الرئيسية » هاني المصري »   22 تشرين الثاني 2008

| | |
ليس بالإعلانات تنجح مبادرة السلام العربية
هاني المصري

 

بدأت القيادة الفلسطينية منذ يوم الخميس الماضي بنشر إعلانات في الصحف الإسرائيلية للترويج لمبادرة السلام العربية. ووفقا للنائب احمد الطيبي المكلف بتنفيذ الحملة داخل اسرائيل، وياسر عبد ربه أمين سر اللجنة التنفيذية لـ (م.ت.ف)، فإن نشر الإعلانات يدشن بدء حملة إعلامية لشرح المبادرة العربية للرأي العام الإسرائيلي الذي عرف المبادرة بصورة منقوصة، وسمع عنها بشكل مشوه عبر المسؤولين الإسرائيليين الذين هاجموا المبادرة أو تعاملوا معها بصورة انتقالية. إذا كانت مشكلة اسرائيل مع مبادرة السلام العربية تتعلق بنقص في الدعاية والإعلام والمعرفة يمكن حلها بالإعلانات. ولكن إذا كانت المشكلة تكمن أساسا في أن اسرائيل غير جاهزة حتى الآن للسلام، لأنها تعتقد أنها تستطيع أن تفرض على الفلسطينيين أحد البدائل المفضلة لإسرائيل مثل استمرار الوضع الراهن، أو الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة، أو عودة الخيار الأردني والوصاية المصرية، أو الخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب.

 

إن اسرائيل حتى تغير موقفها المتعنت بحاجة الى أكثر من الإعلانات والتمنيات والطلبات، بحاجة الى موقف فلسطيني وعربي يعمل على جمع أوراق القوة والضغط الفلسطينية والعربية والدولية للضغط على اسرائيل لجعلها تقتنع بأن سياستها الاحتلالية والاستيطانية والعنصرية والاعتماد على القوة والعدوان والتوسع لا تنفع، وأنها ستخسر من استمرار احتلالها أكثر ما تربح؟ أو يمكن أن تربح من نهاية الاحتلال أكثر ما تربح حاليا، وان استمرار الوضع الراهن سيجلب أخطارا كبرى عليها. عندها يمكن أن يكون للإعلانات جدوى. أما إذا استخدمت هذه الإعلانات في الوقت الذي تعتمد القيادة الفلسطينية مسار انابوليس، ولا تغتنم فرصة اقترابنا من نهاية العام 2008 دون التوصل الى اتفاق وفقا لوعد انابوليس، بل تقوم بتجديد وتمديد مسار انابوليس وما يعنيه ذلك من اعتماد المفاوضات المباشرة والثنائية والسرية بعيدا عن التدخل الدولي الفاعل، وعلى أساس أن الطرف الثالث المسموح له بالتدخل المحدود جدا هو الولايات المتحدة الأميركية التي كانت وسيطا غير نزيه.

اعتقد أن الرأي العام الإسرائيلي لا يعاني من الجهل بمبادرة السلام العربية، فالمبادرة بسيطة جدا ومفهومة جدا فهي تقوم على المقايضة بين الانسحاب الكامل والسلام الكامل. الرأي العام الإسرائيلي لا يكترث بها لأنه تحت تأثير الرياح اليمينية المتطرفة والعنصرية التي تهب في اسرائيل وتزايدت حدتها في السنوات الأخيرة، لذلك لا يكترث بها أو يتخذ موقفا شبيها من موقف القيادة الإسرائيلية، فالاستطلاعات التي أجريت في اسرائيل أشارت الى وجود أغلبية تؤيد مبادرة السلام العربية في الجملة. ولكن عند التصويت على قضايا الوضع النهائي كل على حدة نلاحظ أن هذا التأييد ليس حقيقيا، فالأغلبية في اسرائيل لا تؤيد الانسحاب الى حدود العام 1967 ولا إزالة المستوطنات (وخصوصا ما تسمى المستوطنات الكبيرة) ولا تؤيد التوصل الى حل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين، ولا توافق على الانسحاب من القدس الشرقية وإنما من أحياء عربية فيها. والملاحظ أن موقف الرأي العام الإسرائيلي أكثر يمينية من مواقف القيادات الإسرائيلية.

إن اسرائيل الرسمية وغير الرسمية رفضت أو تعاملت في أحسن الأحوال مع مبادرة السلام العربية، حتى بعد الصحوة المتأخرة التي عبرت عن نفسها بإطلاق تصريحات من شمعون بيريس وايهود باراك وغيرهم حملت أحاديث إيجابية عنها، بانتقائية من خلال الترحيب بالاستعداد العربي الجماعي (والإسلامي كذلك) للاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها ودعت الدول العربية الى الشروع فورا بتطبيع العلاقات مع اسرائيل لتشجيعها على قبول مبادرة السلام العربية، ورفضت البنود التي تحدثت عن الحقوق والمطالب العربية خصوصا مسألة الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة.

إن الحكومة الإسرائيلية كانت تخشى من مبادرة السلام العربية، ولا تزال تخشى من أن تتحول الى مبادرة مطروحة بقوة على اسرائيل خصوصا بعد فشل مسار انابوليس بالتوصل الى اتفاق سلام أو الى تقدم حقيقي جوهري ملموس في ظل المتغيرات المحلية والعربية والإقليمية والدولية خصوصا بعد نجاح باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة الأميركية.

إن مبادرة السلام العربية بحاجة الى تبنٍّ عربي حقيقي لها، وهذا يقتضي أن تقدم كرزمة متكاملة، تقبلها اسرائيل أو ترفضها، وإذا رفضتها يجب أن تعرف ماذا ستدفع ثمنا لهذا الرفض، وإذا قبلتها يجب أن تعرف ما هي المكاسب التي تحصل عليها. اسرائيل رفضت المبادرة عمليا ولم تعاقب عربيا على ذلك، بل يواصل العرب طرح المبادرة واستجداء القبول الاسرائيلي لها دون استخدام الأوراق التي في يد العرب. والآن أصبح في يد العرب أوراق جديدة تضاف الى أوراق النفط والأسواق وعدالة القضية الفلسطينية وكفاح الشعب الفلسطيني وتشبثه بأرضه وحقوقه، وهي الحاجة الأميركية والدولية للمساعدة العربية من أجل التوصل لحل في العراق وأفغانستان وللملف النووي الإيراني والمساعدة في تجاوز الأزمة المالية العالمية.

التبني العربي الحقيقي لمبادرة السلام العربية يتطلب وضع الثقل العربي كله وراءها، ومطالبة العالم كله، خصوصا أطراف اللجنة الرباعية الدولية والولايات المتحدة الأميركية تحديدا بتبنيها، وخصوصا بعد صدور اشارات إيجابية حولها من أوروبا ومن الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما.

إن الذهاب العربي الجماعي لمؤتمر انابوليس أجهض إمكانية القبول الدولي لمبادرة السلام العربية، لأنه كرس الاستفراد الإسرائيلي بالفلسطينيين عبر ما يسمى المفاوضات الثنائية المباشرة التي تجري دون مرجعية واضحة وملزمة، ودون ضمانات دولية ولا دور دولي فاعل، ولا جداول زمنية ولا آلية تطبيق ملزمة. مثل هذه المفاوضات يمكن أن تدور حول نفسها مائة عام دون نتيجة. كان يجب عدم الذهاب لانابوليس لو كان العرب فعلا مع مبادرتهم وعليهم الآن وقف مسار انابوليس بعد فشله وليس تمديده.

إن المفاوضات الثنائية يجب أن تبدأ بعد الموافقة الرسمية الإسرائيلية الواضحة وغير المشروطة على مبادرة السلام العربية، من أجل التفاوض على كيفية تطبيقها وليس عليها. لذلك لاحظنا أن الموقف الاسرائيلي، خصوصا الذي تطرحه تسيبي ليفني (المرشحة الأقل سوءا لتولي رئاسة الحكومة الإسرائيلية القادمة)، يركز على أن مبادرة السلام العربية ليست بديلا عن المفاوضات الثنائية، لأن اسرائيل تريد أن تفرض حلها على الفلسطينيين مستفيدة من تفوقها العسكري ومن كونها الدولة المحتلة التي تمارس كل أنواع التأثير على الفلسطينيين، وبعد ذلك تحصل على المباركة العربية والدولية للاتفاق الثنائي الذي يمكن التوصل إليه.

الأنكى والأمر أن بعض الفلسطينيين أصبحوا من أوائل المتحمسين لاستمرار المفاوضات السرية المباشرة، ولعدم وجود تدخل دولي حاسم تحت تأثير وهم بأن الاتفاق الفلسطيني ــ الإسرائيلي على مرمى حجر وأن أي مسار آخر يمكن أن يعيدنا الى نقطة الصفر. وهذه سياسة خطرة لأنها تحمل في طياتها إمكانية قبول المطروح إسرائيليا بعد إجراء بعض التعديلات عليه، رغم أنه بعيد عن الحد الأدنى الفلسطيني بعد الأرض عن السماء.

إن الدولة الفلسطينية ليست على الأبواب، وهي بحاجة الى كفاح متعدد الأشكال سياسي وقانوني وجماهيري واقتصادي وفكري وإعلامي، كفاح لا يستبعد الكفاح المسلح، بوصفه الحق الذي يجب أن يحتفظ به الفلسطينيون لاستخدامه كلما رأوا ذلك مفيدا لهم ويصب في خدمة مصالحهم الوطنية العليا. الدولة الفلسطينية المجتزأة ذات الحدود المؤقتة التي تقسم الضفة بما فيها القدس بين الفلسطينيين واسرائيل هي التي على الأبواب، فهي أصبحت مصلحة إسرائيلية تساعد اسرائيل على إبعاد شبح الدولة الواحدة الذي يمكن أن يقضي على حلم اسرائيل بإقامة دولة يهودية!.

إذا كان يوسي بيلين أبرز المؤيدين لوثيقة جنيف يعتبر أن مسار انابوليس قد فشل، ولام السلطة على قبولها بالمماطلة الإسرائيلية والدخول بمسار تفاوضي مهلهل ومفتوح وغير مقيد بجدول زمني، هذا يجعل من الأولى على الفلسطينيين أن يبادروا لوقف هذا المسار ودعوة المجتمع الدولي والرئيس الأميركي الجديد لفتح مسار سياسي جديد قادر على إنهاء الاحتلال وتحقيق الأمن والاستقرار والسلام.

إذا استلم باراك اوباما مقاليد الرئاسة الأميركية ووجد أن المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية تسير على خير ما يرام ولا يطالب أحد بتدخل أميركي أو دولي فاعل ونزيه ويستند الى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية فإنه سيبارك هذه المفاوضات ويتمنى لها النجاح. إذا أردنا الاستفادة من التغيير الذي بدأ بالولايات المتحدة بفوز اوباما، علينا أن نبدأ بتغيير سياستنا وإحداث أزمة بالمفاوضات لأنها مفاوضات عقيمة حتى يتحرك العالم والرئيس الأميركي الجديد لإنقاذها!!!

 

مشاركة: