الرئيسية » هاني المصري »   06 كانون الأول 2008

| | |
ما العمل إزاء حرب المستوطنين المفتوحة؟
هاني المصري

 

منذ عدة أشهر تتصاعد اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في مختلف أنحاء الضفة المحتلة. فمن اعتداءات على المزارع والمنازل والمساجد والممتلكات العامة والخاصة خصوصاً في القرى وفي موسم الزيتون تحديداً، الى السيطرة على منازل وعدم الانسحاب منها، خصوصاً في القدس والخليل، لدرجة أن قطعان المستوطنين رفضوا الالتزام بإخلاء منزل عائلة الرجبي في الخليل رغم قرار صادر عن محكمة العدل العليا الإسرائيلية بإخلائهم، الى الاعتداء بالضرب المبرح على المواطنين.

كل هذا يجري وسط سباق محموم في تكثيف وتوسيع الاستيطان بمعدلات غير مسبوقة، ما أدى الى أن المستوطنين فاق عددهم النصف مليون مستوطن أي أصبحوا يشكلون 1/11 من عدد اليهود الإسرائيليين، ما أعطاهم أهمية مضاعفة،لأن تأثيرهم على كافة السلطات وأصحاب القرار أصبح كبيراً جداً، لأن المسؤولين الإسرائيليين باتوا يتسابقون أكثر من أي وقت سابق لإرضاء المستوطنين لكي يحصلوا على دعمهم وأصواتهم، وحتى يكفوا شرهم.

 

لا يعني ما سبق أن المخططات الاستيطانية والإجراءات العدوانية التي يقوم بها المستوطنون تتم بدون معرفة أو تنسيق مع سلطات الاحتلال أو مع الحكومة الإسرائيلية، بل أن جل ما يقوم به المستوطنون يتم بالتنسيق والتعاون مع الحكومة الإسرائيلية التي توفر الحماية والدعم لهم.

وهنا لا يجب الوقوع في تضخيم بعض الحالات النادرة التي اصطدمت فيها الحكومة أو قوات الاحتلال مع المستوطنين لرفضهم إخلاء منزل أو بؤرة استيطانية غير شرعية حتى بالقانون الإسرائيلي، لأن كل الاستيطان غير شرعي ولا قانوني وفقاً للقانون الدولي، بل إن هذه الحالات ما هي سوى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، التي تفيد بأن الاستيطان هو رأس حربة المشروع الصهيوني الإسرائيلي، وبدونه كانت اسرائيل لن تقوم، ولن تستطيع تحقيق الأهداف التوسعية والاستيطانية والعنصرية التي حققتها حتى الآن.

قام أحد أبناء قرى منطقة نابلس منذ عدة أسابيع، بتقديم شكوى لأحد ضباط جيش الاحتلال، إما لأنه صدق أن ما يقوم به المستوطنون، لا يجد التأييد والدعم من الحكومة الإسرائيلية أو لأنه يريد أن يكشف حقيقة الارتباط والتواطؤ بين ما يقوم به المستوطنون وما تقوم به الحكومة من إقرار خطط وتنفيذ إجراءات تكمل وتساعد المستوطنين في تنفيذ أهدافهم بسرعة أكبر وتكاليف أقل، فما كان من الضابط الاحتلالي الإسرائيلي إلا أن قال له: نحن هنا لحماية المستوطنين وليس لحمايتكم، فلتذهب الى سلطتك وتقدم الشكوى لها.

إن رد الضابط الإسرائيلي، يؤكد على الحقيقة التي يعرفها كل مواطن أو كل مراقب لما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تلك الحقيقة التي لا يستطيع تباكي ليفني على الفلسطينيين وانتقادها لبعض أعمال المستوطنين إخفاءها أو طمسها، فليفني تعرف أن وزير الحرب في الحكومة التي هي وزيرة الخارجية فيها، يتحرك لعقد اتفاق "حل وسط" مع المستوطنين لحل مشكلة إخلاء بيت عائلة الرجبي في الخليل، على غرار الاتفاق السابق الذي عقده معهم، ويقضي بالتوسع في البناء الاستيطاني بمعدلات غير مسبوقة، لدرجة دفعت عاموس عوز وغيره من القادة الإسرائيليين المتعاطفين أو المحسوبين على حزب العمل الذي يترأسه باراك، لإعلان رفضهم لأي ارتباط مع هذا الحزب لأن زعيمه فقد طريقه وأصبح يهمه مراضاة المستوطنين أكثر من أي شيء آخر.

ما يهم الآن، كيف تعامل الفلسطينيون، وكيف يجب أن يتعاملوا مع الحرب المفتوحة التي يشنها المستوطنون ضدهم؟

الملاحظ أن كل موقع فلسطيني يتعرض للاعتداء يتعامل معه لمفرده، وأكثر ما يقوم به الفلسطينيون الآخرون بما فيهم السلطة هو التعاطف والشجب وتنظيم زيارة ميدانية، ومناشدة الحكومة الإسرائيلية واوروبا وأميركا والمجتمع الدولي التدخل لوقف اعتداءات المستوطنين، فلا يوجد خطة عامة للمقاومة الشعبية تكون ضمن الأولويات الوطنية وتتوفر لها كل الإمكانات اللازمة.

فالفلسطينيون مشغولون في الاحتراب الداخلي، وينسون وهم في غمرة انشغالهم هذا، أن المجتمع الدولي واللجنة الرباعية الدولية لم يستطيعوا "وقف التوسع الاستيطاني وقفاً تاماً بما في ذلك التكاثر الطبيعي"، ولا استطاعوا "إزالة البؤر الاستيطانية غير الشرعية" (حتى وفقاً للقانون الإسرائيلي)، وهي بعض الالتزامات الإسرائيلية الواردة في المرحلة الأولى من خارطة الطريق المقرة منذ 2003 ولم تنفذ اسرائيل شيئاً منها حتى الآن. أن المجتمع الدولي وأوروبا وأمريكا لا يمكن ان يكونوا ملكيين أكثر من الملك. أي لا يمكن أن يدافعوا عن الفلسطينيين أكثر مما يدافع الفلسطينيون عن أنفسهم.

فالقيادة الفلسطينية وافقت على استئناف المفاوضات عشية وغداة مؤتمر انابوليس في نهاية 2007، بدون أن تضمن وقف الاستيطان وقفاً تاماً، وواصلت المفاوضات رغم استمرار العدوان والاستيطان والجدار والحصار وتقطيع الأوصال، واكتفت بالشجب والمناشدة والتباكي وبتحميل اسرائيل المسؤولية، ورفضت الجمع ما بين المفاوضات والسلام والاستيطان، رغم أن هذا الجمع قائم ومستمر، وأخذت تبحث في مبدأ تبادل الأراضي الذي يقوم على ضم كتل استيطانية لإسرائيل في أي حل نهائي، كما بحثت في مبدأ تقسيم القدس الى أحياء عربية وأحياء يهودية، وفي الأيام الأخيرة، بدأنا نلاحظ تصاعدا باللهجة التي تخاطب أو تعلق بها السلطة على اعتداءات المستوطنين، حيث وصف الرئيس ابو مازن المستوطنين "بقطعان المستوطنين"، وقال حاتم عبد القادر مستشار رئيس الحكومة لشؤون القدس وأحد قادة "فتح"، بأن الفلسطينيين لا يمكن أن يكتفوا بالشجب والاستنكار والتظاهر واللجوء الى المحاكم الإسرائيلية، وإنما لديهم خيارات أخرى، لم يحددها، ولكنه قال إن من ضمنها أن يعاملوا المستوطنين بنفس الطريقة التي يعاملون الفلسطينيين بها. وإن حركة فتح والسلطة ستعطي أوروبا والمجتمع الدولي فرصة أخيرة.

إن الرد على اعتداءات المستوطنين يبدأ بالقناعة العميقة بأن وقف الاستيطان تمهيداً لإزالته كلياً، وردع المستوطنين ومنعهم من الاعتداء على الفلسطينيين لا يكون ممكناً ولا فعالاً، إلا عندما تقتنع السلطة والفصائل والأحزاب أن واجبهم الأساسي هو توفير الحماية للمواطن والوطن وليس للاحتلال، ضد كافة أنواع الاعتداءات والانتهاكات التي يتعرض لها. وذلك لا يمكن بدون تنظيم مقاومة شاملة، تركز على المقاومة الشعبية السلمية، وتتضمن مقاطعة الاستيطان عملاً وتعاملاً وتجارة، حيث إن العمال الذين يعملون في المستوطنات ارتفع أعدادهم بالآونة الأخيرة ووصل الى اكثر من 25 ألف عامل، ونحن طبعاً لا يمكن أن نلوم العامل الذي يبحث عن قوت عياله، ولكن نلوم الجهات المسؤولة عن الفلسطينيين التي لم تحرص على توفير مقاطعة شاملة للاستيطان، يكون من ضمنها توفير فرص عمل للعمال الذين يعملون في المستوطنات، وقبل أن نتحدث عن مقاطعة العمال للعمل في المستوطنات، يجب مقاطعة المنتجات التي تصدرها المستوطنات للفلسطينيين، ويجب عدم تنفيذ المشاريع الصغيرة والكبيرة داخل المستوطنات من قبل الشركات الفلسطينية، نحن بكل أسف نستورد من المستوطنات كل شيء، وبعضه عندنا بديل فلسطيني له. والذي لا يوجد بديل فلسطيني له يوجد بديل عربي أو أجنبي أو حتى إسرائيلي لا ينتج في المستوطنات.

إذا كانت بريطانيا وعدة دول أوروبية قامت وتبحث القيام بمقاطعة بضائع المستوطنات أو حرمانها من الأفضليات التي تتمتع بها البضائع الإسرائيلية الأخرى، فالأولى بالفلسطينيين جميعا أن يقاطعوا المستوطنات مقاطعة شاملة كاملة.

إن مثل هذه المقاطعة ستؤدي الى حرمان المستوطنات من 30% على الأقل من أسباب إقامتها واستمرارها في الأراضي الفلسطينية وهي الربح المادي الذي يعود عليها من رخص الأيدي العاملة الفلسطينية، ومن عوائد تصدير بضائع المستوطنات للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.

إذا كان الكفاح المسلح متعذراً، وإذا كانت العمليات الاستشهادية داخل اسرائيل قد توقفت مهما كانت الأسباب، علماً بأنها ليست الأسلوب المناسب للكفاح، فإن مقاومة الاستيطان والمستوطنين مقاومة منظمة أو شاملة يشارك بها الجميع، عمل سياسي وأخلاقي من الطراز الأول، ويحظى بدعم من القانون الدولي، ومن المجتمع الدولي، ويجد القبول حتى من أوساط لا بأس بحجمها من الإسرائيليين!!

 

مشاركة: