16
    

 

يدهشنا الاستماع إلى روايات النساء المهجّرات من مخيمات الضفة الغربية، منذ كانون الثاني 2025، وتغمر قلوبنا مشاعر متناقضة، هي مزيج من الحزن وانفطار القلب والغضب والمرارة والحب والإعجاب والفخر في آن.

ينفطر القلب حين ننصت إلى شهادات النساء اللواتي اقتلعن من بيتوهن، وعانين آلام تشتت العائلة، والجوع، والعطش، وشحّ الموارد، وانعدام الأمان، وفقدان الأحبة، وفقدان البيت.

ويغمرنا الإحساس بالإعجاب والفخر حين  نلمس مدى ترابط الخاص والعام في شهاداتهن؛ نتعرّف على آرائهن السياسية، وعملهن الاجتماعي، وعلى أساليبهن المختلفة والمتنوعة والمبدعة، التي يقاومن بواسطتها المصائب التي تنزل كالمطر فوق رؤوسهن ورؤوس عوائلهن، والتي تمكّنهن من الصمود في وجه التحديات التي يفرضها التهجير والاقتلاع بصلابة وعزيمة قوية.

*****

"إحنا حارة إسمها حارة قاقون، من ضمن الحارات 12 اللي ظلت صامدة. ، قعدت في المخيم واحد وستين يوم، آخر حارة نزحت من المخيم يوم 21 رمضان. الـ 61 يوم رغم إنّهن أصعب أيّام حياتي لكنّهن من أجمل أيّام حياتي إللّي عشتها، لأني أنا حسّيت حالي أثبتت إنّي أنا مقاوِمة، إنّي قادرة أتحدّى الصعاب".

شهادة دالّة وثّقها "مركز الرواة للدراسات والأبحاث"، مع الناشطة الاجتماعية "آسيا جاد عساف" (44 عامًا)، حول تهجيرها من مخيم طولكرم.

تبدأ "آسيا" حديثها بتثبيت إسم حارتها "قاقون" - قضاء طولكرم - البلدة التي طهّرت عرقيًا يوم 5 حزيران 1948 -، مما يكشف عن إيمانها وسكان حارتها في المخيم، بأن قاقون هي الأصل، وأن حقهم في العودة هو حق لا تنازل عنه؛ العودة للمخيم أولًا، على طريق العودة إلى البلد الأصلي: قاقون.

وحين تتحدث عن اقتلاعها وعائلتها من المخيم بعد واحد وستين يومًا؛ تروي تفاصيل رحلة عذاب لا حدّ لها، ممتزجة مع مواقف صمود ورباطة جأش وفاعلية لا حدّ لها.   

*****

ولدت في مخيم طولكرم، وعاشت طفولتها فيه، ودرست في مدارسه، وأنهت الثانوية العامة وتزوجت أيام الانتفاضة الثانية، وأنجبت خمسة أولاد، ولإحساسها بالانتماء للمخيم عملت مع اللجنة الشبابية فيه. تركّز حديثها بداية حول الأيام القاسية التي عاشتها وعائلتها وأهالي المخيم منذ بداية العام 2025.

ووقفت لدى اليوم الذي دمّر فيه المخيم، وهو يوم 27 كانون الثاني، والذي وصفته بأنه كان أصعب يوم واجه أهل المخيم جميعًا: "اغتالوا زينة شباب المخيم..هرّبت اولادي وضليت أنا وزوجي واولادي الصغار".

ثم روت عن أصعب أيام حياتها وأجملها - على حدّ تعبيرها - خلال صمودها 61 يومًا في بيتها، قبل نزوحها القسري. تقاسمت ما لديها من طعام مع العائلات من حولها. كانت تطبخ والدرون فوق رأسها، وترسل طعامًا لمن نفذ التموين لديه. ثم جازفت بالخروج من بيتها لتأمين الأدوية والخبز للناس، والفوط والحليب للأطفال، رغم الخطر؛ حين تعذر ذلك على أعضاء اللجنة الشبابية.

*****

بعد واحد وستين يومًا من اجتياح المخيم، وفي 21 آذار 2025 تحديدًا؛ اقتلعت آسيا عساف من بيتها، وقالت إنها لن تنسى هذا اليوم طوال حياتها. "طبّلوا على البيت بطريقة همجية: يلّلا إطلعوا، هذا البيت بدّه يصير عنده تفجير. لازم كلكم تطلعوا".

أخذت أولادها الصغار، وذهبت إلى بيت حماها، الذي يعيش في شقة على الشارع جهة المخيم. لكن الجيش داهم البيت في اليوم الرابع لوصولها، وطلب من السكان جميعًا عبر السماعات بأن يخرجوا من بيوتهم، ويخلوا الحارة "هذه الحارة ثكنة لليهود بدها تصير".

وبدأت بعدها رحلة نزوح أسماء ومعاناتها المتواصلة. ذهبت إلى قرية إكتابا، عند أهلها، وبقيت شهرين، إلى أن استأجرت شقة مفروشة، بقيت فيها تسعة أيام، جاء بعدها جيش الاحتلال وأخرجها منها بالقوة، بحجة أنها في عمارة تقع مقابل ثكنة عسكرية، فعادت إلى اكتابا، ومكثت شهرًا. ورغم أن الارتباط الفلسطيني استطاع إعادتها إلى بيتها الذي استأجرته، وبقيت فيه مدة شهر؛ لكن الجيش تدخل مرة أخرى وأخرجها منه؛ لتعود إلى اكتابا. ومع أنها بقيت بين أهلها الذين احتضنوها؛ لكن معاناتها كانت كبيرة بسبب بعد القرية عن مدارس أولادها، وعن مدينة طولكرم، وعن كل شيئ.

وكما أكّدت آسيا أنها لن تنسى يوم تهجيرها من مخيمها؛ قالت بحرقة إنها لن تنسى يوم شاهدت بعينيها تدمير بيتها: "ما هدموا البيت، هدموني أنا! حيطانه، كلّ قطعة فيه، كُلّ بلاطة، كلّ حجر. راح البيت، وراحت الحياة، وهمّه ما طلّعوا الشّارع من البيت، طلّعوه من قلوبنا، من ذكرياتنا".

*****

رغم الألم والمعاناة؛ واصلت الصبية حمل رسالتها السياسية والاجتماعية بعد التهجير. وتولت مسؤولية الاهتمام بشؤون الحارة الشرقية في طولكرم للنازحين.  

ازدادت المسؤولية بعد النزوح، واستمرّت آسيا في عملها كالنحلة، ضمن جمعية النجدة، مع المركز النسوي، ومع اللجنة الشبابية، متطوّعة في "تكية فزعة أهل الخير التابعة لجنوب وادي الحوارث".

 كان هناك مائتا وعشرون عائلة نازحة، يقيمون في الحي الشرقي من مدينة طولكرم، ويتواصلون مع آسيا حين يحتاجون شيئًا، وخاصة كل ما يتعلق بالنساء. وكانت الجمعية تتلقى مساعدات من المجتمع المحلي، ومن وكالة غوث اللاجئين: "أغلب الناس إيجارات والكهرباء إللّي ذابحهم. لو ما فِشّ مساعدة الناس ماتت".

*****

عبّرت آسيا على امتداد شهادتها عن علاقتها الحميمة بمخيم طولكرم وناسه؛ ووصفته بقولها: هو روحنا، نفَسنا، حياتنا، ذكرياتنا، روح التعاون، القلوب الصافية، وهو أجمل بقعة في الدنيا.

وفي وعي سياسي واضح؛ تحدثت عن مخططات دولة الاحتلال الإسرائيلي لشطب قضية اللاجئين، عبر تدمير بيوت المخيم ومحوها، ووضع سواتر ترابية وإسمنت، وفتح شوارع بين البيوت، لعزل مخيم طولكرم عن المدينة، حيث أعلنوا أنهم لن يسمحوا ببناء أي بيت من البيوت التي هدموها.

كما ربطت بين العودة إلى المخيم والعودة إلى قاقون، حين قالت إنها لا تعرف قاقون؛ لكنها تنتمي إليها في الوجدان والروح؛ لأن أهلها مولودون فيها. وأكّدت أنها مستعدة للعودة إلى المخيم، حتى لو عاشت بخيمة، أو وجدت كرسيًا تجلس عليه. "إذا رجعنا على المخيم بنرجع على قاقون. المخيم انطلاقتنا للعودة".

 

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.