27
    

 

حضرت فلسطين بقوة، في مهرجان الجونة السينمائي، في دورته التاسعة، والذي انطلقت فعالياته من 15-23 تشرين الأول/أكتوبر، تحت شعار: "سينما من أجل الإنسانية"، في وعي عميق من منظمي المهرجان لأهمية  الوجه الإنساني للسينما.

وتجسّد حضورها عبر معرض فني بعنوان: "سبل التذكر: سجلات من فلسطين"، وعبر أفلام روائية، ووثائقية طويلة، وقصيرة، ضمن برنامج المهرجان الثري، الذي ضمّ بالإضافة إلى العروض السينمائية التي بلغ عددها 77 فلمًا؛ العديد من حلقات النقاش، والمحاضرات، والحوارات، والموائد المستديرة، وورشات العمل - تناولت موضوعات عديدة، منها: الملكية الفكرية والصيغ الدرامية والبرامجية في الإنتاج العربي، والصعاب الذي يواجهها الإنتاج، والتحديات التي تواجه صناع الأفلام والمنتجين، وخاصة فيما يتعلق بتمويل الأفلام، وحوافز الإنتاج في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والإنتاج العربي المشترك -، وناقشت تجارب عدد من الفنانين/ات، والمخرجين/ات، وصناع الأفلام.

أما البرنامج المهني، الذي استضافه ملتقى "سيني جونة"، فقد ضم 40 فعالية متنوعة، وهدف إلى الحوار والتشبيك والتطوير المهني لصناع السينما من داخل العالم العربي وخارجه، وإلى تمكين الأصوات الجديدة، وتعزيز التعاونات، ودعم إنتاج الأفلام، ودفع السينما العربية قدمًا، مع ترسيخ حضورها على الساحة العالمية.

حملت الأفلام العربية المشاركة في المهرجان قضايا شعوبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من فلسطين، إلى لبنان، إلى الأردن، إلى مصر؛ لتحكي عن الإبادة الجماعية، والتهجير، والدمار، والانهيار الاقتصادي، والاجتماعي، والعنف، ولتبحث عن وسائل إنسانية تقاوم بها ظروف قهرها؛ لتتماسك، وتنهض، وتستمرّ.

*****

جاء تنظيم معرض "سبل التذكر: سجلات من فلسطين"؛ متسقًا مع "أرشيف الحكايات"، الذي اتخذه المهرجان محورًا له، ونظم حوله عددًا من الندوات وورشات العمل، والعروض، خاصة أن "السينما طالما كانت شكلًا من أشكال التوثيق".

هذا المحور الذي قام على أربع ركائز: "الأرشيف الحيّ"، الذي يهتمّ بالذاكرة، والتجارب الحيّة، و"الأرشيف في كل الأزمنة"، الذي يطرح الأرشفة ليس للماضي فحسب بل للحاضر والمستقبل، و"أرشيف تحت النار"، الذي يسلط الضوء على الأرشيفات التي صودرت، أو نهبت، أو حرقت، أو أبيدت، و"كلنا أرشيفيون"، الذي يركز على الأرشيفات العائلية، وأرشيفات المجتمعات، حيث ارتباط الخاص بالعام.

احتوى معرض "سبل التذكر" على مواد بصرية وسمعية ومرئية وعينية توثيقية، هدفت إلى استعادة الذاكرة الفلسطينية، والحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني، وتاريخه وتراثه وإرثه وأرضه، ودفاعه عنها في وجه التهجير، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية.

تصدّرت المواد البصرية خريطة فلسطين التاريخية، التي طبعت العام 1948، في بيروت، ومجموعة من صور المركز الفرنسي لدراسة الكتاب المقدس والآثار بالقدس، التي تحتوي صورًا لمدن ومجتمعات فلسطينية قبل 1948، وهي جزء من أرشيف ضخم يضم ما يزيد على 14 ألف صفحة، كما كان جميلًا ودالًا تخصيص مساحة في المعرض لعرض بذور تزرع في فلسطين، وكم كان مؤثرًا مشاهدة صور البيوت والحياة اليومية التي تعيشها "نساء تل الرميدة" في الخليل! والتي صوّرتها ضمن "مشروع أمي".

حضرت غزة ماضيها وحاضرها ضمن المعرض، عبر الصور التاريخية، وعبر عرض فيلمين: أحدهما وثائقي طويل، بعنوان: "غزة غراف"، الذي أنتجه "فيلم لاب فلسطين" العام 2018، وأخرجه يوسف ناتيل، والآخر فيلم وثائقي قصير، بعنوان "الذاكرة الحية"، من إنتاج "الرواة للدراسات والأبحاث" العام 2026.

وبينما ركّز فيلم "غزة غراف" على استعادة أرشيف الصور القديمة، واستكشاف أرشيفات لمصوّرين محليّين، تصوّر شوارع غزة، وحياتها الاجتماعية والثقافية؛ اعتمد فيلم "الذاكرة الحيّة" على أرشيف "الرواة"، ليتتبع عبر أصوات المهجّرين/ات الفلسطينيين جريمة التهجير والتطهير العرقي، الذي تواصل منذ عام النكبة الأولى العام 1948، وجريمة الإبادة الجماعية في غزة منذ العام 2023، وتهجير مخيمات شمال الضفة منذ العام 2025، بالتركيز على عنصري المعاناة والصمود.

 

*****

توّج حضور فلسطين بعدد من الجوائز ارتبطت بأفلام تناولت فلسطين، وغزة خصوصًا، وتوزعت على مسابقات مختلفة. حصد فيلم "المواطن أسامة"، للمخرج الغزي "أحمد حسونة" - الذي هو إنتاج مشترك بين فسطين وفرنسا - جائزتين من جوائز المهرجان، في مسابقة الأفلام الوثائقية: "نجمة الجونة الذهبية" لأفضل فيلم وثائقي طويل، وجائزة أفضل فيلم وثائقي عربي. هذا الفيلم الذي يرصد بفنية وحساسية عالية تفاصيل اغتيال "إسماعيل الغول"- مراسل قناة الجزيرة، في غارة جوية إسرائيلية منتصف العام 2024.

وفاز فيلم "الطبيب الأمريكي" ،  “American Doctor”- من إخراج الماليزية الأمريكية "بوه سي تينج"، ومشاركة سينمائيين فلسطينيين - بجائزة "سينما من أجل الإنسانية"، والذي اختاره جمهور مهرجان الجونة السينمائي، بعد أن تفاعل معه تفاعلًا كبيرًا، حيث وثق الفلم شهادات ثلاثة أطباء أمريكيين دخلوا غزة، وعملوا في "مستشفى ناصر"، وكشفوا عن الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للمستشفيات وللأطباء، وما يتعرّض له زملاؤهم الأطباء الفلسطينيون من معاناة. والفيلم إنتاج مشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية وماليزيا وقطر وفلسطين والدنمارك.

كما فاز فيلم المخرج الفلسطيني راكان مياسي "البارح العين ما نامت"، على جائزة أفضل فيلم عربي طويل، من إنتاج بلجيكي ولبناني وفلسطيني وقطري وسعودي. وهو يسلط الضوء على الزواج القسري لفتيات في عمر الرابعة عشرة، في الوقت ذاته الذي يصوّر فيه تمسك الإنسان بأرضه، والمكان الذي يقيم فيه.

أما الفيلم الروائي القصير "كنتاكي غزة"، للمخرج الفلسطيني "عمر رمال"، ومن إنتاج أردني، فقد حصل على تنويه خاص من لجنة تحكيم مسابقة القصة القصيرة. وهو يصوّر شابًا يهرّب وجبات كنتاكي إلى غزة المحاصرة، بعد أن يطرد من مطعم الدجاج العائلي. وقوة الفيلم - كما أشار النقاد - تكمن في تحويل الرغبة البسيطة إلى سؤال سياسي: ماذا يعني أن تعيش من دون القدرة على اختيار أبسط تفاصيل يومك؟

وعبر الأفلام الفلسطينية، والمعرض الفلسطيني؛ حضرت فلسطين ماضيًا وحاضرًا، وحضرت غزة؛ مدنها وقراها ومخيماتها. حضرت مستشفياتها ومدارسها وجامعاتها وكنائسها وجوامعها. حضرت آثارها التاريخية، ومعالمها الثقافية، ومكتباتها العريقة، حضرت أشجارها ونباتاتها وطيورها، وحضر بحرها، وقبل كل ذلك حضر أهلها؛ نساء ورجالًا، أطفالًا وشبابًا وشيوخًا. حضرت معاناتهم التي لا حدّ لها، وحضرت مقاومتهم لظروف قهرهم، وإصرارهم على الحياة بكرامة وفاعلية استئثنائية.

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

 

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.