الرئيسية » هاني المصري »   11 تشرين الثاني 2008

| | |
لماذا أفشلت "حماس" حوار القاهرة؟
هاني المصري

 

بعيدا عن صحة أو عدم صحة الذريعة التي استخدمتها "حماس"، وهي "المطالبة بالافراج عن المعتقلين السياسيين في الضفة قبل بدء الحوار"، وهي ذريعة صحيحة. ولو كنت مكان الرئيس عباس وحركة فتح لأصدرت الأوامر بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين؛ لأنه لا يجوز اعتقال أي إنسان على خلفية سياسية، ولكي يتم سحب هذه الذريعة من أيدي حركة حماس. لكن ما تقدم لا يبرر اعتذار "حماس"،

الذي خلف احباطا عظيما للشعب الفلسطيني وأصدقائه وحلفائه على امتداد العالم الذين كانوا ينتظرون على أحر من الجمر بدء الحوار وانتهاءه بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة. إن وراء الأكمة ما وراءها!

 

إن "حماس" لا تريد أن تشارك في الحوار قبل أن تضمن نتائجه، لأنها تخشى أن تدخل في عملية تؤدي الى خسارتها غزة كليا، أو مشاركتها مع "فتح"، بدون ضمان مشاركتها في السلطة والمنظمة. هذه الخشية التي تقف وراء اعتذار "حماس"، وهي عبرت عن نفسها بأشكال مختلفة، مثل الإصرار على التوصل الى "اتفاق رزمة متكاملة" إما "كل شيء أو لا شيء"، ومثل الدعوة لإعادة بناء المنظمة والأجهزة الأمنية قبل أو جنبا الى جنب الاتفاق على تشكيل حكومة الوفاق الوطني وعلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية.

مصدر الخشية الحمساوية يعود الى أنها ترى أن الورقة المصرية غير محايدة وتميل الى وجهة نظر أبو مازن والسلطة وتؤيدها الدول العربية خصوصا المعتدلة ومعظم الفصائل مما يجعل مشاركة "حماس" بالحوار خطوة مؤكدة نحو تخليها الانفرادي عن غزة بدون أن تضمن مشاركتها في الضفة، والأمر الذي سيعرضها اذا رفضت الى مزيد من العزلة العربية، وربما الى المقاطعة العربية والعقوبات العربية.

السؤال هو على ماذا تراهن "حماس"؟

أولا: تراهن على أن بقاء غزة في يدها بدون وحدة رغم أعبائه أفضل من خسارتها بدون ضمان الشراكة الكاملة، وخصوصا أن الانفاق تكسر فعالية الحصار وتجعله قابلا للاحتمال لوقت اطول.

ثانيا: إن التطورات المحلية والاقليمية والدولية، التي حصلت والتي يمكن أن تحصل، يمكن أن تساعد "حماس" على دخول الحوار لاحقا وتحقيق نتائج أفضل منه وهي تكون حينذاك في وضع أفضل، وهذا يعني انها تفضل المصالح الفئوية على المصالح الوطنية.

فانتخاب باراك اوباما تعتبره "حماس" أهون الشرين وأفضل لها من رئاسة بوش أو انتصار ماكين الذي يشكل استمرارا لبوش. فأوباما قد يفتح حوارا مع "حماس"، وهو يستبعد اللجوء الى حرب عسكرية ضد إيران، ولا يشجع اسرائيل على شن حرب ضد لبنان أو الفلسطينيين بما في ذلك على شن حرب على غزة.

فـ"حماس" تراهن على احتمال تحسن موقف حلفائها إيران وسورية، بعد انتخاب اوباما، وعلى أن هذا سيعود بالفائدة عليها، وتنسى أن أي تحسن في العلاقات الأميركية ــ السورية ــ الإيرانية يمكن أن يكون على حساب علاقات إيران وسورية بحركة حماس وحزب الله. كما تراهن "حماس" على ان الأزمة الحكومية التي تعيشها اسرائيل، والانتخابات المبكرة تعطيها هامشا من الوقت يمكن أن توظفه لصالحها من خلال أن المفاوضات ستكون مجمدة عمليا، حتى لو شهدنا لقاءات فلسطينية ــ إسرائيلية على مستويات مختلفة. وليس بعيدا عن التحليل أن تعلق "حماس" الآمال على احتمال فوز بنيامين نتنياهو واليمين الاسرائيلي في الانتخابات الإسرائيلية في شهر شباط القادم، لأن نتنياهو يتخذ موقفا متشددا من الفلسطينيين ويعطي الأولوية لإجراء مفاوضات تستهدف تحقيق ما يسميه السلام الاقتصادي قبل البحث في قضايا الوضع النهائي والتوصل الى اتفاق سلام.

إضافة الى ما تقدم فإن ما تفعله "حماس" ليس كله مدروسا ومخططا له، فهناك مؤشرات على وجود عدة آراء داخل حركة حماس، في داخل الوطن وخارجه، فهناك فريق داخل "حماس" أيد قرار المقاطعة لحوار القاهرة، وفريق دعا الى المشاركة خشية من أن يؤدي ذلك الى تشديد العزلة العربية على "حماس".

السؤال الآخر والحاسم هو: ما العمل؟

إن الوقت ينفد ويقترب من استحقاق التاسع من كانون ثاني القادم؟ وإذا لم يبدأ الحوار، وإذا لم تتحقق المصالحة الوطنية الشاملة أو الجزئية سنشهد تداعيات أكبر للانقسام. فـ"حماس" تهدد بسحب اعترافها بالرئيس وهذا سيقودنا الى رئيس في غزة وآخر في الضفة.

والسلطة ردا على ذلك يمكن أن تعلن "حماس" تنظيما محظورا وقطاع غزة إقليما متمردا، ويمكن أن يحل الرئيس المجلس التشريعي وهذا سيؤدي الى تصاعد التحريض وحملات الاعتقال ويفاقم الانقسام، وربما يقود الى عودة الاقتتال بأشكال مختلفة مثل الاغتيالات والتفجيرات والاشتباكات.

إن الفرصة لا تزال ممكنة لبدء الحوار، وخصوصا بعد الاعلان بأنه سيستأنف خلال اسبوعين، وهناك عدة احتمالات، منها تحقيق الاتفاق المفضل وهذا صعب جدا الى درجة قد ترتقي الى الاستحالة، لأن هذا الاتفاق يقوم على تأسيس شراكة في المنظمة والسلطة تحفظ التعددية وعلى أسس تكفل المساواة وتكافؤ الفرص ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وعلى أساس برنامج وطني كفاحي قادر على إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

يبقى الطريق مفتوحا للحل الممكن وهو الحل الذي يقوم على مراحل تبدأ بالحوار ثم استعادة الوحدة عبر تشكيل حكومة تتعايش مؤقتا مع الأمر الواقع (سيطرة "حماس" في غزة وسيطرة "فتح" في الضفة) الى أن تتغير الظروف شيئا فشيئا وتتولد الارادة الفلسطينية الكافية التي تغلب الوحدة على الانقسام، بحيث تصبح تحقق مصالح الأطراف المتحاربة أو قسما منها على الأقل، إضافة الى كونها تحقق بدون شك المصلحة الوطنية العليا للفلسطينيين.

ان الورقة المصرية لم تنص على إنهاء سلطة "حماس" أولا، وبالتالي فإنها تحمل في طياتها استعدادا لمثل هذا الاحتمال ــ الحل.

وحتى ينجح هذا الحل يجب أن تسلم "حماس" بأنها لا تستطيع الاستمرار بالوضع الراهن بدون خسائر فادحة، ولا تستطيع الانفراد بالسيطرة على غزة، ويجب أن تسلم "فتح" والسلطة بأن الوحدة تتطلب الشراكة، فلن تتخلى "حماس" عن غزة دون ان تشارك مشاركة حقيقية في السلطة.

إن استمرار الانقسام لن يمكن "حماس" من تحويل غزة الى امارة اسلامية او قاعدة لانطلاق المقاومة، لأن المقاومة لم تتمكن من الانطلاق بل كانت التهدئة في غزة عربونا قدم غداة الانقسام، ولن يساعد الانقسام كذلك على التوصل الى حل مع اسرائيل ولا الى تحويل الضفة الى سنغافورة.

أن على "حماس" و"فتح"، أن تعزلا الافراد والشرائح التي ترقص على انغام الانقسام لأنه يحقق لها نفوذا ومصالح لم تخطر لها على بال، وليست ممكنة في ظل الوحدة، وعلى الجميع ان يدرك بأن الانقسام سينقلب على الجميع، وقاد الى كارثة وسيقود الى كارثة أكبر للقضية والمشروع الوطني والإنسان الفلسطيني!

 

مشاركة: