الرئيسية » هاني المصري »   10 شباط 2009

| | |
انتخابات اسرائيلية دون أوهام فلسطينية
هاني المصري

منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى الآن، كانت الرهانات الفلسطينية كبيرة واحيانا كبيرة جدا على كل انتخابات اسرائيلية، فقد كان هناك معسكران في اسرائيل واحد اسمه معسكر السلام والثاني معسكر الحرب.

اليوم تجري الانتخابات الاسرائيلية الثامنة عشرة، وهي أقل انتخابات تستأثر باهتمام الفلسطينيين، وذلك أولا لأن التوقعات في أن تحمل شيئاً جيدا بالنسبة للفلسطينيين منخفضة جدا، إن لم أقل معدومة، وثانيا لأنها تأتي بعد العدوان الاسرائيلي الهمجي الأخير على غزة، والذي شنته حكومة يترأسها ويشارك بها، حزبا كاديما والعمل، المفترض أن فوزهما يشكل الاحتمال الأقل سوءا الذي يمكن أن تخرج به الانتخابات. فاسرائيل الآن أصبحت أكثر من أي وقت مضى، معسكرا واحدا، هو معسكر الحرب.

 

وإذا كان الفلسطينيون بشكل عام لا يعلقون الآمال على نتائج الانتخابات الاسرائيلية إلا أن القيادة الفلسطينية تخشى كثيرا، كما تدل تصريحات الدكتور صائب عريقات وغيره من القيادات الفلسطينية، من أن تتحقق الاستطلاعات الاسرائيلية التي ترجح فوز اليمين واليمين الأكثر تطرفا في هذه الانتخابات، وما يعنيه ذلك من توجيه ضربة قوية، وربما تكون قاضية لما يسمى عملية السلام، هذه العملية التي دارت حول نفسها، خلال الأعوام الماضية، دون أن يكون بنيامين نتنياهو رئيسا للحكومة الاسرائيلية، فهو غير ملتزم بإقامة دولة فلسطينية، ويرفض حق العودة والانسحاب من القدس والغور ومن حدود الجدار والاستيطان، ويريد استكمال حرب غزة الناجحة ــ كما يزعم ــ لتحطيم "حماس" واسقاط حكمها، وسيعطي الأولوية لما يسميه السلام الاقتصادي والأمن.

السبب الكامن وراء مخاوف القيادة الفلسطينية أن فوز نتنياهو سيعيد المفاوضات الى نقطة الصفر، وهي تعتقد واهمة أن المفاوضات قطعت شوطا طويلا يجب استكماله، ويمكن استكماله إذا فازت تسيبي ليفني زعيمة كاديما برئاسة الحكومة القادمة فعندها يمكن مواصلة المفاوضات من النقطة التي وصلت إليها، خصوصا في ظل وجود إدارة اميركية برئاسة باراك اوباما، تتبنى سياسة التغيير، وأعطت منذ تسلم اوباما الحكم إشارات إيجابية على أنها ستعطي قضية الشرق الأوسط الأولوية رغم انشغالاتها الكثيرة.

إن القيادة الفلسطينية تنسى أن ما طرحته حكومة ايهود اولمرت أقل بكثير مما يمكن أن تقبله وان يقبله حتى أكثر الفلسطينيين اعتدالا، وأن ليفني لم تكن متحمسة لما يعرضه اولمرت، كما ان الادارة الأميركية كما تدل الخطوط العامة لسياستها الآخذة في التبلور، ستطرح تغييرا في الأسلوب دون أن تقترب وتغامر بإحداث تغيير في الجوهر خصوصا إذا فاز اليمين الاسرائيلي بزعامة نتنياهو، وإذا استمر الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني، فإن إدارة باراك اوباما تدرك أن تحقيق أي اختراق في المفاوضات بحاجة الى تغيير السياسة الأميركية التي انحازت بشكل مطلق لاسرائيل، وامتنعت عن الصدام مع السياسة الاسرائيلية إلا نادرا وفي مسائل ثانوية. وهي لن تقوم بهذا التغيير وتعرض نفسها لضغوط اللوبي الصهيوني إلا إذا وجدت فرصة كبيرة للنجاح. وهذا غير متوفر حاليا على الأقل.

إن السلام حتى يتحقق بحاجة الى ضغط أميركي قوي على اسرائيل، وهذا لن يحدث إلا عندما يكون هناك أولا وأساسا إرادة أميركية جادة نحو السلام، وثانيا إرادة اسرائيلية، وثالثا: إرادة فلسطينية موحدة تتبنى برنامجا وطنيا واقعيا ديمقراطيا مسلحا بأدوات ضغط تجعله قابلا للتحقيق، برنامجا يحفظ الحقوق والأهداف الفلسطينية ويؤمن بالسلام ويحوز ثقة الشعب الفلسطيني، ولا يسعى للالتزام بالشروط الاسرائيلية التي أصبحت شروطا للجنة الرباعية الدولية، ولا ينسجم مع ما يتردد حاليا، على لسان القيادات الفلسطينية، أن الحكومة الفلسطينية الموحدة القادمة يجب أن تكون قادرة على فك الحصار، أو لا تجلب الحصار، في إشارة ضمنية الى أنها يجب أن تلتزم بالشروط المذكورة سيئة الصيت والسمعة. فالحكومة يجب أن تكون ذات مصداقية فلسطينية أولا، وبعد ذلك تسعى لفك الحصار، والظروف الآن تغيرت، وتسمح بأن تكون الحكومة الفلسطينية القادمة الملتزمة ببرنامج وطني فلسطيني قادرة على فك الحصار.

إن الاستفادة من التجارب السابقة مع اسرائيل تفرض أخذ العبر والدروس التي تبدأ بمعرفة أن اسرائيل غير جاهزة للسلام، وأن البدائل الاسرائيلية المفضلة هي: استمرار الوضع الراهن، إحياء الخيار الأردني والوصاية المصرية، العودة للخطوات الاسرائيلية أحادية الجانب، إقامة "دولة" فلسطينية أو "دولتان" لا تمتلكان من مقومات الدول سوى الاسم. وفي كل البدائل الاسرائيلية تحتفظ اسرائيل بما تريده من أراض فلسطينية بما في ذلك القدس والكتل الاستيطانية وحدود الجدار، وتواصل سياسة التهجير وتصفي قضية اللاجئين.

إذا فاز اليمين واليمين المتطرف في اسرائيل سيفضل خيار استمرار الوضع الراهن، وربما يدفع الأمور باتجاه الخيار الأردني والوصاية المصرية. وربما يسعى نتنياهو لتشكيل حكومة وحدة وطنية، او حكومة يشارك بها حزب العمل حتى يسهل تسويقها أميركيا ودوليا. وإذا فازت ليفني وشكلت حكومة وسط يمين ستفضل إقامة "دولة" فلسطينية أو "دولتين" لا تمتلكان من مقومات الدول سوى الاسم، أو العودة للخطوات الاسرائيلية أحادية الجانب.

تأسيسا على ما تقدم، لا يهم كثيرا من يفوز في الانتخابات الاسرائيلية ما دامت الفروقات بين الأحزاب الاسرائيلية المرشحة للفوز غير جوهرية ولا حاسمة، فلم يعد هناك معسكر للسلام في اسرائيل، لأن اسرائيل لم تستطع فرض "السلام الاسرائيلي" على الفلسطينيين، وهذا أدى الى انحياز الاسرائيليين اكثر وأكثر نحو اليمين واليمين الأكثر تطرفا، والدليل ان الحرب الأخيرة حازت على اجماع في اسرائيل. حتى حزب ميرتس اليساري أيد الحرب رغم ان اسرائيل كانت تستطيع أن تتجنبها. فـ"حماس" كانت تطالب بتمديد التهدئة مع رفع الحصار، ولأن ما يمكن أن يتحقق بعد الحرب الهمجية العنصرية، ضد غزة، من تهدئة ورفع الحصار، كان يمكن تحقيقه قبلها، بدون مجازر رهيبة وتدمير واسع واستشهاد وجرح آلاف الفلسطينيين معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن.

على القيادة الفلسطينية أن تكف عن السير وراء أوهام تحقيق السلام اعتمادا على المفاوضات الثنائية بدون مرجعية واضحة وملزمة، وبدون دور دولي فعال ولا ضمانات دولية، وبدون سقف زمني وآلية تطبيق ملزمة، ودون، وهذا هو الأهم، أن تلتزم المفاوضات بتطبيق القانون الدولي وقرارت الأمم المتحدة.

وحتى يتحقق ذلك يجب طرح برنامج وطني قادر على توحيد الفلسطينيين، برنامج كفاحي، والكف عن الحديث عن شروط اللجنة الرباعية، وعن الالتزام بالاتفاقات التي عقدتها المنظمة مع اسرائيل، لأن اسرائيل لم تعد تلتزم بهذه الاتفاقات، ولا معنى على الاطلاق أن يلتزم بها الفلسطينيون من جانب واحد.

إن الالتزام بالاتفاقات وشروط اللجنة الرباعية من جانب واحد يعني توفير الأمن للاحتلال أولا، وهذا لا يقود لتحقيق دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، ولا يقود لتحقيق السلام، وإنما يساعد اسرائيل، عن قصد أو بدون قصد، على تحقيق أحد البدائل المفضلة لها.

هناك بدائل مفضلة لفلسطين وهي أولا: إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس على حدود 1967، وحل مشكلة اللاجئين وفقا لقرار 194، وثانيا: قيام دولة واحدة على كل فلسطين، ديمقراطية أو ثنائية القومية، وثالثا: تفعيل وتطوير المنظمة وإعادة تشكيلها بحيث تضم الجميع، وإعادة النظر في السلطة وجعلها مرحلة انتقالية وأداة في خدمة المصلحة الوطنية والبرنامج الوطني، ورابعا: طلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1967 وتحقيق وصاية دولية مؤقتة.

يمكن الاستعداد لهذه الخيارات والبدائل، التي تفترض إعادة الاعتبار للمقاومة المثمرة، حتى تعرف اسرائيل أنها ستخسر من استمرار احتلالها أكثر مما تربح، عندها ستصبح اسرائيل جاهزة للسلام المتوازن!!

 

مشاركة: