25
    

 

وجع الإصغاء إلى صوت ابنٍ يئنّ يفوق الاحتمال، ويضاعفه العجز أمام هذا القلب الذي أثقلته بشاعة الإنسان حين يألف الإبادة، ويعتاد مشهد الموت، حتى يغدو الضمير الإنساني خرابا آخر، لا يقل فظاعة عن خراب الأجساد والبيوت.

يدمي قلبي وجعك يا بني، وأنت ترى الوحي مضرجا بالدم، والبلاد تنهار على أعصاب أبنائها، والشهداء يعبرون بلا خطى ولا ملامح، فيما العالم يمعن في موات ضميره.

 

ومع ذلك، أرى يا بني، في الشقوق التي أحدثتها غزة في جدار التوحش الصهيوني الأمريكي، وفي صميم نظام الحداثة المادي الغربي المهيمن، بشائر فجر يتسع أفقه، وتصدعات تتعمق في بنية هذا النظام الذي توهّم أن قوته قادرة على إخضاع الحياة وإخماد صوت المقهورين.

لقد كشفت غزة عُري هذا النظام العالمي، ووضعت أسسه الأخلاقية والإنسانية أمام انكشاف لا سبيل إلى ستره، وفتحت في جدار هيمنته شقوقا لن يستطيع أن يعيد إغلاقها كما كانت؛ فثمة انهيارات تبدأ حين يفقد الظلم قدرته على إقناع العالم بأنه قدرٌ لا يُردّ.

 

أما شهداؤك، الذين عبروا بلا ملامح، فلن يبقوا أسرى المحو. ستلتحم ملامحهم من جديد في ذاكرة الأرض ووجدان الأحياء، وستعود أرواحهم لتصوغ ملامح الفجر الآتي، وتمنح الحالمين به أسماءهم ووجوههم ومعنى المضي نحوه. فليس كل غياب انطفاء، وليس كل دم نهاية؛ ثمة دماء تظل تكتب، حتى بعد رحيل أصحابها، فصولا لم يملك القتلة أن يتخيّلوا خواتيمها.

 

وسيعود إليك وحيك الشعري يا جواد، ولكن هذه المرة، لن يكون مضرجا بالدم، بل محمولا على ذاكرة الذين رحلوا، وعلى أصوات الذين نجوا من الموت ولم ينجوا من وجعه، وعلى أحلام أولئك الذين يواصلون حمل الحياة من بين الركام.

وسيخرج قلبك من كونه قنبلة موقوتة في يد الألم، لينبض بالحب في صدور المتعبين؛ أولئك الذين لم يكتفوا بفضح العالم الذي اعتاد الإبادة، بل زلزلوا يقيناته، وغيّروا وعيه، وأعادوا طرح السؤال عن معنى الإنسان والحرية والعدالة.

غزة، يا جواد، لم تكتفِ بكشف وحشية العالم؛ بل كشفت أيضا أن العالم ليس محكوما إلى الأبد بهذه الوحشية، وأن الذين ظُنّ أنهم غائبون عن التاريخ قد يكونون هم الذين يعيدون كتابته.

 

سيعود الشعر يا جواد، حين يجد القلب متسعا للحب، وستعود الملامح من غبار المحو، وسيطلع الفجر من الشقوق التي ظنّ الطغاة أنها لن تتسع.

فغزة، بكل ما نزفت، لم تترك للعالم مرآة يرى فيها بشاعته فحسب، بل تركت له أيضا نافذة يرى منها إمكان انعتاقه.

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.