الرئيسية » هاني المصري »   29 آذار 2011

| | |
إلى أين وصلت مبادرة الرئيس لزيارة غزة؟
هاني المصري

انحسرت موجة التفاؤل التي انطلقت بعد دعوة إسماعيل هنية ومبادرة أبو مازن، بعد أن تبين أن الزيارة مشروطة بالموافقة على تشكيل حكومة مستقلين تحضر لإجراء الانتخابات، وبإصرار "حماس" على أن تكون لاستكمال الحوار والاتفاق على جميع القضايا التي لا تزال عالقة.
كما ساهم بشدة بتراجع الآمال بحدوث الزيارة التصعيد العسكري الإسرائيلي على الخط الذي سقط جراءه عشرات الشهداء والجرحى حتى الآن، وذلك وسط تصريحات علنية لنتنياهو: بأن على السلطة الاختيار ما بين "حماس" وإسرائيل، إضافةً إلى تهديدات سرية ونسبت إلى مسؤول إسرائيلي لم يذكر اسمه بأن تشكيل حكومة وفاق وطني سيلاقي مقاطعة من إسرائيل.

 

إن اللقاء الذي عقد يوم السبت الماضي بين الرئيس ووفد من حركة "حماس" برئاسة عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي أعاد بعض الأمل بإتمام الزيارة.

إن زيارة أبو مازن إلى غزة ليست بروتوكولية أي ليست زيارة من أجل الزيارة، كما صرح أحد قادة "حماس" بقوله: إن الرئيس يمكن أن يزور غزة ويلتقي بقادة "حماس" وتنظيم "فتح" ومن ثم يعود إلى رام الله، بل لا بد وأن يذهب الرئيس ويقيم المدة اللازمة؛ لبلورة اتفاق قادر على إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، مع أهمية تحديد سقف زمني قصير حتى لا ندخل في حوار ماراثوني نعرف بدايته ولا ندري متى نهايته.

كما أن الزيارة لا يجب أن تستهدف إحراج "حماس" أو "فتح" أو الرئيس أو تسجيل نقطة على هذا الطرف أو ذاك، بحيث يتم الرهان على رفضها، أو على جعلها شكلية، أو أن تتم على أمل أن تشهد استقبالا حاشداً يشارك فيه مئات الآلاف ما ينزع الشرعية عن سلطة "حماس".

إن "حماس" بدت في ردها على الزيارة مرتبكة بين من رحب بالزيارة كإسماعيل هنية مع الإصرار على استكمالها الحوار، وبين من شكك فيها ورفضها كمحمد نزال بحجة أن أبو مازن وبطانته أفشلوا مبادرة إسماعيل هنية، وأن المطلوب أولاً الاتفاق على برنامج المقاومة.

إن "حماس" ليست صريحة علناً بالتعبير عن حقيقة موقفها، فهي ترفض ضمنياً ما تعتبره محاولة للعب على خلافاتها الداخلية، خصوصاً ما بين دمشق وغزة، على أساس أن عنوان "حماس" ومقر رئيسها ومكتبها السياسي في دمشق، وعلى من يريد المصالحة فعلا عليه مخاطبة رئيس مكتبها السياسي، لذلك تدعو لعقد لقاء على مستوى القمة أو بين وفدين من "فتح" و"حماس" في القاهرة؛ للتحضير للزيارة، وترغب كما صرح دويك عقب لقائه بالرئيس، أن تتم عبر معبر رفح، بينما يفضل الرئيس أن تكون عبر معبر بيت حانون؛ للتأكيد على الوحدة الجغرافية ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى ضرورة فتح الممر الآمن بينهما.

كما أن "حماس" تريد حكومة وحدة وطنية تشارك فيها شخصيات من "حماس"، وفي الحد الأدنى شخصيات غير فاقعة من "حماس"، أي ليس من الصف الأول.

كما أن "حماس" لا تريد اللجوء إلى الانتخابات بسرعة، وإنما بعد مدة لا تقل عن عام، والأفضل أن تستمر عامين أو أكثر؛ لأنها تعتقد أن الانتخابات تحت الاحتلال وفي ظل الحصار، وعدم إعادة إعمار قطاع غزة، وعدم إتمام صفقة تبادل الأسرى، وعدم الاتفاق على برنامج سياسي وضمان شبكة أمان لحماية نتائج الانتخابات، وعدم توفير أجواء كافية لتأمين حرية ونزاهة الانتخابات، يتم فيها: إطلاق سراح المعتقلين وفتح المؤسسات المغلقة، وإعادة المفصولين إلى وظائفهم، وكف أيدي الأجهزة الأمنية عن "حماس" في الضفة، إضافة إلى أنها تفضل الانتظار حتى يتم اتضاح الصورة في المشهد العربي الجديد بعد الثورات بصورة عامة، والثورة المصرية بصورة خاصة. فـ "حماس" تخشى في ظل الأجواء الراهنة من أن تؤدي الانتخابات على الأرجح إلى خسارتها، أوعدم حصولها على النتائج التي حصلت عليها في الانتخابات السابقة.

وإذا سلمنا جدلا بإمكانية فوز "حماس" في الانتخابات القادمة، فما هو الضمان الذي سيمكنها من الحكم هذه المرة، وعدم العودة إلى إسطوانة المقاطعة والحصار الإسرائيلي والدولي للحكومة التي ستشكلها أو تقودها أو تشارك فيها.

أي أن المطلوب من "حماس" بدون اتفاق شامل أن تخسر أو تخسر، لذا لا تبدو "حماس" متحمسة للمصالحة الآن، وتبدو ميالة للحلول الانتقالية التي تدير الحالة الراهنة، أي تدير الانقسام، انتظاراً لوقت آخر قد يكون ملائماً لها أكثر من الوقت الحالي.

في المقابل، فإن أبو مازن والسلطة في الضفة تبدو في عجلة من أمرها، حيث طرح سلام فياض مبادرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، يتم المحافظة بعد تشكيلها على الوضع القائم كما هو عليه الآن (في محاولة لإغراء "حماس" لقبول المبادرة)، وذلك بعد الاتفاق على نقطة واحدة وهي استمرار التهدئة مع إسرائيل وداخلياً بين الأطراف الفلسطينية المختلفة.

كما طرح أبو مازن مبادرته لتشكيل حكومة مستقلين، لأن مثل هكذا حكومة ستستند إلى برنامج الرئيس، ولن تكون معرضة للحصار والمقاطعة، أما حكومة وحدة وطنية تشارك فيها "حماس" عبر قياداتها الأولى أو عبر شخصيات غير فاقعة؛ فإنها معرضة للحصار أو المقاطعة، أو أن تشكيلها سيؤدي إلى مغامرة غير معروفة العواقب.

كما أن تشكيل حكومة (سواء وفق مبادرة فياض أو مبادرة أبو مازن) من شأنها، وهذا الأمر الأهم، أن تصب في خطة السلطة لإثبات جاهزية الفلسطينيين على كل المستويات لاستحقاق أيلول القادم، بحيث ينزع تشكيل حكومة فلسطينية الذريعة الإسرائيلية، ويضع المجتمع الدولي والإدارة الأميركية أمام ضغط أكبر يجعل من أيلول القادم علامة حاسمة وفاصلة، يمكن أن تشهد ميلاد الدولة الفلسطينية العتيدة.

إن زيارة قطاع غزة، كما كتبنا وقلنا أكثر من مرة، حتى تنجح بحاجة إلى استئناف الحوار الوطني الشامل (وليس الثنائي بين "فتح" و"حماس") في القاهرة؛ لتأكيد ما تم الاتفاق عليه في الحوارات السابقة، والاتفاق على النقاط العالقة، وخصوصاً البرنامج السياسي النضالي المشترك، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية والأجهزة الأمنية، وكيفية الشروع في إعادة تشكيل منظمة التحرير، وموقع ومكانة السلطة في النظام السياسي الفلسطيني، خصوصاً بعد استحقاق أيلول، الذي يجب أن لا تبقى الأمور بعده كما كانت قبله. فعلى الأقل يجب الإعلان بعد أيلول إذا لم تقم الدولة - ولن تقوم إلا بعد تغيير موازين القوى على الأرض، بحيث يتم إنهاء الاحتلال- عن إنهاء المرحلة الانتقالية بكل قيودها والتزاماتها، وتغيير المسار السياسي الذي سارت عليه القيادة الفلسطينية منذ أوسلو وحتى الآن.

لا يمكن تشكيل حكومة بدون برنامج سياسي، حتى لو كانت حكومة مستقلين؛ لأن "حماس" ستكون مسؤولة عنها لأنها ستشكل عبر وفاق وطني، وستحصل على غالبية الثقة من المجلس التشريعي الذي غالبية أعضائه من "حماس".

إن إمكانية الاتفاق على برنامج سياسي أفضل من السابق، وذلك بعد وقف المفاوضات، وبعد الثورات العربية وسقوط نظام حسني مبارك، وبعد الانفتاح الأميركي على حركة الإخوان المسلمين.

يمكن للبرنامج السياسي للحكومة القادمة القفز عن شروط اللجنة الرباعية الدولية، والاكتفاء بالالتزام بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بدون أن تتعرض لمقاطعة دولية شاملة، وهذا أمر يمكن ويجب على "حماس" أن تقبل به، وإذا لم تقبل به تبرهن أنها لا تريد حقًا إنهاء الانقسام.

لا يمكن الذهاب إلى الانتخابات بدون وفاق وطني على الأهداف الأساسية، وأشكال النضال وقواعد العمل السياسي والديمقراطي، وبدون تحديد المسار السياسي، وإذا اتفق الفلسطينيون على كل ذلك ستصبح الانتخابات معركةً نضاليةً لن توافق إسرائيل على إجرائها بسهولة، وإنما ستكون مضطرة للموافقة عليها بعد ضغط دولي حقيقي.

إذاً، القضية ليست في الأساس زيارة إلى غزة أو إلى دمشق أو القاهرة، أو انتخابات أو عدم انتخابات، وإنما توفر الإرادة اللازمة لإنهاء الانقسام وتغيير المسار، وإنما إعادة بناء وتجديد النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته حتى يكون قادراً على مواجهة التحديات والمخاطر وإنجاز الحقوق والأهداف الوطنية.

فإذا توفرت الإرادة يكون هناك طريقٌ سالكٌ لتحقيق الوحدة، وإذا لم تتوفر الإرادة كما هو واضحٌ حتى الآن، فعلى الشعب التحرك الضاغط والمتعاظم؛ حتى يفرض إرادته على الجميع.

 

مشاركة: