الرئيسية » هاني المصري »   16 حزيران 2007

| | |
ماذا بعد الانقلاب ومراسيم الرئيس؟!
هاني المصري

 

إن ما جرى ويجري في غزة تمرد وعصيان ومحاولة للانقلاب. إنه انقلاب نظمته "حماس" التي هي جزء من الشرعية على الشرعية والنظام الديمقراطي. فماذا يمكن تسمية إعلان طرف فلسطيني، بعيداً عن المؤسسات الشرعية وعن كافة الفصائل والقوى الأخرى والشعب، عن قراره بالحسم العسكري مع "التيار الخياني اللحدي الانقلابي العميل"، ومحاصرة ومداهمة واحتلال مقرات الأجهزة الأمنية وحركة "فتح" ورفع علم "حماس" بدلاً من العلم الفلسطيني وإعلان الفتح والتحرير الثاني لقطاع غزة؟

 

ماذا تعني مطالبة أفراد الأجهزة الأمنية على اختلاف مسمياتها بتسليم أسلحتهم وعدم لبس زيهم الرسمي والدوس على هذا الزي وتعرية أفراد الأجهزة أمام الكاميرات وعدسات التلفزة في صورة مكررة ومشابهة لما فعلته وتفعله قوات الاحتلال مع أفراد الأجهزة الأمنية، خصوصاً عند اقتحامها سجن أريحا. حتى الأطفال، والسذج لا يستطيعون أن يصدقوا وأن يبلعوا رواية "حماس" بأنها تقوم بهذا الانقلاب الدموي والتدميري لاستهداف "التيار اللحدي" وقطع دابر الفتنة ومسبّبي الفلتان الأمني. إذا كان ادعاء "حماس" صحيحاً فلماذا مهاجمة واحتلال كل المقرات، حتى مقرات الأمن الوطني، الذي يعرف الجميع أنه لا يتدخل، ولا ناقة له ولا جمل في كل ما يجري. إنه انقلاب قررته "حماس" لأنها تريد بالقوة حسم الخلافات وتحقيق مطالبها الفئوية التي لم تستطع تحقيقها بالحوار والاتفاق. وإذا أردت أن تعرف أهداف "حماس" الحقيقية من هذا الانقلاب، عليك أن تقرأ المطالب الثمانية التي قدمتها "حماس" للوفد الأمني المصري، وجعلت الموافقة عليها شرطاً مسبقاً لوقف الانقلاب.

إن هذه المطالب والشروط تستهدف إعادة صياغة الأجهزة الأمنية وبنائها بصورة تحقق "حماس" من خلالها حصتها من وفي هذه الأجهزة، لأن قيادة "حماس" ومنذ الفوز في الانتخابات التشريعية تعتقد أن الأغلبية التي حصلت عليها تعطيها الحق بأخذ حصة في الأجهزة والسلطة بشكل عام، والمنظمة، توازي على الأقل الحصة التي حصلت عليها حركة "فتح". تنسى قيادة "حماس" أن حصة حركة "فتح" حصلت عليها خلال أكثر من 12 عاماً منذ تأسيس السلطة وحتى فوز "حماس" وحين كانت تتفرد وحيدة تقريباً بقيادة السلطة. وتنسى "حماس" كذلك أنها خاضت الانتخابات على أساس برنامج التغيير والاصلاح، الذي أحد بنوده تغيير واصلاح الطريقة الفئوية التي بنت "فتح" فيها السلطة، بحيث سيطرت على غالبية الوظائف والمراكز، خصوصاً في الأجهزة الأمنية. وبسبب الآمال التي علقها الناخب الفلسطيني على برنامج التغيير والاصلاح أعطى صوته لقائمة ومرشحي حركة "حماس". فالفوز في الانتخابات لا يعطي "فتح" أولاً ولا "حماس" ثانياً حق تحويل السلطة إلى إقطاعية خاصة، وإنما الوظائف والمكاسب والمراكز يجب أن تعطى لمن يستحق على أساس المساواة وتكافؤ الفرص واعتماد معايير الإنتاجية والكفاءة والنزاهة والانتماء الوطني. المواطن الفلسطيني لم يستهدف استبدال هيمنة وفوضى وفساد وسلطة وتفرد "فتح" بهيمنة وتفرد ودموية وتخلف سلطة "حماس".

إنه انقلاب، لأن الأغلبية التي حصلت عليها حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية لا تعطيها الحق بإعادة النظر وبالقوة والحسم العسكري، بأسس الوحدة والنظام الديمقراطي الذي خاضت الانتخابات على أساسه وفي اطار محدداته وقوانينه.

أما لماذا وصلنا إلى هذا الحضيض، بحيث أصبحت ظواهر مثل الاقتتال والصراع على السلطة ونسيان الاحتلال والعدوان والاستيطان والجدار وفصل القدس وتقطيع الأوصال، ومثل الانقلاب ممكنة، الأمر الذي يدمر قضيتنا وحياتنا ويهدد حتى وجودنا في وطننا، ويصب كلية في صالح الاحتلال، والاحتلال فقط، الاحتلال الذي يفرك يديه فرحاً وهو يرى الفلسطينيين يتولون أنفسهم بأنفسهم وبالنيابة عنه.

وصلنا إلى هذه المرحلة التدميرية لأننا أولاً وأساساً وقبل أي شيء آخر، تخلّينا عن البرنامج الوطني الوحيد القادر على إعادة توحيدنا، لقد تم التخلي عن مرجعياته الفلسطينية والدولية، خصوصاً القانون الدولي والشرعية الدولية، وأدواته، خصوصاً الوحدة والمفاوضات الجادة والمقاومة ذات الجدوى القادرة على تحقيق الأهداف الوطنية وليس المفاوضات والمقاومة العبثية. لذلك فإن الحل يبدأ بإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وإعطائه الأولوية وجعل كل شيء بما فيه السلطة أداة لخدمة تحقيق هذا البرنامج، خصوصاً الهدف الوطني المركزي المتمثل بدحر الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على الأراضي المحتلة عام.1967 برنامج إجماع وطني يرفع سقف الموقف الفلسطيني الذي انخفض كثيراً منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، حيث أصبح اتفاق أوسلو نفسه سقفاً عالياً لا نستطيع الوصول إليه بعد أن تجاوزته إسرائيل كلياً.

وصلنا إلى هذه المرحلة لأننا أخطأنا بالاتفاق على مشاركة "حماس" بالانتخابات والسلطة دون الاتفاق على المرجعية الفلسطينية التي تتضمن الحقوق والثوابت والأهداف، والاتفاق على قواعد اللعبة. لو تم ذلك لما انفجرت في وجهنا مسألة الاتفاقات والالتزامات السابقة التي عقدتها المنظمة وحكمت السلطة. وهذا الأمر كان ضرورياً لا غنى عنه، وهو الآن ضروري أكثر قبل الحديث عن انتخابات مبكرة أو حتى في موعدها، فكيف يمكن إجراء انتخابات في مثل هذه الظروف؟ على القيادة أن لا تخدع نفسها، لأنها لن تخدع أحداً، عندما تتحدث عن الانتخابات، فالانتخابات دون اتفاق ولت إلى غير رجعة. إلا إذا أردنا تقسيم الوطن والأراضي المحتلة والفصل ما بين الضفة وغزة.

ضرورة الاتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة لا تبرر ولا تعطي الشرعية للدعوات التي ظهرت بعد فوز "حماس" بضرورة إلزامها وتحديداً إلزام حكومتها العاشرة بخطاب التكليف الذي أصدره الرئيس. فلا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتكييف النظام السياسي لمصلحة طرف مهما كانت قوته الحالية ودوره التاريخي، ما دامت "حماس" قد فازت كان لا بد من تمكينها من الحكم وإعطائها فرصة لإثبات جدارتها أو عجزها. وبعد ذلك يتم الاتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة. هذا لم يحصل وفرض الحصار والمقاطعة على حكومة "حماس"، واستمر بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، واستمر الصراع على السلطة والصلاحيات والوظائف والأجهزة الأمنية. وإذا أردنا أن نخرج من هذا الوضع التدميري للقضية والأرض والشعب والمواطن علينا أن لا نكتفي بالمراسيم التي أصدرها الرئيس، وهي مراسيم لا بد منها رداً على الانقلاب وحفاظاً على الشرعية والزعامة ولدحر التمرد ومن أجل رفع الغطاء والشرعية عنه لكن إعلان الطوارئ وحل الحكومة وتشكيل حكومة طوارئ لا يكفي، بل لا بد من الشروع في حوار جدي وعميق يستهدف الاتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة، في اطار تحديد رؤية استراتيجية واحدة تعيد الإجماع الفلسطيني على أساس برنامج وطني واقعي قادر على تحقيق الأهداف الوطنية. وإذا لم نشرع في هذا الطريق فإنه الانقسام والحرب الأهلية طويلة الأمد، وستكون هناك حكومتان أو كانتون في غزة وآخر في الضفة. فالمنتصر مهزوم، لأنه انتصر داخل السجن أما السجان فهو المنتصر الحقيقي وهو الذي يملك المفاتيح.

وإذا لم نشرع في هذا الطريق، نحقق المخطط الإسرائيلي القديم الذي يريد إقامة كيان فلسطيني في غزة، منفصل تماماً عن الضفة. أما الضفة فيتم استكمال المخططات الإسرائيلية فيها. وعندما يتم ذلك ستعرض الحكومة الإسرائيلية ما تبقى من أراض آهلة بالسكان وهي ستكون مقطّعة الأوصال في كانتونات في عطاء ستلزمه لمن يدفع أكثر. فإذا وافق الفلسطينيون على إقامة دولة ذات حدود مؤقتة على نصف الضفة سيرسو العطاء عليهم. وإذا لم يوافقوا سيرسو العطاء على أي طرف عربي أو دولي يستعد لقبول الكانتونات وتوفير الأمن لإسرائيل عبر كبح الشعب الفلسطيني ومنعه من المقاومة.

 

مشاركة: