الرئيسية » هاني المصري »   22 آب 2006

| | |
ما قبل المشاورات من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية
هاني المصري

 

رغم التراجع الشكلي الذي ابدته حماس، ورئيس الحكومة اسماهيل هنية عن الشروط التي وضعها الاخير لتشكيل حكومة وحدة وطنية الا ان الطريق لتشكيل هذه الحكومة لم يفتح بعد. تراجع هنية ظهر من خلال قوله رداً على الانتقادات الواسعة التي وجهت اليه بان ما طرحه محددات وليس شروطاً، وانه لا يزال ملتزماً بما اتفق عليه مع الرئيس. واذا تذكرنا ان الشروط التي طرحها رئيس الحكومة ( عفواً المحددات) تضمنت ازالة الحصار المالي، واطلاق سراح الوزراء والنواب، وان تكون رئاسة الحكومة المقبلة من حماس وان تشكيل هذه الحكومة حسب حجم الكتل المشاركة في المجلس التشريعي، وان يترافق مع المشاورات لتشكيلها مشاورات لتفعيل واصلاح م.ت.ف وضم الفصائل التي لا تزال خارجها، نعرف ان المشكلة لا تتعلق في جوهرها باعتبار ما تضمنته شروطاً او محددات او متطلبات، بل ما تدل عليه من عدم وجود نية جدية لتشكيل حكومة وحدة وطنية تجسد مشاركة حقيقية، وتكون قادرة على تقديم الخدمات والاحتياجات للمواطنين وفك الحصار المالي والعزلة الدولية، والتصدي للعدوان الاسرائيلي الذي يستهدف الارض والبشر والحجر وتصفية القضية الفلسطينية، ما سبق لا ينفي ان يكون رئيس الحكومة المقبلة من حماس، ولا رفض ان تحصل حماس على عدد مقاعد اكبر من غيرها. ولا رفض تفعيل م.ت.ف، ولكن قبل الحديث عن المقاعد الوزارية والحصص الفصائلية لا بد من التوقف امام البرنامج الذي ستعتمده الحكومة المقبلة. ولا يكفي هنا الاشارة الى وثيقة الاسرى. فهذه الوثيقة نفسها تتضمن ضرورة بلورة خطة سياسية قادرة على الفعل. وبصراحة بدون برنامج سياسي تعتمده حكومة الوحدة القادمة يكون قادراً على الاقلاع وفك الحصار والعزلة الدولية وتحقيق الوحدة الفعلية ومحاربة الفوضى والفلتان الأمني وتوحيد وتنظيم مرجعية المقاومة وتحقيق الخدمات والاحتياجات للمواطنين لا معنى للحديث عن حكومة وحدة وطنية فصائلية. واذا كانت حماس وغيرها من الفصائل غير قادرة على تمرير برنامج واقعي يحفظ الحقوق وقادرة على الحركة وتجاوز الشروط الدولية عبر الموافقة عليها بصيغة فلسطينية مقبولة، فالاولى البحث في تشكيل حكومة خبراء من المستقلين او حكومة يترأسها الرئيس الفلسطيني او حكومة مختلطة سياسية - خبراء يشارك بها ممثلو الفصائل من الصف الثاني، فالمسألة اذاً اعقد من شروط تضعها فتح وحماس وكأن المسلة فلسطينية - فلسطينية فقط.

واذا عدنا الى تراجع حماس عن شروط هنية، فهو ظهر من خلال موافقتها على الشروع مع بقية الفصائل في حوار يستهدف التوصل الى وثيقة تحدد أسس ومتطلبات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. ومن الطبيعي ان تطرح حماس المتطلبات المذكورة من خلال التأكيد على لا اخلاقية ولا وطنية البحث في تشكيل حكومة وحدة وطنية بينما الحكومة الحالية، منقسمة ما بين معتقل او مطارد، وبينما حوالي ثلث اعضاء المجلس التشريعي وعلى رأسهم رئيس المجلس يقبعون وراء القضبان. بعضهم حوكم والبعض الآخر معرض للمحاكمة وما تبقى تتعامل معهم اسرائىل كورقة ابتزاز تستهدف الاسراع بالافراج عن الجندي الاسرائيلي الاسير. حسم مصير السلطة اولاً اولاً وقبل كل شيء اقول: حتى نبدأ المشاورات لتشكيل حكومة جديدة، خصوصاً اذا كان المقصود حكومة وحدة وطنية، لا بد من حسم مصير السلطة الوطنية، - اشدد- السلطة وليس الحكومة فقط. فتعامل الحكومة الحالية ان الامور على خير ما يرام وهي قادرة على القيام بعملها والاستمرار رغم الحصار المالي والعدوان العسكري واعتقال النواب والوزراء، ما هو الا فئوية ونوع من التضليل للنفس وللآخرين، فالحكومة في حالة شلل، والاوضاع الاقتصادية والامنية في ترد مستمر ينذر بالشرور وعظائم الامور، وذلك رغم المسؤولية الكبرى للاحتلال عما آلت اليه الاوضاع. ولكن هذا لا يعفي الجميع وخصوصاً الحكومة من مسؤولياتهم لمواجهة هذا التردي ووقفة قبل ان تصل الامور الى نقطة اللاعودة. في هذا السياق لا معنى لوضع شروط تتعلق بفك الحصار المالي واطلاق سراح الوزراء والنواب لتشكيل حكومة وحدة وطنية. بل يجب وضع هذه الشروط وغيرها لاستمرار وجود السلطة بكل مكوناتها. وانا رغم ايماني العميق بان تشكيل السلطة يمثل انجازاً وطنياً، رغم القيود المجحفة التي كبلتها منذ البداية، ورغم السعي الاسرائيلي لتحويلها الى اداة طيعة لحراسة الأمن الاسرائيلي، ورغم فشل هذا السعي الا ان الضرورة الوطنية تفرض البحث الجدي في كافة الخيارات والبدائل بما فيها خيار حل السلطة. فالاستمرار في محاولات احياء سلطة مشلولة محاصرة، معرضة لعدوان دائم، وتعفي الاحتلال من مسؤوليته عن الاراضي التي يحتلها، وتجاهل استحالة قيام السلطة لمهماتها ولو بالحد الادنى دون القبول بالشروط الاسرائيلية المعروفة، لن يؤدي، على الارجح، الى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولا الى استمرار الحكومة الحالية، ولا الى انتخابات مبكرة، ولا الى حكومة طوارئ، ولا الى عودة فتح الى الحكومة بانتخابات او بدون انتخابات، وانما يقود اما: الى انهيار السلطة وما سيعنيه ذلك من فوضى ودمار وانقسام واقتتال او: الى قيام سلطة عميلة تستلم الحكم من على ظهر الدبابات الاسرائيلية، وانطلاقاً من الاستفادة من اعتقال النواب والوزراء الذي يجعل رويداً رويداً هناك فراغا لا بد من ملئه. واذاً، رغم ما سبق، لا ادعو الى حل السلطة كخيار وحيد، بل لدراسة هذا الخيار بكل مسؤولية وجدية، ولا ادعو لذلك كردة فعل على سياسة واجراءات الاحتلال او كترف اكاديمي، بل اقول ان دراسة هذا الخيار، تتطلب دراسة النتائج التي ستنجم عن حل السلطة، وهل من المضمون او من المرجح رداً على التهديد بحل السلطة ان تسارع اسرائيل الى تحقيق الشروط الكفيلة بقيام السلطة بعملها، قبل الانسحاب من مناطق أ،ب، وفك الحصار خصوصاً المالي، والافراج عن المعتقلين خصوصاً الوزراء والنواب، والشروع في مفاوضات جدية قادرة على انهاء الاحتلال خشية اقدام الفلسطينيين على حل السلطة واجبار اسرائىل على تحمل المسؤولية عن احتلالها؟ ام ان اسرائىل لن تخشى من حل السلطة لانها تقوم بتقويضها منذ العام 2002، ودفعتها للوقوف على حافة الانهيار، على أمل اعادة صياغتها وفقاً للشروط الاسرائيلية، وما دامت السلطة لم تتحول كما تريد اسرائيل، او اصبحت عصية اكثر بعد فوز حماس باغلبية مقاعد المجلس التشريعي. وهذا قد يجعل اسرائىل غير ملتزمة كثيراً بحل السلطة، فمثل هذا الاحتمال يفتح الطريق امام اسرائيل لتجريب حظها باقامة سلطة او سلطات جديدة عميلة لاسرائيل، او ادخال الاردن ومصر في الوصاية على الفلسطينيين عبر التقاسم الوظيفي، وبما لا يضر باهداف واطماع اسرائىل بضم اكبر ما يمكن من الاراضي، والتخلي عن المناطق المأهولة بالسكان، دون تمكينهم من التحول الى دولة او كيان فاعل قادرعلى التأثير على اسرائيل. حل السلطة او تغيير وظائفها اذا لم تتجاوب اسرائيل طواعية او تحت ضغط دولي واميركي، مع شروط استمرار السلطة السالفة الذكر، على الفلسطينيين التفكير جلياً باحد خيارين: حل السلطة او تغيير وظائفها ووضعها في سياق استراتيجية جديدة مختلفة، تقوم على ان عملية السلام قد ماتت، وانها غير مرشحة للعودة للحياة بسرعة، اي الكف عن رؤية السلطة كاحد افرازات اتفاق اوسلو، فهذا الاتفاق تجاوزته اسرائيل، وليس هناك ما يشير انها بوادر احيائه. ثانياً: اذا كان القرار الفلسطيني، كما يبدو عليه الامر حتى الآن، هو الاستمرار في الحفاظ على السلطة، لا بد من التوضيح انه حتى مبدأ المشاورات لتشكيل اية حكومة جديدة، عندنا وفي اي بلد في العالم، لا بد على الحكومة القائمة ان تستقيل او تقال، او تضع استقالتها تحت تصرف الرئيس، تماماً مثلما فعل وزير الاتصالات جمال الخضري الذي سارع بوضع استقالته تحت تصرف رئيس الحكومة تسهيلاً لنجاح المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية. اما بدء المشاورات مع بقاء الحكومة على حالها، وفي ظل المراهنات على سقوط الحكومة تحت العدوان والضغوط والاعتقالات الاسرائيلية، او الرهان على التطورات الاقليمية المقبلة بعد الحرب الاسرائيلية على لبنان، او بالتعامل مع الحكومة او السلطة كورقة مساومة من هذا الفصيل او ذاك، للاعتراف به والتعامل معه، فما هو الا مناورات من مختلف الاطراف، يحاول فيها كل طرف ان يظهر امام الرأي العام بوصفه الطرف الحريص على الوحدة. سبب تراجع حماس الشكلي عن شروطها بتحويلها من شروط الى محددات، انها اي هذه الشروط، بينت ان حماس لا تريد حكومة وحدة وطنية، لان تشكيل حكومة جديدة يمكن تفسيره بوصفه اعترافاً بفشل حكومة حماس وهي لم يمض على وجودها في الحكم عدة اشهر، كما يعني بالنسبة لحماس اعطاء طوق نجاة لحركة فتح التي تغرق في ازمتها بحيث لا تخشى حماس من منافسة فتح لها حتى لو تم اللجوء الى انتخابات مبكرة، تأسيساً على ذلك تريد حماس توسيع الحكومة وتسميتها حكومة ائتلافية او حكومة وحدة وطنية. وهذا هو الموقف الذي التزمت به، منذ تكليف هنية بتشكيل الحكومة. واقصى ما ذهبت ويمكن ان تذهب اليه حماس كما تشير المعطيات المتوفرة حتى الآن، هو حكومة تلتزم ببرنامج مع بعض التغييرات المحدودة فقط، بحيث تهيمن حماس على الحكومة مثلما كانت فتح تهيمن على كافة الحكومات السابقة. واذا كانت هيمنة فتح مرفوضة في السابق رغم انها كانت تحوز على الغالبية الساحقة من مقاعد المجلس التشريعي، ورغم عدم وجود منافس حقيقي وقوي لها فان سعي حماس للهيمنة مرفوض اكثر وهي حصلت على 34% من الاصوات على صعيد الوطن، وحوالي 60% من مقاعد المجلس التشريعي، وفي ظل مخاطر جسيمة على الوطن والشعب والارض والقضية، تستوجب من الجميع، خصوصاً من يعتبر نفسه "ام الولد" تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة والفئوية والفصائلية. على فتح ان تقنع انها لن تعود الى الحكم منفردة او مهيمنة او باغلبية الا اذا اصلحت وغيرت نفسها ونجحت في امتحان الجدارة، اما الرهان على فشل حماس لسبب الاحتلال فلن يمهد الطريق لعودة فتح. وعلى حماس ان تدرك ان نجاحها بالانتخابات باغلبية ليس نهاية للتاريخ الفلسطيني، ولا بداية للنضال الفلسطيني، وان موقعها الجديد يفرض عليها مسؤولية كبيرة تفرض عليها رؤية ان التعددية والمشاركة والديمقراطية هي نقاط القوة والمناعة الفلسطينية التي ستمكن الفلسطينيين من الصمود وستجعلهم قادرين على تحقيق النصر. حماس وحدها لن تستطيع، على الاقل منذ الان وحتى اشعار آخر. واذا كان حزب الله يستطيع ان يجلس في حكومة واحدة مع القوات اللبنانية والكتائب، تستطيع حماس كما تستطيع فتح المشاركة في حكومة وحدة وطنية.

 

مشاركة: