58
    

 

الكينونة والفرز: التراتب القيمي الأخلاقي 

يُؤصّل هذا المقال، على المستويين الفلسفي والمعرفي، لمكونات أطروحتنا "ثالوثُ الكينونات والعقول المُلازمة" مستنداً إلى التعاضد المفاهيمي والتبصُّر النقدي كأداة علمية تساعد على فهم حقيقة الصراع، وتفكيك آليات التعمية التفكيكيَّة السيبرانية التي تسعى لمساواة الضحية بالجلاد.

أولاً: ثالوثُ الكينونات البشرية والعُقول المُلازمة

إن الفرز المعرفي الذي نلتزم بترسيخ أصالته لا ينطلق من تصنيفات عرقية أو امتيازات سلطوية، بل يتأسس على معيارية قيمية أخلاقية، مادية وملموسة، تقرأ الكائن البشري من خلال أقواله، وأفعاله، وتجليات سلوكه. وبناءً على الاستقراء العلمي الدقيق، تتحدد الوجودية البشرية ضمن ثلاث مراتب حاسمة، تفصل بينها درجات علو وانحطاط داخل المرتبتين الحيويََتين الفاعلتين المتناقضتين:

مرتبة البشرية الخامية: وهي الكينونة البيولوجية الأولى، والوجود الحيوي المُحَايد السَّوي الذي يُمثل الإمكانية الوجودية الخام، أو المنزلة التي تقبع بين منزلتين محتملتين. وفي هذا النطاق التأسيسي الخامِيِّ، لا توجد درجات ارتقاء أو انحطاط؛ فالكائن البشري الذي لم يلتقط، بَعْدُ، بذرة إنسانيته الكامنة في أعماق كينونته، وفي الوقت نفسه لم يُقِْدم على اقتراف أي فعلٍ توحشيٍّ يخرجه عن سويته البشرية الفطرية، يبقى كائناً بشرياً سوياً محتفظاً بكامل حقوقه القانونية الطبيعية؛ وهي الحقوق اللَّصيقة بوجوده البيولوجي الفطريّ، والتي تَصْدُقُ وجوباً، ومن منظور الوعي الإنساني الجوهري المشترك، على كل كائن بشريٍّ سويٍّ، صوناً لحرمة الحياة قبل انطلاق مسارات التَّمايز القيميِّ والأخلاقي بين البشر.

المرتبة الإنسانية الجوهرية: وهي منزلة السُّمُو القيمي والأخلاقي المُعَمَّد بإطلاق فاعلية العقل الإنسانيِّ النَّقْدِيِّ الحَيّ، وتوسيع مَدَارِكِ الوعي الذاتي والجمعي وتعميقها، والالتزام بمبادئ الإنسانية الجوهرية وقيمها التأسيسية العالية. يرتقي الكائن البشري صعوداً إلى هذه المرتبة بجهده الخلاق  وعقله الإنساني الحيوي النقدي الُمنير، مُتَسَانِدَاً مَعَ حَاضِنَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، ومدركاً أن الإنسانية ليست، على غرار البشرية، هبة بيولوجية مجانية، بل هي صيرورة حيوية، لاهبة ودائمة؛ صيرورة ينخرط فيها الإنسانُ، بفاعلية عقله الإنساني الحيوي النقدي المنير  وبوعيه الكليِّ، وبكل مكونات وجدانه، مدركاً أن كل كمال يتحقق يُؤَكد حقيقة نقصان الكمال الذي كان يعتبر أقصى الكمال، فلا يكفُّ الإنسانُ الحقُّ عن السَّعي الدَّائب لإدراك سمو أعلى، وتحقيق مستوى كمالٍ إنسانيٍّ أجلَّ وأسمى.

مرتبة التوحش البشري: وهي هاوية الانحدار الوجودي التي لا تكون دوماً نتاج اختيار إرادي محض، أو انقياد ذاتي مطلق؛ فقد يتعرض الكائن البشري لظروف القهر، أو الإرغام، أو الإخضاع الممنهج، فضلاً عن صناعة أوضاع بنيوية مأزومة تدفعه دفعاً إلى الإيغال الهروبي في التوحش، مستجيباً لآليات الابتزاز وسياسات الترغيب والترهيب. وحين يقترف الفاعل أقوالاً وأفعالاً وممارسات وحشية، مراراً وتكراراً، بحيث تترسخُ محفِّزاتُهَا لديه لتُصبح عقيدةً عنصريةً ونهجَ حياةٍ توحشيَّاً ثابتاً، فإنه ينحدر بذلك صوب جحيم التوحش المُعَادي للإنسانية الجوهرية وللبشرية البيولوجية الفطرية السَّويََة، جاعلاً من عقله أداة مادية آلية للإبادة والمحو. وهذا تماماً هو ما مارسته الصهيونية وإسرائيلها، وما لا تزالان تمارسانه بضراوةٍ توحُّشية غير مسبوقة، لفرض الهيمنة السيبرانية والمادية، واستلاب الوعي البشري، أو تزييفه، ولا سيما في أوساط يهود العالم، لجرهم، قسراً وخداعاً، نحو مربع العنصرية الفاشية، والفوقية الاستعلائية المسكونة بأوهام الاختيار الإلهي، والاحتكار الوجودي، والتوحُّش التَّخْيِيلُوجيِّ المباحِ بحصانةٍ لاهوتية مقدسةٍ، وإطلاق.

ثانياً: تفكيك مغالطة التَّسووية التفكيكية

هنا يكمن الخطل الفادح والخبث الماكر للمنهج التفكيكي السائل الذي توظفه خوارزميات الأتمتة المعاصرة. إن إثارة الأسئلة التشكيكية العبثية حول "من يملك حق تحديد الإنسانية" لا تستهدف اختبار المفاهيم، بل تسعى لإنتاج تعمية استعمارية تميع المعايير الأخلاقية والحدود الفاصلة بين المواقع. وليت مثيري هذه الأسئلة التَّشكيكيون اللاأدريون العدمبون يجيبون أنفسهم عن سؤالهم الذي لا يحتمل، في وعي الإنسانية الجوهرية  أكثر من جواب!

ولعلَّ من لا يزال حريصاً على الاحتفاظ بجذوة إنسانيته، يدرك حقيقة إن التسييل المفاهيمي التفكيكي السيبراني إنما سيؤول، موضوعياً ووظيفياً، إلى مساواة الضحايا بالجلادين، وأسوياء الناس بالمتوحشين، والموت بالحياة، والوجود بالعدم. ومن هذا المنطلق الفاسد، يتفاقم التضليل العنصري الانحطاطي التوحشيِّ، الذي يحاول سلب "الفلسطينزم" (Filastinism) أو (Palistinism)، جوهره الإنسانيِّ القيمي الأخلاقي والنضالي التحرري النهضوي التلازمي، ومساواته منزوعة التوحشية منزوعة البشرية السوية والخُلُق البشري الفطريّ بـ"الزيونيزم" (Zionism) الاستعماري العنصري الاحتلالي الإحلالي المُعادي للإنسانية بإطلاق.

إن رفض هذا التراتب القيمي الأخلاقي تحت ذرائع واهية، ودعاوى تدافع عن العنصرية فيما هي تزعم "مناهضة العنصرية"، وذلك بزعمها أن هذا التراتب ينزع البشرية، ناهيك عن الإنسانية، عن الصهيونية ومنتسبيها وأتباعها من يهودٍ وغير يهود، إنما هو توظيف مشبوه؛ فالصهيونية العنصرية هي المنظومة التي تحتكر البشرية لنفسها عبر عقيدة "شعب الله المختار" التخييلوجية الأسطورية الدينية، التوراتية التلمودية، العنصرية الفوقية الاستعلائية المُسَيَّسة، التي تجرد "الأغيار" من شروط بشريتهم، وإنسانيتهم، لتبرير إبادتهم معرفياً ومادياً. لذا، فإن الفرز العلمي القائم على تدقيق الأفعال والممارسات، ومعرفة محفِّزاتها ودوافعها، هو الكفيل بكشف حقيقة هذا التوحش البشري، واعتماد سُبُلِ وأساليب مواجهته.

ثالثاً: المرجعيات المعرفية وجغرافيا الوعي

ولعلنا نكون في حاجةٍ لإعادة التأكيد أنَّ أطروحتنا الخاصة بثالوث الكينونات والعقول المُلازمة  وما يرافق محدداتها التفصيلية من رفض لمساواة الوجود بالعدم، والضحايا بالجلادين، إنما تجد ركائزها وتجلياتها اليَنْبُوعيَّة في تجارب فكرية وفلسفية واجهت ما لعله يشبه، وإن بأقل الدرجات، أزمات تسييل وتميع قيمي وأخلاقي، وجرائم توحش بشريٍّ مُعَادٍ للإنسانية كالتي نواجهها في زمننا هذا؛ فما كان من هؤلاء المفكرين والفلاسفة وأصحاب العقول الإنسانية، إلا أن  يتركوا لنا تبصراتهم ووصاياهم بشأنها، ليسهموا معنا في مواجهة ما كانوا يتوقعون أننا ذاهبون، حتماً، إلى مواجهته:

جورج فيلهلم فريدريش هيغل: قارب صيرورة الوعي البشري عبر صراع الاعتراف. فالكينونة لا تكتسب إنسانيتها وموقعها الأخلاقي بمجرد البقاء البيولوجي، بل من خلال المخاطرة، والنضال، ومواجهة شروط الاستلاب. وإلى ذلك فإنََ ماهية الإنسانية عند هيغل تتجلى في الحركة الجدلية المستمرة للتحرر؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يصنع نفسه عبر التاريخ، ولا تكتمل إنسانيته إلا بالاعتراف المتبادل بالحرية والكرامة داخل مجتمع عقلاني.

هانا أرندت: أشارت إلى أن "أخطر أنواع التوحش البشري لا يصدر عن وحوش ساديين، بل عن أشخاص عاديين جداً تنازلوا عن ضمائرهم الفردية، وتوقفوا عن التفكير النقدي ليتحولوا إلى تروس مطيعة داخل آلة بيروقراطية عمياء.". وأحسبُ أن لهذا الاقتباس أن يلخص جوهر فكرتها؛ فالانحدار إلى التوحش يبدأ عندما يستبدل الإنسان وعيه بتصورات تخييلية، ويقبل المصطلحات المضللة التي تغطي على البشاعة، معتبراً أن تنفيذ الواجب الوظيفي يعفيه من المسؤولية الأخلاقية. في النهاية، تذكرنا أرندت بأن حماية إنسانيتنا لا تتطلب بطولات خارقة، بل تتطلب شيئاً واحداً أساسياً: ألا نكف أبداً عن التفكير والمساءلة.

إيمانويل ليفيناس: أسس فلسفته الأخلاقية على مفهوم "وجه الآخر" بوصفه التزاماً مطلقاً لا يقبل السيولة أو الإرجاءَ. فالإنسانية الجوهرية عنده تتحدد بمدى استجابة الذات لنداء المظلوم والمضطهد. وفي كتابه "الكليَّة واللاتناهي" اقترح ليفيناس تأسيس إيطيقا "تؤسس لخير مشدود إلى الحق"، وأوضح أن "وجه الآخر ليس مدعاةً لتحفيز الصراع والعنف"، بقدر ما ينبغي لحضوره أن يسفر عن انبثاق "علاقة قبول"، مؤكداً أن "في هذا القبول بالآخر دون احتوائه في منظومتنا المعرفية تكمن إنسانية الإنسان."

جسر العبور للمقال التالي:

يؤكد ثالوث الكينونة والعقول المُلازمة أن المحاسبة والمحاكمة والعقاب ليست أدوات للانتقام، بل هي وظائف وقائية وردعية تحفز الإنسانية الجوهرية على التضافر لاستئصال التوحش البشري المُعادي للوعي والحياة والإنسانية بأسرها. وليس لهذا الفرز الصارم، ولهذه المعيارية العقليّة الواضحة، أن يمثلا انغلاقاً منظومياً، بأي حال من الأحوال، ذلك أنهما يستدعيان إعمال أدوات تحليلية مرنة وقادرة على مراجعة الذات، واختبار الواقع؛ وهو ما يقودنا مباشرة إلى فحص وتدقيق التموضع الصحيح لآليات النقد داخل بنية "المنهج التكاملي" عبر آلية "تعدد المرايا وتنوعها" وهو ما سنقاربه، بإيجازٍ وافٍ، في المقال التالي.

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.