الرئيسية » هاني المصري »   07 تموز 2007

| | |
ماذا بعد؟ الحوار أم تعميق الانقسام؟
هاني المصري

 

ماذا بعد؟ هذا هو السؤال. فلا يكفي أن يتمترس كل طرف بمواقفه بل على الجميع أن يفكر بالعواقب الناجمة عن استمرار الانقسام الحالي على القضية والشعب والمشروع الوطني.

فالسلطة الشرعية لم ولن تحقق أهدافها باستعادة الشرعية في غزة، وتحقيق الأمن والأمان وتحسين الأحوال الاقتصادية بشكل جوهري وفتح الطريق لمسار سياسي جدي قادر على إنهاء الاحتلال رغم إصدارها المراسيم المختلفة من إقالة الحكومة وإعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة إنفاذ حالة الطوارئ إلى حل الميليشيات العسكرية وإعادة ترخيص المنظمات الخيرية والأهلية وانتهاءً بتشكيل المحاكم العسكرية.

 

فهناك استحالة وعدم شرعية باستعادة الشرعية في غزة بالقوة أو بالاعتماد على الغير سواء على القوات الدولية أو قوات الاحتلال، وهذا يعني أن الشرعية ناقصة بعد انفصال غزة، وأصبحت أضعف بكثير أمام شعبها وأمام الاحتلال والعالم كله رغم كل إعلانات الدعم والتأييد التي في معظمها أشبه بفقاعات صابون لا أكثر.

فما لم تأخذه السلطة من الاحتلال قبل الانقلاب لن تأخذه بعده، وأصبحت مضطرة لكي تحصل على الأموال المحتجزة بشكل متدرج ورفع الحصار أن تدفع ثمناً غالياً يظهر بدخولها امتحان الجدارة أمام حكومة أولمرت التي علقت كل شيء بمدى قدرة الرئيس أبومازن وحكومة سلام فياض على محاربة "الإرهاب" واستمرار القطيعة مع "حماس" وإعادة التنسيق الأمني وتطبيق التزامات المرحلة الأولى من "خارطة الطريق" أولاً، ثم تنظر إسرائيل فيما بعد بتطبيق الالتزامات الإسرائيلية. وهذا يحقق "خارطة الطريق" الإسرائيلية التي تريد تطبيق "خارطة الطريق" الدولية بالتتابع وليس كما يريد العالم كله بتطبيقها بصورة تبادلية.

بالمقابل الحكومة المقالة (وحركة "حماس" تحديداً) هل حققت ما كانت تريده بعد "تحرير" قطاع غزة؟ لجهة إعادة صياغة السلطة، خصوصاً الأجهزة الأمنية على صورتها، وبشكل تأخذ "حماس" الحصة التي تعتقد أنها تستحقها! أعتقد أن الجواب واضح وهو أن "حماس" أصبحت أضعف الآن عما كانت عليه قبل الانقلاب، وهي مقيدة بحبال "انتصارها" وفي الحصار الأشد الذي أخذ يتعرض له قطاع غزة وهو تحت سيطرتها المنفردة. وأصبحت أضعف بعد ملاحقة عناصرها بالضفة، وبعد تخوف قطاعات شعبية لا بأس بها من بعض المظاهر والفظاعات والمواقف المتطرفة التي رافقت استيلاءها على السلطة في غزة.

الانقسام السياسي والجغرافي ضار بالجميع، وبـ "فتح" و"حماس"، وبالسلطة الشرعية وبالحكومة المقالة، ويمكن إذا استمر أن يقوض تماماً المشروع الوطني عن طريق: إما فتح الطريق أمام تطبيق وترسيم مشروع الكانتونات، مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة (الذي شارف على الانتهاء)، أو شق الطريق أمام إعادة الأمور إلى ما قبل العام 7691، إلى ما قبل الانطلاقة الثانية للثورة الفلسطينية وبلورة الشخصية الوطنية الفلسطينية ووحدانية التمثيل والبرنامج الوطني الفلسطيني، وذلك بعودة غزة إلى الوصاية المصرية أو الدولية أو العربية أو إبقائها جزيرة معزولة محاصرة، أو عودة ما تبقى من الضفة إلى الأردن أو إلى سلطة تخضع لخطة التقاسم الوظيفي الإسرائيلي - الأردني - الفلسطيني، على أنقاض الدولة الفلسطينية المستقلة.

في هذا السياق فإن استمرار الانقسام سيؤدي عملياً، ومهما كانت الادعاءات المخالفة إلى انطلاق سباق محموم بين سلطة "حماس" والسلطة الشرعية بحيث تحاول كل منهما إثبات الجدارة لإسرائيل والولايات المتحدة الاميركية عن طريق تقديم التنازلات على أمل أن تحصل واحدة منهما على الاعتراف بها واعتمادها، وهذا يتيح لإسرائيل مزايا ثمينة لا يمكن أن تفرط بها بسهولة.

وهم غزة أولاً

إن هناك وهماً ينتشر في بعض أوساط "حماس" بأن "تحرير" غزة خطوة على طريق "تحرير" بقية الأراضي المحتلة العام 7691، وعلى طريق انتزاع الشرعية والقرار الفلسطيني من حركة "فتح" وبقية فصائل م.ت.ف، وتحت تأثير هذا الوهم يمكن أن تسعى هذه الأوساط، خصوصاً بعد إطلاق سراح ألان جونستون إلى الحصول على الاعتراف بـ "حماس" كلاعب فلسطيني رئيسي أو وحيد إذا أثبتت أنها قادرة على تقديم نموذج للأمن والسيطرة في قطاع غزة يمنع إطلاق الصواريخ والقذائف على إسرائيل، ويكمل صفقة تبادل الأسرى وإطلاق سراح جلعاد شاليت. وإذا برهنت أيضاً على أنها قابلة للاعتدال عبر إعلان موافقتها على وثيقة أحمد يوسف التي تقوم على معادلة دولة مؤقتة مقابل هدنة طويلة.

وهم الضفة أولاً

وهناك وهم آخر ينتشر في الضفة ويروّج له بعض أوساط السلطة يسمى "الضفة أولاً". ومن أجل تسويق هذا الوهم يقال إن بمقدور الضفة أن تتحول إلى سنغافورة بسبب رفع الحصار والمساعدات المختلفة التي يمكن أن تهل من كل حدب وصوب. وينسى هذا البعض أو يتناسى الوعد الذي رافق فك الارتباط عن غزة، والذي تحدث عن تحويلها إلى سنغافورة فتحولت إلى جحيم وأكبر وأطول سجن في التاريخ.

كما ينسى هؤلاء أن الضفة على خلاف غزة محل أطماع إسرائيلية متعددة وهذا لن يجعلها سنغافورة بل كانتونات مقطعة الأوصال تنهشها حالة الفوضى والفلتان الأمني التي ستأكل تأثير كل المساعدات. فلا يمكن تحقيق الأمن والأمان في ظل الانقسام وفي ظل استمرار الحصار والحواجز والعدوان العسكري والاستمرار في تكثيف الاستيطان واستكمال بناء الجدار وتعميق فصل القدس وتهويدها، واستمرار حملات الاعتقال وكل أشكال التمييز والإذلال التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. كيف يمكن سحب السلاح وحل الميليشيات المسلحة إذا لم توافق "حماس" على ذلك وفي ظل عدم موافقتها إلى أين تسير الأحوال؟ أعتقد أنها تسير إلى مواجهات مسلحة متفرقة ولكنها آتية إذا لم يتم وقف الانزلاق والتمترس وراء المواقف الفئوية؟ كيف يمكن سحب السلاح واستمرار عمليات الاغتيال والاقتحامات والملاحقة للمطلوبين؟ وكيف يمكن توفير الأمن والأمان والسلطة بحاجة إلى الأفراد الذين يقومون تحت غطاء عضويتها بالأجهزة الأمنية بمعظم أعمال الملاحقة لأعضاء "حماس"؟ كيف تضبط وتنزع سلاح من تحتاج إليه؟

إن إسرائيل يهمها أن يبقى وضع الضفة غير مستقر وضعيفاً حتى تستخدم هذا الأمر والصراع بين السلطة الشرعية وسلطة "حماس" كغطاء لاستكمال مشروعها الاستيطاني العنصري في الضفة.

واللافت للنظر أن منظّر خيار "الضفة أولاً" هو دنيس روس نفسه سيئ الصيت والسمعة الذي كتب قبل أحداث غزة حول هذا الخيار، وكتب مدافعاً عنه في الأيام الأخيرة. فخيار الضفة أولاً يساعد على إنضاج الفلسطينيين لقبول الحل الإسرائيلي، اما خيار الوحدة أو استعادة الشرعية فسيقوي الموقف الفلسطيني ويوسع هامش المناورة عند الفلسطينيين.

هل أقصد من كل ما سبق أن نذهب إلى الحوار فوراً ودون شروط مسبقة، وعلى أساس صيغة لا غالب ولا مغلوب كما صرح إسماعيل هنية، أم إن العودة للحوار دون تحضير ولا ضمانات لوصوله إلى اتفاق صلب لا يعيدنا إلى الوضع السابق ما قبل 01 حزيران، بل إلى وضع أسوأ بكثير يجعلنا نسير بسرعة نحو الانفجار القادم الذي سيكون أعنف ومدوياً أكثر.

الخلاف الفلسطيني سياسي وليس قانونياً أو دستورياً. والخلافات السياسية بين صفوف الشعب الواحد الواقع تحت الاحتلال لا تحل سوى بالحوار. ولكن الحوار حتى ينجح لا بد أن تسبقه مراجعة عميقة لما جرى للبحث عن الأسباب والجذور وتقديم الحلول لها وعدم الاكتفاء بمعالجة القشور.

فما هي الأسباب والجذور وكيف يمكن معالجتها؟ هذا ما سيكون موضوع مقالنا المقبل!

 

 

مشاركة: