الرئيسية » هاني المصري »   14 نيسان 2007

| | |
لقاءات أبو مازن-اولمرت
هاني المصري

 

من المقرر ان يعقد غدا لقاء جديد بين أبو مازن واولمرت، وهو سيكون اللقاء الأول في سلسلة من اللقاءات التي ستعقد كل اسبوعين لمدة شهرين يتم بعدها تقييم الموقف مجدداً.

اجتماع كل اسبوعين، هو النتيجة الوحيدة، التي خرجت بها رايس بعد عامين ونصف من توليها الخارجية الاميركية، وبعد عشر زيارات قامت بها الى المنطقة خلال هذه المدة. فبعد تراجع رايس امام رفض اولمرت إحياء مسار سياسي، اكتفت بعقد اجتماع كل اسبوعين للبحث في القضايا الامنية والحياتية، وذلك حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً، وحتى تدعي انها لم تخرج من جولاتها في المنطقة، بعد أن ملأت الدنيا ضجيجا حول الافق السياسي، خالية الوفاض تماماً.

 

اللافت للنظر، أن الاجواء عشية اللقاء، لا تحمل أية توقعات بحدوث أي نتائج جوهرية. فحتى صائب عريقات، المتحمس الدائم لهذه اللقاءات، والذي كان يقول إن جدول الاعمال في الاجتماعات السابقة مفتوح لمناقشة كافة القضايا، لم يعد يجرؤ على ذلك، فالموقف الاسرائيلي الرافض لاي تفاوض حول القدس واللاجئين والحدود فرض نفسه، واصبح من المكابرة الادعاء عكس ذلك. ولو افترضنا ان جدول الاعمال يتضمن مناقشة قضايا جوهرية، فهذا لن يغير من حقيقة ان اسرائيل لا تريد حلا متفاوضاً عليه وإنما تريد فرض تسويتها دون زيادة او نقصان.

وبصراحة لا اعرف ما الذي يدفع ابو مازن لقبول عقد لقاءات محكوم عليها بالفشل خصوصاً بعد ان كانت حصيلة الاجتماعات السابقة تقارب الصفر. فحتى الرؤساء والقادة في البلدان التي ترتبط بعلاقات طبيعية، ومن دون احتلال، لا يلتقون الا عندما تكون هناك قضايا مهمة، وعندما تتوفر فرصة للخروج بنتائج ملموسة.

وعندما يفكر المرء ملياً بالفائدة التي يمكن ان تعود على الفلسطينيين من عقد لقاءات على مستوى القمة للبحث في مسائل يجب أن تكون متروكة ليس للوزراء وانما لضباط الارتباط. ولكن قبل ان نغوص في الاسباب الفلسطينية للقاءات لا بد من القول إن هذه اللقاءات لا تكمن خطورتها فقط في أنها تعطي اسرائيل الوقت والغطاء اللازمين لاستكمال سياسة فرض الحقائق على الارض (الاستيطان، جدار، مصادرة، عدوان عسكري، تهويد، تقطيع اوصال.. الخ) بل إنها تشيع الاوهام بأن الحل ممكن، وأن احياء مسيرة السلام بات قاب قوسين او ادنى، وتقطع الطريق على الاستعداد لخيارات اخرى، وعلى قيام مبادرات اخرى عربية أو دولية وتجعل ما تريده اسرائيل، حتى لو كانت من دون مبادرة وهي في اضعف حالاتها، اللعبة الوحيدة في المدينة.

لو، (ولو تفتح عمل الشيطان)، أن الحل على الأبواب، ولو أن اللقاءات تحقق نتائج على صعيد الامور المعيشية وتؤدي الى ازالة حواجز وتأمين حرية الحركة للافراد والبضائع، وتؤدي الى فتح المعابر وتحرير الاموال الفلسطينية المحتجزة، واطلاق سراح الاسرى، والكف عن العدوان العسكري بكل اشكاله بما في ذلك الاغتيالات والاعتقالات والاقتحامات والقصف واطلاق النار، لسلّمنا وآمنّا، رغم ان الحقوق ليست تحسين شروط الاحتلال، بأن هناك ما يبررها. ولكن حتى على صعيد الحياة اليومية، لا نتائج تذكر من هذه اللقاءات. هل ارضاء رايس يعلو على أي شيء؟

ولكن لنستمع الى المسؤولين الفلسطينيين وتبريراتهم لعقد هذه اللقاءات.

ان المسؤولين الفلسطينيين الذين يقرون في الكواليس بعدم جدوى هذه اللقاءات، لا يوجد بجعبتهم للدفاع عن هذه اللقاءات، التي يعترفون انها لم تحقق شيئا يذكر حتى الآن، وانها قد لا تحقق شيئاً في المستقبل سوى مسألتين:

المسألة الاولى: اظهار جدارة الجانب الفلسطيني، واثبات انه شريك في عملية السلام خلافاً للادعاءات الاسرائيلية، ما يظهر اسرائيل على حقيقتها بوصفها الطرف المسؤول، الان على الاقل، عن عدم احياء عملية السلام. ويندرج في هذه المسألة، عدم تحمل المسؤولية عمّا هو حاصل وعما يمكن ان يحصل لاحقاً.

المسألة الثانية: قطع الطريق على تداعيات عدم وجود ايحاء بامكانية انطلاق عملية السلام من المزيد من التشدد والعودة الى الانتفاضة والمقاومة، وهذا خيار تعتبر اوساط فلسطينية نافذة أنه ضار تماماً بالفلسطينين.

ومن دون التقليل من اهمية هذه الحيثيات التي تقدم للدفاع عن عقد لقاءات لا طائل منها على مستوى القمة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، الا أن فوائدها لا تقارن باضرارها التي يمكن ان تصل الى اننا سنجد انفسنا بعد عام او عامين امام امر واقع خلقته اسرائيل عبر سياسة فرض الحقائق على الارض، يجعل الحل الاسرائيلي هو الحل العملي الوحيد. وهنا لا معنى لما يردده بعض المسؤولين من ان الحقائق التي يقيمها الاحتلال لا تؤسس حقاً ولا تعطى شرعية ولا تفرض التزاماً، لانها تتم في ظل اجواء توحي بوجود عملية سلام وتظهر الصراع خلافا لحقيقته، وادت كما لاحظنا الى اعطاء بوش وعداً لشارون بأن تأخذ الولايات المتحدة الاميركية هذه الحقائق بالحسبان عند البحث في قضايا الوضع النهائي. وادت الى ان المفاوض الفلسطيني وافق على مبدأ تبادل الاراضي، وضم الكتل الاستيطانية، وتقسيم القدس بين الاحياء العربية واليهودية، والانتقال من قضية اللاجئين وحق العودة الى وضع كافة الخيارات امام اللاجئين ضمن صيغة التوصل الى حل متفق عليه.

تبقى القضية الرئيسية ليس عقد أو عدم عقد اللقاءات او مستواها، وانما في ظل أية رؤية تعقد وضمن اي سياق. فاذا كان هناك تصور فلسطيني بوجود حل في الافق، فهذا يحتاج الى سياسة تناسبه، يمكن ان يكون ضمنها اجراء لقاءات لخلق اجواء ثقة تسمح باستئناف المفاوضات.

واذا كان الواقع يشير، كما ارى، الى أنه لا يوجد حل في الافق، وحتى يوجد مثل هذا الحل، يجب ان نتبع سياسة اخرى تحاول جمع عناصر القوة الفلسطينية والعربية، وان توظف المأزق الاميركي في العراق والمنطقة خصوصا ازاء تراجع النفوذ الاميركي وصعود الدور الايراني لصالح عدم مساعدة ادارة بوش ولا أية ادارة مجانا، من دون التزامها باقامة دولة بحدود 7691، وليس حدوداً متفاوضاً عليها. ان الاكتفاء بالزيارات والمجاملات الاميركية والوعود الاميركية التي لا تنفذ، وارضاء النفس بالحديث الذي تطلقه رايس عن الافق السياسي الذي لم يطبق حتى الان. وحتى لو اصبح هناك افق سياسي فضفاض عام وارضاء النفس قابل لكل التفسيرات لن يساعد على اطلاق مفاوضات قادرة على انهاء الاحتلال، ولن يؤدي الى عملية سلام حقيقية، بل افضل ما يمكن ان يقود اليه، الى مفاوضات تضع مرة اخرى الحمل والذئب، وحدهما او بمشاركة من حليف الذئب، في غرفة ودعوتهما للتفاوض. ماذا ستكون نتيجة مثل هذه المفاوضات؟ ان يأكل الذئب الحمل؟ او ان يجعله تحت تهديد دائم بامكانية ان يأكله؟ وهذا طريق لا يمكن ان يؤدي الى حل مقبول من أكثر الفلسطينيين اعتدالا!

إن معظم الساسة، ان لم اقل كلهم، حتى الرسميين منهم، باتوا يدركون بانه لا يوجد حل على الابواب، ولكنهم لا يريدون ان يعترفوا بهذه الحقيقة خشية تحمل تبعات انه لا يوجد حل على مصالحهم وعلى السلطة والصراع الفلسطيني-الاسرائيلي. الاعتراف بعدم وجود حل على الابواب يفرض اتباع سياسة جديدة والبحث في خيارات اخرى. فهل نجرؤ على ذلك؟

إن المفاوضات وسيلة لايجاد حلول تتناسب مع الحقائق القائمة على الارض، فلا تستطيع المفاوضات ان تلغي الحقائق، والحقائق تقول إن اسرائيل، وخصوصا المؤسستين الامنية والعسكرية، ترفض الحل الذي يقيم دولة فلسطينية على حدود حزيران 7691، وان هذا الرفض مدعوم باجماع اسرائيلي. فالمفاوضات الثنائية في هذه الحالة لن تجدي نفعاً، بل ستؤدي الى أضرار لا حصر لها، فهي تثير الاوهام وهي تضعف المفاوض الفلسطيني، ويمكن ان تضعف من وحدة الفلسطينيين، وتبعدهم عن الخيارات، بما في ذلك عن مبادرة السلام العربية، التي يمكن ان تحقق الحد الادنى من حقوقهم. فالمفاوضات اذا لم تكن تحدد من البداية الهدف النهائي، وما لم يكن هناك حضور دولي فاعل من خلال صيغة المؤتمر الدولي الذي يستند الى قرارات الشرعية الدولية، لكي يحدث التوازن مع التفوق الاسرائيلي، فانها ستخدم اسرائيل وتعزز الاحتلال وتعطيه الشرعية!!

 

مشاركة: