن اللجوء إليها مرّة أخرى، بحيث لا تعود الانتخابات حقّاً أساسياً للشعب يجب الوفاء به دورياً وبانتظام، بل تصبح أمراً سياسياً يمكن التفاوض حوله.
كما سيجعل عدم إجراء الانتخابات السلطة أضعف في مواجهة الضغوط والشروط والإملاءات الخارجية، في وقت تجري فيه مفاوضات حول مذكّرة تفاهم أميركية - فلسطينية، وتُبذل جهود أميركية لفرض مزيد من التنازلات الخطيرة على الفلسطينيين، تنزع ما تبقّى من أوراق قوّة ومكاسب لديهم، تُقدّم باسم الإصلاح وتأهيل السلطة حتّى تكون شريكاً في المرحلة المقبلة.
من هنا، أيّ تأجيل للانتخابات عبر حوار وطني يجب أن يتضمّن تحديد موعد ملزم للانتخابات، وموعد له حدّ أقصى زمني مُلزِم، لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، ووقف إجراءات تشكيل مجلس وطني بالتعيين عبر المجمّعات الانتخابية، والعودة إلى قرار الإجماع الوطني المتعلّق بتشكيل المجلس الوطني بالانتخابات حيثما أمكن. فهناك العديد من التجمّعات الفلسطينية في الخارج التي يمكن إجراء الانتخابات فيها، لو توافرت النيّة والإرادة لدى القيادة الفلسطينية الرسمية، وبالتوافق الوطني وفق معايير موضوعية واضحة حيثما يتعذّر إجراء الانتخابات.
وأيّ حوار وطني لا بدّ من توسيع دائرة المشاركين فيه، فيشارك ممثّلون عن الشتات والمرأة والشباب بما يتناسب مع أحجامهم، كما لا بدّ من تمثيل حقيقي للمجتمع المدني والقطاع الخاصّ والشخصيات المستقلّة، والبحث في كيفية تمثيل شعبنا في الداخل.
ويجب أن يتركّز جدول أعمال الحوار الوطني الشامل على كيفية مواجهة التحدّيات والمخاطر الوجودية وتوظيف الفرص المتاحة، من خلال الاتفاق على برنامج يجسّد القواسم المشتركة، لا على المحاصصة الفصائلية، خصوصاً بشأن الحصص في المجلس الوطني المزمع تشكيله. كما لا بدّ أن يشمل إعادة صياغة المشروع الوطني، بما يتضمّن العقد الاجتماعي (الميثاق الوطني)، ووضع الأهداف النهائية المستندة إلى الحقوق التاريخية والطبيعية والقانونية والسردية التاريخية، وتحديد الهدف الوطني المركزي لهذه المرحلة، ومختلف الأهداف المرحلية، وكيفية تحقيقها باستخدام أشكال النضال المتاحة وذات الجدوى في هذه المرحلة.

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.