الرئيسية » هاني المصري »   26 حزيران 2008

| | |
لماذا لم يبدأ الحوار ؟ محاولة للفهم ؟
هاني المصري

 

رغم مرور حوالي شهرين على مبادرة الرئيس أبومازن للشروع في حوار وطني شامل، ورغم ترحيب "حماس" وكافة الفصائل والأحزاب والفعاليات بهذه الـمبادرة لـم يبدأ الحوار حتى الآن؟ ولا يبدوأنه سيبدأ في القريب العاجل ؟ وإذا بدأ فلن يتكلل بالنجاح بسرعة إذا استمرت نفس الـمواقف والعوامل والظروف القائمة الآن؟ فما الذي يعيق الحوار ويحول دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة؟ قبل الشروع بمحاولة الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من الانطلاق من ان استعادة الوحدة يمكن ان تتم من خلال الاتفاق على حل وسط يستند الى قواسم مشتركة سياسية وامنية، وعلى تحقيق شراكة وطنية يأخذ فيها كل طرف ما يستحقه ويتناسب مع ما يمثله في الواقع الفلسطيني. لا اخترع شيئاً جديداً ولا عجيباً إذا قلت إن عدم توفر إرادة فلسطينية كافية أولاً وضوء اخضر إقليمي ودولي ثانياً وحاضنة عربية ثالثاً، وموافقة أميركية إسرائيلية رابعاً هو ما يحول دون انطلاق الحوار الوطني، ودون تحقيق هدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

 الإرادة الفلسطينية للحوار والـمصالحة لا يبدوأنها كافية حتى الآن، رغم أن الأمور تحركت قليلاً بهذا الاتجاه بعد مبادرة الرئيس الا أنها راوحت في مكانها بسبب عدم توفر الحاضنة العربية، ولأن الأطراف الفلسطينية الـمتنازعة ورغم حديثها عن الحوار، الا ان كل طرف لا يزال متشبثاً بتحقيق شروطه كاملة، والا فلا يريد الوحدة. وهذا يدل على ان الظروف لـم تنضج بعد لإطلاق حوار قادر على استعادة الوحدة. أما الـمبادرات والجهود الايجابية الفلسطينية التي أطلقت فلا تكفي ولا تعدو أن تكون مناورات متبادلة ومحاولة من كل طرف لتحميل الـمسؤولية عن عدم الحوار للطرف الأخر. ولنبدأ بفريق السلطة، فهو يريد حواراً ولكن لتنفيذ الـمبادرة اليمينية مع تجاهل إعلان صنعاء، أي يريد حواراً يسبقه إنهاء الانقلاب وسيطرة "حماس" على غزة، وتقيد "حماس" بالشروط الدولية، وهذا يعني أنه يريد هزيمة "حماس" هزيمة كاملة، عن طريق إعادة بناء السلطة الواحدة تحت هيمنة حركة فتح غريمها ومنافسها الرئيس، ان تحقيق هذا الأمر صعب ان لـم أقل مستحيل، لأنه ليس هناك ما يقنع أويجبر "حماس" على التسليم بشروط الهزيمة ما لـم تهزم فعلاً. وهذا طبعاً بغض النظر عن صحة أوعدم صحة، وعن مدى الحق أوعدم الحق الـمتضمن في موقف السلطة. لا يمكن أن تقر "حماس" بالشروط الـمطلوبة منها بدون هزيمتها هزيمة ساحقة سياسياً أوعسكرياً، وهذا هدف لـم يتحقق حتى الآن، ولا يبدو أنه في متناول اليد. فالسلطة لـم تهزم "حماس" ولا تمتلك القوة القادرة على هزيمتها، وذلك لأن تحقيق مثل هذا الهدف بحاجة الى قوة عسكرية أوانتفاضة شعبية داخلية. والقوة العسكرية مستبعدة لأن النزاعات الداخلية لا يجب أن تحل بالعنف، ولأن استخدام القوة العسكرية بين الضفة وغزة بحاجة الى مساعدة إسرائيلية لنقل القوات بينهما، فلا يمكن أن تمر القوات من الضفة الى غزة عبر إسرائيل بدون موافقة إسرائيلية، ومثل هذه الـموافقة متعذرة، وإذا حصلت ستحرق الطرف الذي يسعى إليها لأنها ستظهره بمظهر الـمتعاون مع الاحتلال. ان الانتفاضة الشعبية على سلطة "حماس" تبدوالآن أبعدَ عما كانت عليه في شهر تشرين الثاني من العام الـماضي حين شارك مئات الآلاف من الغزيين في مهرجان إحياء ذكرى رحيل ياسر عرفات، فيما اعتُبر مؤشراً على رفض واسع لسلطة "حماس". لـم نعد نشاهد مثل هذه الاحتفالات وحركة حماس عززت سيطرتها على قطاع غزة خصوصا بعد الاتفاق على التهدئة مع إسرائيل. السلطة تراهن أساساً على قدرتها على تقديم نموذج مزدهر وآمن في الضفة، وعلى النموذج البائس التي تقدمه سلطة "حماس" والذي يجعلها محاصرةً بصورة أدت الى فقدانها للشرعية الفلسطينية والعربية والدولية، والى ازدياد الفقر والبطالة والقمع الداخلي وفقدان الـمقومات الأساسية للحياة الآدمية، كما تراهن السلطة على الـمفاوضات وإمكانية التوصل الى اتفاق أو ورقة تبرهن من خلالها على جدوى أسلوب الـمفاوضات بما يعيد الأمل بطريق "أوسلو"، ويمكن السلطة من الدعوة الى استفتاء ومن ثم الى انتخابات تشريعية ورئاسية. أما الرهان على إسرائيل، وعلى قيامها باحتلال غزة وتسليمها للسلطة، الذي كان ولا يزال يداعب البعض، فقد سقط لأن إسرائيل لن تقوم بتوجيه ضربة قاصمه لحركة حماس في غزة، وتتكبد خسائر ملـموسة في سبيل ذلك، لكي تمكن السلطة من استعادة نفوذها في غزة، فإسرائيل شقت الطريق أمام الانقسام الفلسطيني وتسعى الى تعميقه وتأبيده كونه يعطي لها مزايا ضخمة لا يمكن الاستغناء عنها كرمال عيون السلطة. أما حركة حماس فلا تزال ترى ان اللحظة الـمناسبة للشروع في الحوار واستعادة الوحدة لـم تحن بعد. فلا يكفي أن ترحب "حماس" بالحوار بلا شروط وهي تتمسك بالسلطة بغزة وتسعى لتعزيز سيطرتها هناك، ولا يكفي الحديث عن التمسك بإعلان صنعاء بما يوحي بان "حماس" تريد حواراً مفتوحاً توظفه للتغطية على استمرار سيطرتها وانتظاراً لظروف ملائمة أكثر، فـ "حماس" تراهن على تثبيت التهدئة، وعلى رفع الحصار وفتح معبر رفح وعلى إتمام صفقة تبادل الأسرى، وعلى استمرار فشل الـمفاوضات، وعلى رحيل الرئيس الأميركي بوش، وعلى التغييرات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تحدث، وبدأت بشائرها بالحدوث فعلاً، فإذا رفع الحصار عن غزة تتصور "حماس" أنها ستتمكن من تقديم نموذج آخر لسلطتها يستطيع ان ينافس النموذج الذي تقدمه السلطة في الضفة، وهي تستطيع أن تستفيد من حقيقة أن الاحتلال "أعاد انتشاره" في غزة، ومستعد للانسحاب منها كلياً، وعدم العودة إليها بتاتاً، إذا توقفت الـمقاومة من غزة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وإذا أثبتت "حماس" أنها سلطة قادرة على الوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها في اتفاق التهدئة. كما أن "حماس"، أوبعض أوساطها على الأقل، تراهن على أن الاحتلال في الضفة سيقضي، كما يحصل فعلاً، على أية إمكانية لنجاح السلطة بتقديم نموذج للأمن والازدهار من خلال استمرار العدوان العسكري الإسرائيلي بكل أشكاله في الضفة، ومواصلة الاستيطان واستكمال بناء الجدار وتقطيع الأوصال والاعتقالات وفصل القدس وعزلها وعزل الأغوار وتصفية البنية التحتية للـمقاومة، وإضعاف السلطة من خلال الاقتحامات اليومية للـمناطق والـمدن الـمفترض أنها خاضعة لسيطرة السلطة. ان أي تدقيق وتعمق في كلا الرهانين، يجد أنهما مأزومان، ولا يمكن ان يوصلا أصحابهما الى أي مكان، كما أنهما يعكسان أوهاماً ورهاناً على الاحتلال، وعلى ما يمكن أن يحققه الاحتلال لكل منهما. وهذا يضع أوراق اللعبة كلها في أيدي الاحتلال ويجعله يتحكم تماماً بها. وإذا أضفنا الى ما تقدم أن الـمفاوضات ابتدأت بعد أنابوليس وهي مكتوب عليها الفشل، لأنها كانت بدون مرجعية واضحة وملزمة، وبعيدة عن القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ولـم يسبقها ولـم يتبعها أويسير بالتوازي معها، وقف للعدوان والاستيطان بل جرى تصعيد العدوان وتكثيف الاستيطان. وإذا توصلت الـمفاوضات الى اتفاق أوورقة ستكون هزيلة وبائسة، ولن تقوي ولن تساعد من يحصل عليها على الحسم. فمثلـما لـم تستطع التهدئة التي حصلت عليها حماس بالاتفاق مع إسرائيل بوساطة مصرية على الحسم، لأنها أتت تهدئة هشة ومعرضة للانهيار، ولـم تترافق مع رفع الحصار ولا مع تبادل الأسرى ولا مع مسار سياسي جدي قادر على إنهاء الاحتلال، فان أي اتفاق سيتم التوصل اليه عبر الـمفاوضات سيكون اتفاق رف وأشبه بإعلان مبادىء ولن يساعد الطرف الفلسطيني الذي يوقعه على الحسم. وإذا فشلت الـمفاوضات، كما هوحاصل فعلا، وكما هومتوقع، فهذا قد يساعد حماس ولكن بشكل محدود، لان قدرة حماس على الاستفادة فعلا من فشل الـمفاوضات متوقفة على قدرتها على تقديم خيار بديل. وأي خيار بديل عن فشل الـمفاوضات لا يمكن الا ان يكون في أساسه اعتماد خيار الـمقاومة. والـمفارقة التي تكبر أمامنا بشكل متزايد ان خيار الـمفاوضات يتراجع في الضفة بشكل متسارع لدرجة اتساع الـمطالبة بوقف الـمفاوضات، وازدياد الدعوة لخيار الـمقاومة، بينما ان خيار الـمقاومة يتراجع في غزة، بحيث باتت الـمطالب تنحصر هنالك برفع الحصار وفتح معبر رفح، رغم ان الخلاف الأساسي بين فتح وحماس، مفترض ان يكون حسب الادعاءات، هوخلاف على الـمقاومة.فالـمقاومة علقت في غزة ، ومرشحه للتصاعد في الضفة . ويا قلبي احزن على حالنا!! أما بالنسبة للتطورات الإقليمية والدولية، فهي لا تصب تماما في صالح فريق دون غيره في الساحة الفلسطينية. فاستئناف الـمفاوضات السورية - الإسرائيلية يساعد الرئيس أبومازن على الاستمرار في الـمفاوضات وعلى تحييد سورية وتحسين العلاقات معها، كما ان اتفاق الدوحة وكونه أتى بالـمحصلة لصالح فريق الـمعارضة، من شانه ان يساعد حماس لان حلفاءها في لبنان حققوا مكاسب هامه، ولكنها ليست حاسمة بدليل تعذر الاتفاق على بيان الحكومة حتى الآن، واستمرار الجدل حول الـمقاومة وسلاحها. وبدون شك فإن اتجاه الـمنطقة، على خلفية الـملف النووي الإيراني نحوالحرب الشاملة أوالصفقة الشاملة، سيكون له انعكاسات جوهرية على الوضع الفلسطيني، ولكن على أساس ان كلا الاحتمالين سيكون سيئا للفلسطينيين والعرب إذا استمروا بدون مشروع عربي، وبدون دور عربي فاعل وموحد. وإذا كانت حماس تراهن على رحيل بوش ومجيء باراك أوباما فهورهان بائس، بدليل التصريحات التي أدلى بها الأخير في مؤتمر ايباك، والتصريحات والخطوات التي أقدم عليها في زيارته الأولى للـمنطقة ولإسرائيل تحديدا والتي أكدت على ان الرهان على تغير جوهري في السياسة الأميركية، إذا فاز أوباما، تستفيد منه حماس مجرد وهم كبير آخر. لا أضيف جديدا، إذا قلت ان "الفيتو" الأميركي - الإسرائيلي لا يزال مرفوعا في وجه الحوار والـمصالحة الوطنية الفلسطينية، ويكفي للبرهنة على ذلك تذكر الجدال العلني بين عمرو موسى وكوندوليزا رايس في برلين في الشهر الـماضي حين طالب موسى برفع "الفيتو" الأميركي عن الـمصالحة الفلسطينية ورد ت رايس ان هذا لا يمكن بدون قبول الشروط الدولية. رغم كل ما سبق فان إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة هدف ممكن التحقيق، رغم صعوبته البالغة، إذا توفرت الإرادة الفلسطينية والحاضنة العربية. وعن هذا الطريق يمكن تجاوز "الفيتو" الأميركي الإسرائيلي. ولكن أين نحن من ذلك؟ لا أذيع سراً، إذا قلت ان حصيلة جولة الرئيس أبو مازن العربية كانت غير مشجعة على الإطلاق، فلـم تتوفر حتى الآن حاضنة عربية للحوار الفلسطيني، والجامعة العربية لا تستطيع التحرك بدون ضوء اخضر ودعم من عواصم القرار العربي. فالقاهرة لا تريد ان تتحرك بدون ضمان النتائج سلفاً، وتركز على تثبيت التهدئة أولاً وعلى صفقة تبادل الأسرى ثانياً ورفع الحصار وفتح معبر رفح ثالثاً وعلى موضوع الحوار والـمصالحة رابعاً وأخيراً. وكما يقول الـمثل: "موت يا كديش حتى يأتيك الحشيش". من الـممكن العمل بشكل متواز ومتزامن على كل هذه الـمسارات. أما السعودية فـ "حرمت" التدخل بعد تجربة اتفاق مكة، ولا تريد إغضاب الإدارة الأميركية، وما يهمها ان لا يتحمل الجانب الفلسطيني مسؤولية فشل الـمفاوضات مرة أخرى. أما قطر فلا تكتفي حتى تكرر ما حدث باتفاق الدوحة. أما سورية فهي تريد الحوار والـمصالحة لأنها رئيس القمة العربية في الدورة الحالية، ولأنها تخوض مفاوضات مع إسرائيل وتريد استمرارها ونجاحها، وهذا يتطلب حل الإشكالات الفلسطينية لأن دعمها لـ "حماس" مطروح بقوة على طاولة الـمفاوضات، وتريد ان يتفق الفلسطينيون بدون ان تضغط على حلفائها، ولكن الـمصالحة الفلسطينية بحاجة الى إرادة عربية قادرة على تحدي "الفيتو الأمريكي والإسرائيلي. تأسيساً على ما تقدم لـم تتوفر حتى الآن الإرادة الفلسطينية الكافية للحوار وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، ولـم تتوفر الحاضنة العربية، ولا يزال "الفيتو" الأمريكي ــ الإسرائيلي سيفاً مشهراً فوق رؤوس الجميع، ولا تزال الرهانات الخاسرة الـمتبادلة سيدة الـموقف، ولكن هذا لا يعني ان العمل من اجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة يجب ان يتوقف، بل يجب ان يتواصل ويتعمق ويركز في هذه الـمرحلة على بلورة تيار شعبي وسياسي فلسطيني ضاغط ومتعاظم على كل الفرقاء. فالانقسام مدمر ولا يستفيد منه سوى الاحتلال وفئة صغيرة هنا وأخرى هناك بينما تتضرر منه الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين. ان الكرة الآن أكثر من أي وقت مضى في ملعب الشعب الفلسطيني ويجب ان يتحرك لقذفها بالاتجاه الذي يحقق مصالحه وأهدافه وطموحاته. والشعب الفلسطيني قادر على التحرك وقلب الطاولة على اللاعبين!! وعندما يتحرك الشعب سيخضع الجميع لإرادته شاؤوا أم أبوا !!!!

 

مشاركة: