ورقة تحليلية- عام على اتفاق غزة: مخاطر المسار وخيارات التحرك الفلسطيني
413
    

هذه الورقة من إعداد أحمد الطناني، ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.**

مقدمة

بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، تبرز الحاجة إلى تقييم الإستراتيجية الفلسطينية في التعامل معه، انطلاقًا من حصيلة تطبيقه، ومدى تحقق الأهداف التي دفعت إلى قبوله، والتحولات التي طرأت على وظائفه السياسية والأمنية والإنسانية. فقد ارتبط القبول الفلسطيني أساسًا بضرورة وقف الإبادة، وحماية ما تبقى من الأرض والسكان، وفتح مسار يسمح باستعادة مقومات الحياة، مع محاولة الحد من مخاطر الخطة الأميركية عبر التفاوض على تفاصيلها التنفيذية.

تكشف حصيلة العام الأول عن اختلال متزايد في تنفيذ الالتزامات، سمح للاحتلال باستيفاء استحقاقات أساسية من الطرف الفلسطيني، مع استمرار تعطيل الالتزامات المقابلة، ومواصلة القتل والتوسع الميداني وتقييد التعافي. وأنتج هذا الاختلال حالة يتحول فيها الاتفاق عمليًا إلى إطار لالتزام فلسطيني مستمر، بينما يحتفظ الاحتلال بقدرة واسعة على تحديد ما ينفذه وتوقيت تنفيذه وشروطه.

أولًا: منطق الإستراتيجية الفلسطينية عند القبول

جاء القبول الفلسطيني بالاتفاق في سياق اختلال حاد في موازين القوى، وتحت ضغط خطرين متلازمين: فقدان الجغرافيا عبر التوسع العسكري، وفقدان السكان عبر القتل والتجويع والتهجير وتدمير شروط الحياة. وفي ظل هذه المعادلة، اكتسب وقف إطلاق النار أولوية وجودية، على الرغم من المخاطر المتضمنة في الخطة الأميركية على مستويات الإدارة والأمن والإعمار والمرجعية السياسية[1].

قامت المقاربة الفلسطينية على التعامل مع الخطة باعتبارها مسارًا يمكن التأثير في مخرجاته خلال التطبيق، واستندت إلى وجود تفاصيل تنفيذية غير محسومة، وإلى دور الوسطاء في التفاوض عليها، وإلى احتمال استخدام الحضور العربي والإسلامي لتقييد التفسيرات الإسرائيلية والأميركية الأكثر خطورة.

وتبلورت هذه المقاربة في سياسة التفكيك التدريجي للمخاطر، التي تفترض أن مراكمة تعديلات في التفسير والتنفيذ يمكن أن تحد من آثار الخطة، وأن الالتزام الفلسطيني يمنح أدوات سياسية لمطالبة الأطراف الأخرى بالتنفيذ[2]. وقد شملت أهدافها تثبيت وقف إطلاق النار، وتحسين الأوضاع الإنسانية، ومنع التهجير، والحفاظ على وحدة القطاع، وفتح طريق للانسحاب والإعمار، مع احتواء مخاطر الإدارة الخارجية والترتيبات الأمنية.

غير أن فاعلية هذه السياسة كانت مرتبطة بثلاثة شروط: وجود تبادلية فعلية في تنفيذ الالتزامات، وامتلاك الوسطاء والفاعلين الإقليميين استعدادًا لاستخدام نفوذهم عند التعطيل، وقدرة الطرف الفلسطيني على تحويل التزامه إلى رصيد سياسي يُستثمر ضمن موقف موحد. وتكشف حصيلة العام الأول أن هذه الشروط تحققت بدرجات محدودة، بما يستوجب مراجعة الرهان على استمرار التفاوض وحده بوصفه وسيلة كافية لحماية أهداف الاتفاق.

ثانيًا: حصيلة التطبيق واختلال التبادلية

أُنجز خلال العام الأول ملف إعادة الأسرى الإسرائيليين، وقدم الطرف الفلسطيني مرونة في ترتيبات الإدارة المدنية وقبول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وانخرط في مناقشة المسارات التنفيذية اللاحقة وصولًا لقبول خارطة الطريق التي قدمها المدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، فيما عُرف باسم "اتفاق العلمين"، التي شملت ترتيبات لحصر وتجميع السلاح مقابل جدولة الانسحاب الإسرائيلي[3]، وهو ما اصطدم برفض إسرائيلي وقبول ضمني من مجلس السلام لهذا التعطيل، الذي انعكس على ملفات الحماية الإنسانية والتعافي والانسحاب وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة.

وتؤكد المواقف المعلنة للدول الثماني العربية والإسلامية وجود هذا الاختلال، فقد أدان بيانها في 16 آب/ أغسطس 2026 رفض الاحتلال خارطة الطريق لاستكمال تنفيذ الخطة، وأشار إلى قبول الفصائل الفلسطينية بها، وحمّله مسؤولية عرقلة المسار[4]. كما طالب بيان أيلول/ سبتمبر بتنفيذ الالتزامات المتبقية من المرحلة الأولى، بما يشمل المساعدات ومستلزمات التعافي وتأهيل البنية الأساسية[5].

وعلى المستوى الإنساني، وثقت هيومن رايتس ووتش، في تقييم الذكرى السنوية، استمرار قتل المدنيين وحرمانهم من الاحتياجات الأساسية، ونقلت عن وزارة الصحة استشهاد

1400 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار، مع استمرار تقييد المساعدات وتعثر إعادة الإعمار[6].

تسمح هذه الحصيلة بتحديد ثلاث اختلالات رئيسية في بنية التطبيق:

  1. اختلال توزيع الالتزامات: تُعامل الاستحقاقات الفلسطينية باعتبارها واجبات محددة يتوقف عليها استمرار المسار، في حين تصبح الاستحقاقات الإسرائيلية موضوعًا لجولات تفاوض إضافية. ويؤدي ذلك إلى انتقال الاتفاق من تنفيذ التزامات متقابلة إلى استيفاء التزامات طرف، وإعادة التفاوض على التزامات الطرف الآخر.
  2. اختلال ترتيب المراحل: يؤدي الانتقال إلى مناقشة الاستحقاقات الأمنية والسياسية اللاحقة، مع بقاء التزامات إنسانية وإدارية سابقة معلقة، إلى منح الاحتلال قدرة على اشتراط تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه بتنازلات جديدة. وبذلك، تُستهلك المرونة الفلسطينية من دون تحقق مقابل يتناسب معها.
  3. اختلال كلفة التعطيل: بينما يتحمل الفلسطينيون نتائج التأخير مباشرة في حياتهم وصحتهم وسكنهم وقدرتهم على البقاء، تظل كلفة التعطيل على الاحتلال محدودة. ويمنح استمرار هذا التفاوت الاحتلال حافزًا لإطالة المسار، ما دام التأخير ينتج وقائع تخدم أهدافه ولا يترتب عليه ضغط مؤثر.

وبناء عليه، فإن الاتفاق أصبح عمليًا اتفاقًا من طرف واحد يتعلق بطريقة تطبيقه واختلال تبادليته، مع بقاء النص إطارًا يمكن الاستناد إليه للمطالبة بالحقوق والاستحقاقات. وتقتضي المراجعة الفلسطينية الحفاظ على هذه المطالب، وتطوير أدوات فرضها.

ثالثًا: التحول الوظيفي للاتفاق ومخاطر استمرار الإبادة

تكمن الخطورة الإستراتيجية في قدرة الاحتلال على استخدام الاتفاق لإدارة أهداف الحرب بأدوات متفاوتة الكثافة. فاستمرار القتل والتوسع، وتقييد المساعدات، ومنع استعادة الخدمات والسكن، يسمح باستنزاف المجتمع الفلسطيني، وتقليص قدرته على البقاء، دون العودة بالضرورة إلى النمط السابق من العمليات العسكرية الشاملة.

ويؤدي هذا المسار إلى تحول وظيفي في الاتفاق، من إطار يفترض أن يوقف الحرب ويتيح التعافي، إلى مظلة لإدارة واقع ممتد من السيطرة والحرمان. وتزداد خطورته حين تتراجع المتابعة الدولية استنادًا إلى افتراض أن إعلان وقف إطلاق النار يعني انتهاء الحرب، فتُقرأ الوقائع اللاحقة باعتبارها خلافات تنفيذية أو خروقات منفصلة، على الرغم من اتصالها بأهداف الاقتلاع وإعادة تشكيل القطاع.

وتتوزع مخاطر هذا التحول على أربعة مستويات مترابطة:

  1. المستوى الجغرافي: يتيح استمرار التوسع وتغيير حدود الانتشار تحويل خطوط الانسحاب المؤقتة "الخط الأصفر"[7] إلى حدود سيطرة، وتقليص المساحة المتاحة للسكان، وتثبيت تقسيمات يصعب تجاوزها في المراحل التالية.
  2. المستوى الديمغرافي والاجتماعي: يؤدي تدمير شروط الحياة واستمرار النزوح إلى زيادة ضغوط المغادرة، وإضعاف الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تساعد السكان على الصمود. ويصبح التهجير حصيلة متراكمة للسياسات المفروضة على القطاع.
  3. المستوى المؤسسي: يطيل تعطيل لجنة التكنوقراط والإدارة المدنية حالة الاضطراب، ويضعف استمرارية الخدمات، ويُبقي المؤسسات الفلسطينية عاجزة عن بناء قدرة مستقرة على إدارة التعافي.
  4. المستوى السياسي: يسمح تقديم الأمن على بقية الاستحقاقات بإعادة تعريف مستقبل غزة بوصفه ملفًا أمنيًا وإنسانيًا منفصلًا عن الحقوق الوطنية، بما يهدد بتكريس فصل القطاع عن النظام السياسي الفلسطيني.

تفرض هذه المخاطر توسيع معيار تقييم الاتفاق، فقياسه بمستوى انخفاض العمليات العسكرية وحده لا يكفي؛ إذ يجب أن يشمل حماية السكان، ووقف التوسع والتهجير، وحرية الوصول الإنساني، واستعادة الخدمات، وتمكين الإدارة الفلسطينية، والتقدم نحو الانسحاب.

رابعًا: مجلس السلام بين التفويض وحصيلة التنفيذ

يستدعي تقييم الإستراتيجية الفلسطينية فحص دور مجلس السلام، باعتباره أحد الهياكل الرئيسية التي يستند إليها تنفيذ الخطة. وقد أضاف بيانه في ذكرى السابع من أكتوبر مؤشرًا على ترتيب أولوياته، حين قدم الأمن الحقيقي والدائم لـ"إسرائيل" أساسًا لأي سلام، وركز على إعادة الأسرى الإسرائيليين، مع إشارة عامة إلى معاناة الفلسطينيين والإسرائيليين[8].

وتكتسب دلالة البيان أهميتها من اقترانه بحصيلة التنفيذ، فتركيز المجلس على الأمن الإسرائيلي في ظل استمرار تعطل الحماية والتعافي والإدارة الفلسطينية، يعزز الاستنتاج بأن المقاربة التنفيذية تتجه إلى منح هذا الأمن موقعًا حاكمًا لبقية الاستحقاقات.

تتطلب مساءلة مجلس السلام التمييز بين الاختلالات البنيوية في القرار 2803 والانحرافات التي كرّسها التطبيق. فالقرار يربط الانسحاب بالترتيبات الأمنية، ويمنح الإدارة الانتقالية صلاحيات واسعة تحمل مخاطر على المرجعية الوطنية الفلسطينية. وفي الوقت ذاته، يتضمن التزامات بتنفيذ الخطة كاملة، والحفاظ على وقف إطلاق النار، واستئناف المساعدات، ودعم اللجنة الفلسطينية وتمكينها من أداء مهماتها، والشروع في الإعمار والتعافي وتيسير الحركة، إلى جانب الإشارة إلى مسار نحو تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية[9]. وعلى الرغم من الطابع المشروط لهذا الأفق السياسي، فإنه يشكل مرجعية لمواجهة محاولات اختزال الاتفاق في الاستحقاقات الأمنية، وتكريس إدارة غزة بمعزل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وعلى هذا الأساس، تقوم الحجة الفلسطينية على مساءلة المجلس عن انتقائيته في تنفيذ الالتزامات، والإجراءات التي اتخذها لمواجهة العرقلة الإسرائيلية، ومدى اتساق أولوياته المعلنة مع مهمته في إنهاء الحرب وتهيئة شروط التعافي. وتشمل المساءلة المواربة المتكررة في بياناته وإحاطاته، وتجنّبه تحديد مسؤولية الاحتلال عن التعطيل، وتجاوزه عن السلوك العدواني الإسرائيلي، بما يمنح الاحتلال هامشًا لمواصلة القتل والتوسع وتقويض الاتفاق من دون كلفة سياسية تتناسب مع حجم انتهاكاته.

ويجب أن تشمل المساءلة تفسير تعطيل دخول اللجنة، وغياب التقدم في التعافي، واستمرار الخروقات والتوسع، وطريقة تقييم التزام الأطراف. وينبغي المطالبة بمعايير معلنة تميز بين النشاط الدبلوماسي والتقدم التنفيذي، حتى لا تصبح الاجتماعات والخطط بديلًا من النتائج الملموسة.

خامسًا: تمكين لجنة التكنوقراط بوصفه استحقاقًا عاجلًا

يمثل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وتسلمها مهماتها اختبارًا مباشرًا لجدية المسار، فقد جرى قبولها فلسطينيًا باعتبارها ترتيبًا انتقاليًا يساعد على انتظام الخدمات وإدارة التعافي، في حين يهدد استمرار تعطيلها بتحويلها إلى هيكل يعمل خارج القطاع دون قدرة فعلية على التأثير في حياة سكانه.

وأعلنت اللجنة في أيلول/ سبتمبر 2026 برنامج تعافٍ لستة أشهر بكلفة تقارب 2.45 مليار دولار، مع ربط بدء التنفيذ بتوافر التمويل والوصول والشروط اللازمة للعمل[10].

تكشف هذه المعادلة عن فجوة بين بناء الخطط وامتلاك القدرة التنفيذية، ولذلك يجب تحويل تمكين اللجنة إلى مطلب محدد يتضمن موعدًا للدخول والتسلم، وحرية العمل في كامل القطاع، وإدخال الموارد والمعدات، وضمان استمرارية المؤسسات والخدمات، وحماية الحقوق القانونية للعاملين.

ويقتضي تمكينها معالجة مرجعيتها الوطنية بالتوازي، من خلال تثبيت علاقتها بالقانون الفلسطيني وبالمؤسسات الفلسطينية، وتثبيت حدود المرحلة الانتقالية ومسار انتهائها. فنجاحها يُقاس أيضًا بقدرتها على دعم وحدة النظام السياسي، ومنع تحول الإدارة المؤقتة إلى بنية منفصلة مرتبطة بمرجعية خارجية دائمة.

سادسًا: المراجعة المطلوبة في الحوار الفلسطيني بالقاهرة

يجب أن يتناول الحوار الوطني المرتقب الإستراتيجية تجاه الاتفاق ضمن جدول أعمال مستقل، يتصل بترتيبات الوحدة الوطنية وإصلاح المؤسسات. وتنبع أهمية ذلك من أن تشتت إدارة الموقف الفلسطيني من الاتفاق يضعف القدرة على استخدام عناصر القوة الفلسطينية، ويتيح للأطراف الخارجية التعامل مع كل مكون على حدة.

تقتضي المراجعة المشتركة تقييم أداء الفصائل والقيادة الرسمية معًا، فمركزية إدارة التفاوض لدى حركة حماس تحتاج إلى الانتقال نحو مرجعية وطنية أوسع، تتشارك القرار والمسؤولية، في حين تحتاج القيادة الرسمية إلى تفعيل أدواتها التمثيلية والدبلوماسية، وتجاوز الانتظار القائم على افتراض أن شرعيتها ستجعلها الممر النهائي لأي ترتيبات مستقبلية.

ويُفترض أن ينتج الحوار ثلاثة مخرجات مترابطة:

  1. وثيقة وطنية موحدة: تحدد أهداف التعامل مع الاتفاق، والاستحقاقات العاجلة، وحدود التفويض التفاوضي، والضمانات المطلوبة لأي التزامات جديدة، والموقف من ترتيبات الإدارة والأمن والإعمار.
  2. هيئة متابعة وطنية: تعمل تحت مرجعية متوافق عليها، وتتولى تنسيق الموقف والتواصل مع الوسطاء والدول المعنية، وإعداد ملفات التنفيذ والخروقات، وتقديم تقييمات دورية للأطراف الفلسطينية.
  3. برنامج تحرك محدد: يوزع المسؤوليات، ويحدد المواعيد وأدوات الضغط، ويربط كل مرحلة بتقييم حصيلتها واتخاذ القرار اللاحق.

تتوقف فاعلية هذه المخرجات على تحويل الشراكة إلى آلية عمل، حيث تلتزم الأطراف بالموقف المتفق عليه في اتصالاتها الخارجية، وتُعاد القضايا المصيرية إلى المرجعية المشتركة قبل حسمها.

سابعًا: بناء جبهة ضغط عربية وإسلامية

توفر الدول الثماني، وهي مصر وقطر والسعودية والأردن والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستان، إطارًا قائمًا يمكن البناء عليه، فمواقفها المعلنة تقر بجانب أساسي من مشكلة التنفيذ، وتؤكد ضرورة الانسحاب والتعافي ووحدة الأرض الفلسطينية. وتتمثل المهمة الفلسطينية في تحويل هذا التوافق إلى مطالب مشتركة، وأدوات متابعة وضغط.

يمكن تنظيم التحرك ضمن مسار تصاعدي يبدأ بوفد وزاري جماعي إلى واشنطن، يحمل مذكرة تتضمن استحقاقات محددة ومواعيد لتنفيذها، وفي مقدمتها وقف الهجمات والتوسع، وفتح الوصول الإنساني، وتمكين اللجنة، وإدخال احتياجات التعافي، وتحديد خطوات الانسحاب.

ويجب أن تُخاطب الولايات المتحدة في هذا المسار بوصفها الراعي وصاحبة النفوذ المباشر على الاحتلال، مع ربط صدقية خطتها بقدرتها على ضمان التنفيذ. وينبغي اقتران التحرك بآلية متابعة مشتركة، تمنع تحول الالتزامات الأميركية إلى وعود مفتوحة.

ويتوازى ذلك مع تنسيق عمل الدول المشاركة في مجلس السلام، من خلال اعتراضات رسمية على ترتيب الأولويات، وطلب إدراج الخروقات وتعطيل اللجنة على جدول أعماله، والمطالبة بنشر معايير الالتزام ومراجعتها.

وفي حال استمرار التعطيل، يمكن الانتقال إلى مراجعة مستويات المشاركة السياسية والمساهمات الاختيارية في الهياكل والمشاريع غير الإنسانية، وربطها بتقدم محدد. ويجب الحفاظ على استقلال تمويل الإغاثة والخدمات الأساسية، حتى يتوجه الضغط إلى الجهات المسؤولة عن التعطيل.

وتستطيع الدول الثماني، بحسب أدوات كل منها، إدخال تنفيذ الاتفاق ضمن نقاشاتها الأوسع مع واشنطن بشأن التعاون والمشاريع الإقليمية والشراكات الجديدة، وتتيح وحدة الموقف توزيع الأدوار وبناء ضغط متراكم، مع توسيع التنسيق مع الدول الداعمة للحقوق الفلسطينية.

ثامنًا: مساءلة مجلس السلام ومراجعة التفويض

تتيح بنية القرار 2803 أساسًا للتحرك نحو مراجعة التنفيذ، فقد نصت الفقرة الثامنة على استمرار التفويض حتى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2027، مع إخضاعه لأي إجراء لاحق من مجلس الأمن، وطلبت الفقرة العاشرة تقريرًا مكتوبًا كل ستة أشهر، ويمنح ذلك أساسًا للمطالبة بالمراجعة خلال مدة التفويض، من دون انتظار انتهائها.

تبدأ الخطوة المقترحة بتحرك المجموعة العربية في الأمم المتحدة، عبر الأعضاء العرب في مجلس الأمن وبالتنسيق مع الأعضاء الداعمين، لطلب جلسة مخصصة لتقييم تنفيذ القرار. ويجب أن تستند إلى ملف يقارن الالتزامات بالنتائج، وإحاطات أممية مستقلة، وشهادة اللجنة بشأن العوائق التي تمنع مباشرتها مهماتها.

ويتدرج المسار من طلب إجابات وتحديد آجال للتنفيذ، إلى المطالبة برقابة أكثر انتظامًا، ثم طرح تعديلات على التفويض أو شروط ممارسته إذا استمر الانحراف. وينبغي أن تركز التعديلات المقترحة على حماية المدنيين، ورفض التهجير، وضمان وحدة القطاع، وتمكين الإدارة الفلسطينية، ومنع تعليق الاحتياجات الإنسانية على اشتراطات سياسية وأمنية إضافية.

ويظل احتمال استخدام الولايات المتحدة حق النقض قيدًا على النتائج الملزمة، ويستوجب ذلك إعداد تحرك موازٍ في الجمعية العامة والمؤسسات الدولية، واستخدام سجل المناقشات والاعتراضات في توسيع الضغط السياسي. فالمساءلة تؤدي وظيفة توثيق المسؤولية وكشف التعطيل، حتى حين تصطدم بإمكان تعطيل القرار.

تاسعًا: محددات التصعيد ومؤشرات تقييمه

يتطلب برنامج الضغط ترتيب خطواته بحسب أثرها المتوقع، ومدى استعداد الشركاء لتنفيذها، مع حماية السكان من أي كلفة إضافية يمكن تجنبها، ويجب أن يقترن كل إجراء بهدف محدد وموعد للمراجعة، بما يسمح بتعديل المسار وفق النتائج.

وتشمل مؤشرات التقييم: توقف الهجمات، ووقف التوسع الميداني، وانتظام دخول المساعدات ومستلزمات التعافي، وتيسير حركة المرضى والمسافرين، ودخول اللجنة ومباشرتها العمل، واستعادة الخدمات، وبدء خطوات انسحاب قابلة للتحقق.

ويجب كذلك الحفاظ على مسارات العدالة والمساءلة مستقلة عن التفاوض، ومواصلة دعم حفظ الأدلة والتحقيقات والتحركات القانونية. فاستمرار الاتفاق لا يمنح الاحتلال إعفاءً من المسؤولية، ولا يسمح بتأجيل حقوق الضحايا إلى نهاية المرحلة الانتقالية.

ويكتسب توحيد الخطاب الفلسطيني أهمية تنفيذية في هذا السياق، من خلال تقديم مطلب واضح بحماية وقف إطلاق النار عبر تنفيذ غايته والتزاماته، ومواجهة السياسات التي تحول اسمه إلى غطاء لاستمرار القتل والاقتلاع.

خاتمة

تكشف حصيلة العام الأول أن اختلال التطبيق يستند إلى خلل بنيوي في خطة ترمب وإطارها الدولي؛ إذ تُلزم الفلسطينيين باستحقاقات محددة ومجدولة، وتربط الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء السيطرة بمعايير أمنية فضفاضة، بما يمنح الاحتلال مساحة للمناورة و"فيتو" عمليًا على تقدم المسار، واشتراط تنفيذ التزاماته بتنازلات فلسطينية إضافية.

وعمّق القرار 2803 هذا الاختلال بمنح مجلس السلام تفويضًا واسعًا، دون ضوابط كافية لتركيبته وآليات قراره وضمانات المشاركة الفلسطينية، مع انحياز واضح في أولويات فريقه التنفيذي وخطابه. ويستوجب ذلك تفعيل الرقابة والمساءلة أمام مجلس الأمن، لمنع توظيف التفويض في تكريس الأولويات الإسرائيلية وإدارة خارجية تتجاوز المرجعية الوطنية الفلسطينية.

تقتضي هذه الحصيلة مراجعة نجاعة الإستراتيجية الفلسطينية في احتواء مخاطر النص والتفويض، وتحويل الاتفاق إلى مسار جدي لوقف إطلاق النار وإنهاء الإبادة. فقد سمح ضعف الإلزام للاحتلال باستنزاف المرونة الفلسطينية عبر الوقت والاشتراط الأمني، بما يفرض تطوير أدوات التفاوض والضغط والعمل الوطني المشترك لحماية الأرض والسكان، وتنفيذ الاستحقاقات الإنسانية، وفتح طريق للانسحاب والتعافي.

ويُفترض أن يؤسس حوار القاهرة لإدارة وطنية مشتركة تجمع التفاوض والشرعية الدبلوماسية والحضور المجتمعي، وتبني على موقف الدول الثماني للضغط على واشنطن والدفع نحو مساءلة مجلس السلام ومراجعة ضوابط تفويضه وعمله. وتُقاس جدية الحوار بإنتاج موقف فلسطيني ملزم وبرنامج تحرك محدد ومراجعة دورية للنتائج، يمنع تحول الاتفاق إلى ستار لاستمرار الإبادة، ويدعم التعافي ووحدة النظام السياسي الفلسطيني.

 


**ما يرد في هذه الورقة من آراء يعبر عن رأي كاتبها، ولا يعكس بالضرورة موقف مركز مسارات.

[1] غازي حمد، مقابلة تلفزيونية، قناة العربية، 31/7/2026: https://2u.pw/VQdHRf

[2] أحمد الطناني، مستقبل قطاع غزة في ضوء الخطة الأميركية: الاستعصاء وإعادة إنتاج الإبادة، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، 15/7/2026: https://2u.pw/1hcEHJ

[3] خارطة الطريق لاستكمال تنفيذ خطة ترامب الشاملة للسلام في غزة (وثيقة)، وكالة الأناضول، 21/6/2026: https://2u.pw/SZg2OF

[4] بيان عربي إسلامي مشترك: إسرائيل تتحمل مسؤولية عرقلة جهود السلام في غزة والأراضي الفلسطينية، سبوتنيك عربي، 16/8/2026: https://2u.pw/8SSfli

[5] 8 دول عربية وإسلامية: يجب الالتزام بوقف النار في غزة وإنهاء جميع الانتهاكات، العربية نت، 22/9/2026: https://2u.pw/ZjjUHo

[6] غزة: الذكرى السنوية لوقف إطلاق النار تكشف عامًا من الوعود الفاشلة، هيومن رايتس ووتش، 10/10/2026: https://2u.pw/hF5sfE

[7]  يُقصد بـ "الخط الأصفر" الترسيم الأمني والعسكري المؤقت لمناطق تموضع جيش الاحتلال الإسرائيلي المتفق عليه عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025؛ غير أن التقارير الميدانية وصور الأقمار الصناعية وثّقت قضمًا تدريجيًّا ومستمرًّا للمساحات الجغرافية من خلال تحريك المكعبات الإسمنتية والسواتر الترابية ليزداد عمق هذا الخط من 53% إلى أكثر من 70% من مساحة قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر2026، ما أسفر عن محاصرة السكان في شريط ضيق لا يتجاوز ثلث مساحة القطاع الكلية، وظهور ما يُعرف ميدانيًّا بـ "الخط البرتقالي" بوصفه حزامًا أمنيًا إضافيًا ممتدًا في عمق المناطق المأهولة. للاستزادة عن الخرائط الميدانية وآليات هذا التوسع الجغرافي، انظر: الخط الأصفر يبتلع غزة.. كيف تتغير حدود القطاع؟، الجزيرة نت، 11/10/2026:https://2u.pw/WrLo9U

[8] بيان مجلس السلام في ذكرى 7 أكتوبر: تأكيد الالتزام بأمن إسرائيل ودعوة لتنفيذ خطة السلام الشاملة، العربية نت، 7/10/2026: https://2u.pw/586jVa

[9] Resolution 2803 (2025) / adopted by the Security Council at its 10046th meeting, on 17 November 2025", United Nations Digital Library System, 17/11/2025: https://2u.pw/mTKDcq

[10] اللجنة الوطنية لإدارة غزة تستعرض برنامج التعافي للأشهر الستة الأولى في الجمعية العامة للأمم المتحدة بكلفة 2.45 مليار دولار، اللجنة الوطنية لإدارة غزة، 24/9/2026: https://2u.pw/1KJIYv

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.