الرئيسية » هاني المصري »   20 حزيران 2006

| | |
الوفاق الوطني ممكن
هاني المصري

أخبار الحوار الوطني في أيامه الأخيرة ايجابية ومشجعة جداً، لدرجة ان هناك من المتحاورين من يتوقع اعلان الاتفاق اليوم او في بداية الاسبوع المقبل. ماذا عدا عما بدا حتى تتغير الاحوال كلياً، من الفشل والاحتقان والاستقطاب الحاد والتحريض ونذر الحرب الاهلية الى الاقتراب من الاتفاق على برنامج وطني موحد يستند الى وثيقة الاسرى. في البداية، لا بد من اعتماد الحوار لحل الخلافات، وتقدير التقارب، والتأكيد على أولوية التوصل الى برنامج مشترك، يحفظ الحقوق والاهداف وقادر على تحقيق الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة ائتلاف وطني (بمشاركة الفصائل والاحزاب او حكومة خبراء ومستقلين) وتفعيل واصلاح "م.ت.ف" وضم كافة الفصائل والاحزاب والقطاعات التي لا تزال خارجها، وقادر على الإقلاع محليا وعربيا واقليميا وإسلاميا ودوليا.

أنا شخصيا، كنت ولا أزال، من المقتنعين بإمكانية التوصل الى اتفاق وطني على برنامج موحد مع ادراكي ان هذا أمر صعب جدا، ولكن عدم التوصل اليه اصعب وأخطر بكثير. ولدينا الآن برهان على امكانية التوصل الى الوفاق من خلال ما يقدمه التقارب الملموس الذي حدث خلال الايام الماضية عن امكانية الاتفاق على برنامج حد أدنى مشترك يجسد القواسم المشتركة. وعلينا الحذر وألا نغرق بالتفاؤل كثيرا حتى لا تكون الصدمة كبيرة بحجم التوقعات الكبيرة.

 

فإذا توفرت النية الخالصة، والإرادة اللازمة، والجدية الكافية، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والفئوية والفصائلية، يمكن أن يتحقق الاتفاق وخلال أيام. وما تحقق حتى الآن، يرد على كل من اعتبر ان تحديد المهلة حتى ينجح الحوار او نتجه الى الاحتكام للشعب، أن يأخذ العبر مما حدث، حتى لا يعود الى اعتبار تحديد المهلة ضغطا وابتزازا والتفافا على الحكومة وقفزاً عن نتائج الانتخابات. تحديد المهلة يمكن أن يكون هدفه تقديم حافز للمتحاورين، وتذكير الجميع بأننا لا نملك كل الوقت لنضيعه في حوار مفتوح الى الأبد. السؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة: ما هو السر وراء حدوث التقارب المفاجئ؟

اولاً: لقد مهد الاتفاق الذي حدث بين ابو مازن واسماعيل هنية اثناء لقائهما الاخير حول القوة التنفيذية والصلاحيات والقرارات الرئاسية وتشكيل مجلس اعلى للإعلام وغيرها لحدوث التقارب، فالصراع في جوهره صراع على السلطة قبل ان يكون صراعاً على اي شيء آخر. فالخلاف على المفاوضات وعلى المقاومة يبقى محدوداً لأنه في الواقع على الارض لا توجد مفاوضات ولا توجد مقاومة. فالمقاومة والمفاوضات بحاجة الى مشروع وطني مشترك وليس الى اعتبارهما اوراقاً مستخدمة في اللعبة الداخلية، وفي الصراع على السلطة.

ثانياً: استحالة الحسم العسكري لصالح طرف دون آخر، بسبب التوازن في القوى، وبسبب ان الصراع يدور في ميدان لا يتحكم فيه الطرف الفلسطيني وحده، وانما اسرائيل لاعب رئيس، اضافة الى اللاعبين العرب والإقليميين والدوليين. ولعل ما حدث في الايام الاخيرة من تصاعد في حدة الاشتباكات واعتداءات على المقرات والنواب جعل الجميع يستشعر الخطر. فالاقتتال دمار للجميع والمستفيد الوحيد منه هو الاحتلال.

ثالثاً: التصعيد العدواني العسكري الاسرائيلي ذكر الجميع بالعامل الاسرائيلي وانه يمثل الخطر الداهم والزاحف لتطبيق خطة اولمرت الرامية لتصفية القضية الفلسطينية من مختلف مراحلها. وهذه الخطة ستمر وتحصل على الغطاء الدولي اذا استمر الوضع الفلسطيني الداخلي على ما هو عليه، فكيف اذا تدهور اكثر؟ والمجتمع الدولي يريد أن يعطي الفلسطينيين فرصة اخيرة كما يظهر من عدم حصول اولمرت على كل ما يريده من جولاته الاميركية والاوروبية والعربية.

رابعاً: ان طرح الاستفتاء والاحتكام للشعب اذا لم يتم التوصل الى اتفاق عبر الحوار، مثل حافزاً للجميع للاتفاق. ومن يريد أن يماطل ويكسب الوقت عرف جيداً انه لن يتملص، والاستفتاء جعل امكانية الاتفاق اكبر. واذا حصل الفشل نكون أمام بديلين وليس أمام بديل واحد. يجعلنا أمام الاقتتال او الاحتكام الى الشعب. ترك الحوار دون سقف زمني ودون احتكام للشعب يضعنا أمام الاقتتال كخيار وحيد.

صحيح أن الاستفتاء لا يمكن أن ينجح في ظل عدم الاتفاق على عقده، ويمكن أن لا يتم أصلاً إذا أرادت حماس تعطيله، ولكن دون الاستفتاء لن نتفق أبداً. وحماس تخشى الاستفتاء لأنه يعني أن الطاولة يمكن أن تقلب على رؤوس الجميع، ولا أحد بما فيهم حماس، يريد العودة الى المربع الاول.

لدينا وقت كاف لإنضاج الاتفاق، ولكن ليس لدينا كل الوقت لنضيعه، وعلينا أن نحرص على التوصل الى اتفاق على برنامج واضح قادر على الإقلاع حتى يحقق ثلاثة أهداف رئيسية وهي: درء الحرب الأهلية وتحقيق الوحدة الوطنية، وكسر الحصار الخانق، وإسقاط خطة اولمرت.

في هذا السياق، يجب أن لا نغرق في صياغات عامة يمكن تفسيرها من كل طرف كما يحلو له. ويجب أن نفرق بين البرنامج الذي يشكل القواسم المشتركة بين الفصائل والأحزاب والفعاليات وبرنامج الحكومة. وعلينا أن نتذكر أننا يمكن ان يكون لدينا برنامج متفق عليه فلسطينياً ولا يحقق شيئاً، فيجب على البرنامج المتفق عليه أن يفتح الطريق لتشكيل حكومة قادرة على العمل وتحقيق المهمات المرجوة. فكلمة ناقصة او زائدة يمكن ان تغير كل شيء. الاتفاق الناجح بحاجة الى حوار عميق وجريء يستهدف قضايا الخلاف، لا الإيحاء بأن كل شيء على ما يرام، وان الخلافات حول صياغات، لنفاجأ غداً أو بعد غد أن كل ما حققناه هو تأجيل الصدام لبعض الوقت!! فهل نجرؤ على الاتفاق على البرنامج المطلوب؟

 

مشاركة: