الرئيسية » هاني المصري »   13 تشرين الثاني 2007

| | |
ما هكذا تورد الإبل يا دنيس روس!
هاني المصري

 

كتب دنيس روس مبعوث السلام الاميركي السابق، وأحد مساعدي وزراء الخارجية الاميركية في فترة رئاستي بوش الأب وكلينتون، مقالاً في "نيويورك دايلي نيوز" طالب فيه وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس بتغيير الاهداف كي ينجح اجتماع أنابوليس.


فكرة روس ببساطة تقوم على أن رايس مطالبة بتعديل استراتيجيتها اذا أرادت أن تنجح في ايجاد أفق سياسي يساعد الرئيس محمود عباس من خلال إقناع شعبه بأنه يقدم مساراً سياسياً قادراً على تحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية في حين أن حماس لا تقدم سوى الفشل، ما يجعل الفلسطينيين يتخلون في نهاية المطاف عن حماس.

ويضيف روس، انه لكي تنجح نظرية رايس يجب أن يكون الاسرائيليون والفلسطينيون مستعدين لتقديم تنازلات الآن في المسائل الاربع الجوهرية في النزاع: القدس واللاجئين والحدود والأمن، ويعني هذا - يتابع روس- انه يجب ان يكون ايهود اولمرت وعباس، اللذان لا يملكان قاعدة سياسية قوية، مستعدين للانقلاب على التاريخ والأساطير. ويجب ان يكونا مستعدين للقيام بذلك في صورة متزامنة.

ووفقاً لروس، لا يستطيع اولمرت تبرير التنازلات الوجودية في موضوعي القدس والحدود للرأي العام الاسرائيلي الاّ إذا أمكنه الحديث عن تخلي الفلسطينيين عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اسرائيل.

ولا يستطيع عباس تبرير التنازل عن حق العودة الاّ اذا اثبت انه حقق ما يسعى اليه الفلسطينيون في مسألتي القدس والحدود.

والحل الذي يقدمه روس يكمن في ضرورة القيام بقفزة من النقاشات العامة الى الاتفاقات الملموسة، وهي مسألة لا تحصل بسرعة او بسهولة ولا تتحقق في بيان مشترك سيصدر عن اجتماع أنابوليس، لذلك يرى روس ان محتوى الاجتماع مهم ويجب عدم تحديد مهلة عشوائية لانعقاده.

والوصفة التي يقدمها روس هي ثلاثة مبادئ: اولاً: يلتزم الاسرائيليون بالانسحاب والفلسطينيون بالأمن. ثانياً: يوافق كل من الجانبين على اقامة عاصمتين لدولتين في القدس. ثالثاً: يوافق كل منهما على وجوب تسوية المسألة بطريقة تتناسب مع حل الدولتين.

للوهلة الاولى تبدو وصفة الحل التي يقدمها روس عادلة أو متوازنة فهو يتحدث عن تنازلات متبادلة يقدمها الجانبان الفلسطيني والاسرائيلي الأول في موضوع اللاجئين، والثاني في موضوعي القدس والحدود. لكن اذا دققنا نجد أن روس ينطلق من قاعدة خاطفة، فهو اولاً: من المساواة بين طرفين احدهما اسرائيل وهي دولة محتلة وعنصرية استيطانية اجلائية تمارس كافة اشكال العدوان العسكري بشكل مستمر بفرض حقائق على الارض تجحف بقضايا الصراع الاساسية ما يجعل التفاوض عليها أصعب وأصعب إلى درجة تقترب من الاستحالة.

وثانياً: التنازلات التي يقترحها بالنسبة للفلسطينيين واضحة تماماً، وهي التنازل عن قضية اللاجئين وتحديداً حق العودة وتوفير الأمن لإسرائيل.

أما التنازلات التي يقدمها بالنسبة لإسرائيل فهي غير واضحة تماماً. فماذا تعني كلمة الانسحاب اذا لم تكن محددة بالانسحاب من كافة الاراضي المحتلة العام 1967، روس يعرف والعالم كله يدرك ان الصراع يدور الآن على أراضي 1967، حيث تطالب اسرائيل بضم او بالسيطرة على نسبة كبيرة من هذه الاراضي تصل في أقصى الخطط الاسرائيلية إلى 58%، وتبلغ في أدنى المطالب 10% تضم أفضل المناطق بما يكفل تقطيع اوصال الاراضي المتبقية ويمنع قيام دولة فلسطينية مترابطة جغرافياً وسياسياً.

وماذا يعني القول جعل القدس عاصمة لدولتين. فهو قد يعني الانسحاب من الأحياء العربية (مع استثناء البلدة القديمة من القدس) وهذا يعني ان اسرائىل ستحتفظ بأغلبية القدس المحتلة. وقد يعني، وهذا ما لا يقصده روس، الانسحاب من القدس الشرقية المحتلة وجوارها كما تنص الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي.

مغزى مطالبة روس لرايس بتغيير استراتيجيتها وأهداف اجتماع روس هو انه يدرك ان الاجتماع سيفشل اذا اقتصر على بيان مشترك يتضمن عبارات عامة لا تلزم اسرائيل بأي شيء. واذا اقتصر على مسائل مرحلية انتقالية مثل المرحلة الاولى من خارطة الطريق.

فما لا يقوله روس صراحة، يقوله ضمناً بأن تأجيل الاجتماع حتى يمكن انضاج الصفقة الممكنة. تنازل الفلسطينيين عن حق العودة ومعظم القدس ومساحات واسعة من اراضي 1967، وتوفير الأمن لاسرائيل واقامة علاقات طبيعية معها وانهاء الصراع من كل جوانبه والكف عن جميع مطالبهم، مقابل ان توافق اسرائىل على اقامة دولة على جزء من الاراضي المحتلة العام 1967.

ما يغيظ ان بعض الفلسطينيين والعرب يعتقدون أنه إذا ما أبدى الطرف الفلسطيني استعداده للتخلي عن حق العودة فإنه سيحصل على القدس ودولة فلسطينية على حدود 1967 بعد تعديلها بنسبة 1:1 وبما لا يزيد على نسبة 2%، وما يغيظ أكثر أن هذا البعض من الفلسطينيين والعرب لام ياسر عرفات علناً وسراً على موقفه في قمة كامب ديفيد العام 2000، لأنه رفض العرض السخي الذي قدمه باراك، في حين ان التطورات التي حدثت لاحقاً، وظهور المزيد من المعلومات يكشف أكثر وأكثر ان الذي طرح على ياسر عرفات لا يختلف كثيراً عن المطروح على أبو مازن. وما رفضه ياسر عرفات لا يستطيع أن يقبله أبو مازن أو أي رئيس فلسطيني شرعي يحوز على ثقة الفلسطينيين.

فالمطلوب من الفلسطينيين الاعتراف بالهزيمة والاستسلام أمام العدو، والتسليم بحق اسرائىل بالوجود كدولة يهودية، وحقها بأن تكون دولة مهيمنة وتوفير الأمن لها، والسماح بأن تضم مساحات واسعة من دولتهم، العتيدة، والتي لم توافق اسرائيل عليها الاّ عندما أدركت أن عدم الموافقة سيجعلها أمام انفجار القنبلة الديمغرافية التي تنذر بقيام دولة واحدة لا يتمتع فيها اليهود خلال عشرات قليلة من السنين بالأغلبية بحيث تكف عن ان تبقى دولة يهودية.

دون نضال فلسطيني مدعوم عربياً ودولياً لإقناع اسرائىل أو اجبارها على الانسحاب من الاراضي المحتلة العام 1967، بما فيها القدس وحل قضية اللاجئين حلاً عادلاً وفقاً لقرار 194، وتحويل اسرائىل الى دولة ديمقراطية لكل مواطنيها وليس لليهود فقط لا يمكن ان تتحقق معادلة روس، وإذا افترضنا جدلاً أنها ستتحقق في يوم من الأيام فإنها لن تستمر طويلاً وانما ستكون مجرد هدنة مؤقتة!

 

 

مشاركة: