15
    

 
إنه سؤال لا يُطرح اعتراضا على السماء، بل صرخة إنسانية تخرج من قلب المأساة، من خيمة غارقة، ومن صدر أمّ تضم أطفالها المرتجفين، ومن عين أب يقف عاجزا أمام مياه المطر وهي تبتلع ما تبقى من فراش أسرته وملابس أطفاله ومقتنياتهم البسيطة، التي لم تعد تساوي شيئا أمام حجم ما فقدوه، لكنها بالنسبة إليهم كل ما يملكونه في هذا العالم.
ليست كل الأمطار بشائر خير، وليست كل الغيوم تحمل معها الفرح. ففي غزة، حيث لم تعد البيوت بيوتا، ولا الخيام قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، يأتي المطر محمّلا بمزيد من الوجع، ويصبح الشتاء فصلا آخر من فصول المعاناة التي لا تنتهي.
يا إلهي، أيُّ شتاء هذا الذي يأتي إلى غزة مثقلا بكل هذا الألم؟
وأيُّ مطر هذا الذي لم يعد يطرق النوافذ، لأن أهل غزة لم تعد لهم نوافذ، ولم يعد يستأذن الأبواب، لأن بيوتهم صارت ركاما، وخيامهم أقمشة ممزقة لا تردّ ريحا ولا تمنع ماء؟
 
حين يصبح المطر نكبة جديدة
لم تكن ليلة واحدة من المطر مجرد منخفض جوي عابر في حياة النازحين، بل كانت نكبة جديدة تضاف إلى سجل النكبات المتلاحقة التي عاشها سكان القطاع.
استيقظ الناس على كابوس إنساني جديد. تسللت مياه الأمطار من ثقوب الخيام، واقتحمت الأغطية الرقيقة، وغمرت الفرش والأمتعة، وحوّلت أماكن النوم إلى برك من الماء والطين.

بلا أسقف تقيهم المطر، ولا جدران تصد الريح، ولا أرض جافة ينامون عليها؛ وجد النازحون أنفسهم في مواجهة عاصفة جديدة، بعدما أنهكتهم عواصف الحرب والنزوح والفقد.
 
أيُّ قسوة هذه!

للعام الرابع على التوالي، ما تزال غزة تواجه حرب الإبادة والتدمير والتهجير والتجويع والحصار. وقد محَت الحرب أسماء آلاف العائلات من السجل المدني. هُدمت البيوت فوق ساكنيها، وامتلأت الطرقات بالركام، وتفرقت العائلات، وتشرد الأطفال، وجُوّع الناس، ثم جاء المطر ليغرق خيام من نجوا من القصف، وكأن الأقدار لم تكتفِ بما حملته إليهم حرب الإبادة من مآس ونكبات.
في كل مكان آخر من العالم، يتلقى الناس المطر بفرح، ويفتحون نوافذهم لاستنشاق رائحة الأرض المبتلة، ويستمتعون بصوت قطراته على الأسطح. أما في قطاع غزة فيركض الأب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتبحث الأم عن قطعة قماش جافة تلف بها طفلها، ويحاول الصغار أن يجدوا زاوية لا تصل إليها المياه ليناموا فيها.
إنها ليست مجرد حكاية عن المطر، بل شهادة على حجم الانكسار الإنساني الذي وصل إليه الناس في غزة، حيث أصبحت أبسط تفاصيل الحياة معركة يومية.
فليس المطر هو المذنب، فالسماء تمطر على الجميع، لكن المأساة أن هناك بشرا تُركوا بلا بيوت، وبلا حماية، وبلا الحد الأدنى من مقومات الحياة.
إنما السؤال الحقيقي: كيف وصل الإنسان في غزة إلى هذه الدرجة من العراء، حتى صار المطر تهديدا لحياته؟

غزة لا تدافع عن نفسها فقط
 
غزة لم تدفع ثمن الحرب دفاعا عن نفسها فحسب، بل دفاعا عن الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وكل المظلومين في هذا العالم، وعن حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة. ففلسطين وغزة لم تكونا مستهدفتين بمعزل عن موقعهما ودورهما، بل إن تموضعهما الجيوسياسي والجيوستراتيجي، عند نقطة الوصل والفصل الجغرافية والديموغرافية والحضارية، وضعهما في خط المواجهة الأول، وجعلهما تتحملان كلفة صراعات تتجاوز حدودهما، وتمتد تداعياتها إلى محيطهما العربي والإسلامي وإلى توازنات المنطقة. وتحملت من الألم والدمار والنزوح والتجويع ما تجاوز حدود قدرتها على الاحتمال.
ومع ذلك، لم تستسلم غزة. لم تستسلم حين فقدت أبناءها، ولا حين تهدمت بيوتها، ولا حين ضاقت بها الأرض، ولا حين أصبح رغيف الخبز حلما، وسقف الخيمة حلما آخر. 
لقد وضعت غزة قضية شعبها في قلب ضمير الأمة، وخاطبت بوجعها أحرار العالم، وتستحق اليوم أن تجد من يقف إلى جانبها بالفعل، لا بالكلمات وحدها.

غزة افتدت الجميع، فمن يفتدي غزة؟

من يعيد إليها بيوتها؟ من يعيد إلى أطفالها طفولتهم؟ من يمسح عن جبين أمهاتها تعب النزوح؟ من يحمي الناجين من برد الشتاء ومياه الأمطار؟ ومن يعيد للآباء قدرتهم على أن يكونوا آباء، لا مجرد رجال يركضون طوال النهار بحثا عن لقمة خبز وقطعة قماش جافة ومكان آمن ينام فيه أطفالهم؟
 
كلنا مذنبون… ولكننا لسنا متساوين في المسؤولية
 
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إيلاما، وربما الأكثر إحراجا لضمائرنا جميعا. أين نحن مما يحدث في غزة؟
كلنا معنيون، وكلنا مسؤولون أمام ضمائرنا عن موقفنا مما يجري، وإن لم نكن جميعا متساوين في المسؤولية أو القدرة على التأثير.
الأهل وذوو القربى، والأشقاء والجيران، والعرب والمسلمون، والإقليم والعالم؛ الجميع يرى ويسمع ويشاهد.
يرى الأطفال وهم يرتجفون من البرد، والأمهات وهن يحاولن إنقاذ ما تبقى من أغطية وملابس، والآباء وهم يقفون عاجزين أمام خيام لا تصمد أمام زخات المطر. ثم تستمر الحياة خارج غزة بصورة طبيعية، وكأنها تقع على كوكب آخر، وكأن الذين يغرقون هناك ليسوا بشرا من لحمنا ودمنا، ولا أطفالا يشبهون أطفالنا، ولا أمهات يشبهن أمهاتنا.

أيُّ قهر أكبر من أن يستغيث الإنسان فلا يجد من يمد إليه يدا؟

نعم، كلنا مذنبون أمام ضمائرنا حين نعتاد المشهد، ونؤجل واجبنا، ونكتفي بالحزن العابر، ونسمح للمأساة بأن تتحول إلى خبر يومي يمر أمام أعيننا دون أن يحرك فينا إرادة الفعل.
لكن المسؤولية ليست واحدة؛ فهناك من يملك القرار والقدرة على وقف الأذى وإدخال المساعدات وتوفير الحماية والمأوى، وهناك من يملك التأثير السياسي والاقتصادي، وهناك من لا يملك سوى صوته وقلمه وموقفه وقدرته على المساعدة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول عجز بعضنا إلى ذريعة لصمت الجميع، ولا أن يصبح الاعتياد على المأساة شكلا من أشكال التواطؤ معها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسانية ليس أن يعجز العالم عن رؤية المأساة، بل أن يراها طويلا حتى يفقد إحساسه بفظاعتها.

لقد كشفت غزة عجز العالم، ووضعت ضمائرنا أمام مرآة لا يمكن الهروب منها. ولم تعد القضية مجرد بيانات استنكار أو خطب تضامن، بل أصبحت امتحانا حقيقيا لمعنى الإنسانية، وللفارق بين أن نتعاطف مع المظلوم وأن نقف إلى جانبه بالفعل.
 
لا تجعلوا صمود غزة ذريعة لتركها وحدها

 فالصمود ليس بديلا عن النجاة، والبطولة ليست مبررا لاستمرار الألم. الناس هناك لم يعودوا يحتملون دفع الفواتير نيابة عن أحد، ولا أن يُتركوا وقودا للموت، تنهشهم أنياب البرد، وتستنزفهم أطماع المستغلين، وتُختزل دماؤهم في استثمار هنا أو مزايدة هناك.
غزة أُنهكت حتى العدم، ولم تعد تطلب بطولات ولا شعارات؛ بل تريد سقفا يحجب ماء المطر، ويدا توقف هذا النزيف، وحقا بديهيا في ألا تموت كل يوم.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تنتهي بانتهاء المنشور، ولا إلى مزيد من الصور التي تثير الحزن ثم تُنسى، بل تحتاج إلى أفعال، وإلى إغاثة عاجلة، ومأوى يحمي أطفالها، وملابس وأغطية وفراش جاف، ومواقف تترجم الكلام إلى مسؤولية.
تحتاج إلى أن يشعر أهلها بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك من يرى معاناتهم ويتحرك لتخفيفها، وأن دموع أطفالهم ليست مادة للاستهلاك الإعلامي، وأن آلامهم ليست أرقاما في تقارير المنظمات.
إن الوفاء لغزة ليس أن نصف جراحها، بل أن نعمل على وقف نزيفها.
 
السؤال الأخير… ماذا سنقول للتاريخ؟
هل تتحالف السماء مع أشرار الأرض ضد سكان غزة؟

لا، السماء لا تعرف خصومة مع المظلومين، والمطر ليس عدوا لأطفال غزة. السماء بريئة من هذا العراء؛ فالمطر يسقط بعدالة الطبيعة، لكن الأرض هي التي ضاقت برحمتها. ليست المأساة في عاصفة تقتلع خيمة، بل في عالم يراقب الغرق ويؤجل نجدته.
من القريب المتردد، إلى الأمة التي تستغرق في الحزن وتكتفي بالعويل، إلى صاحب القرار الذي يحسب النجاة بموازين السياسة؛
الجميع يقف في مرمى هذا الامتحان الصامت.
وغدا، حين يسألنا التاريخ: ماذا فعلتم حين كانت غزة تغرق أمام أعينكم؟
لن تكفي دموعنا، ولن تنفعنا خطبنا، ولن يشفع لنا أننا كنا نعرف ونشاهد.
ستبقى غزة شاهدة على زمن اختُبرت فيه الإنسانية، وعلى شعب دفع ثمنا باهظا من أجل البقاء على أرضه.
غزة لا تريد أن تكون أسطورة في كتب التاريخ، بل تريد أن تكون وطنا حرا آمنا لأبنائها، وبيتا دافئا لأطفالها، وحياة تستحق أن تُعاش.
غزة لن تحاكم العالم على ما قاله عنها، بل على ما فعله من أجلها، وما امتنع عن فعله وهي تستغيث.
 

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.