الرئيسية » هاني المصري »   05 نيسان 2011

| | |
انتخابات بيرزيت والحراك الشعبي
هاني المصري

اكتسبت انتخابات جامعة بيرزيت أهمية خاصة؛ كونها أول جامعة تشهد انتخابات، وتعكس مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.
في هذا العام، وفي ذكرى يوم الأرض، جرت الانتخابات السنوية، وحملت معها مفاجآت وظواهر قديمة وجديدة.
فقد جاءت النتائج مفاجئة أولًا من حيث حجم المشاركة، حيث كانت نسبة المشاركة هذا العام 49.85%، وهي أدنى نسبة شهدتها الانتخابات، حيث شارك في التصويت 3541 من أصل 7434 طالبًا وطالبة، وكانت 255 ورقة لاغية و164 ورقة فارغة بما يشكل نسبة 12% من المصوتين، علمًا بأن الكتلة الإسلامية المحسوبة على حركة حماس والرابطة الإسلامية المحسوبة على حركة الجهاد الإسلامي قاطعتا هذه الانتخابات هذا العام.

 

فقد حصلت حركة الشبيبة على 29 مقعدًا (1784 صوتًا)، والقطب على 10 مقاعد (652 صوتًا)، وقائمة فلسطين للجميع - جبهة النضال- 4 مقاعد( 239 صوتًا)، وقائمة اليسار الموحد- الديمقراطية وحزب الشعب- 4 مقاعد (253 صوتًا)، والمبادرة مقعدين (145 صوتًا)، والتيار القومي مقعدين (133 صوتًا)، بينما لم تصل قائمة فدا إلى نسبة الحسم والبالغة 63 صوتًا للمقعد.

هذا ويذكر أن 1000 طالب من المصوتين كانوا من الطلاب الجدد الذين بلغ عددهم 1400 طالب وطالبة بما نسبته 28% من إجمالي المصوتين.

وبمقارنة نتائج هذا العام بنتائج العام الماضي، نجد تراجعًا واضحًا في حجم الأصوات التي حصلت عليها الشبيبة بواقع أكثر من 400 صوت بدون حساب زيادة عدد الطلاب، فنسبة المشاركة في العام الماضي بلغت 58%، وعدد الأوراق اللاغية 299 والفارغة 196 بما يشكل 12% من نسبة المصوتين. وفي عام 2009 كانت نسبة المشاركة 84.62% بسبب مشاركة الكتلة الإسلامية، حيث شارك 5898 من أصل 6970 طالبًا وطالبة، وكانت الأوراق اللاغية 103 والفارغة 65 بما يشكل 3% من نسبة المصوتين.

وفي عام 2006، وهي السنة التي فازت فيها حماس بانتخابات المجلس التشريعي، فقد كانت نسبة المشاركة حوالي 82%، وقد شارك بالتصويت 4606 من أصل 5684 طالب وطالبة يحق لهم التصويت، فقد حصلت الكتلة الإسلامية على 23 مقعدًا والشبيبة على 18 مقعدًا والقطب على 5 مقاعد والجهاد على مقعدين والمنبر المستقل على مقعدين والديمقراطية على مقعد.

إن نسبة المشاركة الضعيفة هذا العام تعود إلى عدة أسباب، منها: تحول مجلس الطلبة أكثر وأكثر إلى واجهة سياسية لا تلتفت إلى هموم ومطالب الطلاب مهنيًا ونقابيًا وديمقراطيًا، ومجرد انعكاس لحالة الانقسام وما تؤدي إليه من حالة القمع التي تحول دون مشاركة الجميع في الانتخابات، وإلى وجود مجموعة طلابية دعت إلى مقاطعة الانتخابات عبر الفيس بوك وغيره من أشكال الدعاية خارج الجامعة، لأن الدستور المعمول به يحول دون ممارسة الدعاية لمقاطعة الانتخابات، أو المشاركة فيها لأي كتلة جديدة إلا بعد مضي فترة من الزمن، وهذا يمس بحرية الانتخابات.

إن الدعوة للمقاطعة تتعلق بالمطالبة بتغيير الدستور بما يسمح بإيجاد مجلس طلابي تمثيلي حقيقي، يخدم الطلاب ويدافع عنهم، ويلبي حقوقهم ومصالحهم ويمكنهم من المشاركة طوال العام.

في هذا السياق لا تستطيع الكتلة الإسلامية أن تحتفل بالانتصار الذي ادعته، كما فعلت؛ مرجعةً حجم المقاطعة الكبير للانتخابات والأوراق الفارغة واللاغية لصالحها، فهناك نسبة لا تقل عن 15% وتصل أحيانًا إلى 20% تقاطع كل الانتخابات، حتى التي تشارك فيها الكتلة الإسلامية.

كما أن نسبة الأوراق اللاغية والبيضاء كانت موجودة وكبيرة في كل الحالات؛ ما يعكس خاصة لجهة الأوراق البيضاء حالة من الاحتجاج الإيجابي لنسبة لا تقل عن 150 وتصل إلى أكثر من 250 طالب وطالبة، أي بما يمثل مقعدين في مجلس الطلبة على الأقل.

فالمقعد مُثّل هذا العام بـ63 صوتًا، بينما مُثِّل عام 2010 بـ71 صوتًا، وعام 2009 بـ112 صوتًا، وعام 2006 بـ88 صوتًا.

إن الدعوة لمقاطعة الانتخابات هي التي تتحمل تراجع نسبة المشاركة من 58% العام الماضي إلى أقل من 50% هذا العام؛ لأن بيان يعبر عن المجموعة المقاطعة دعا إلى خفض نسبة المشاركة إلى أقل من 50%، حتى يتم نزع الشرعية (وليس القانونية) عن المجلس المنتخب، ودفعه وكل المعنيين للتفكير بتعديل وتطوير الدستور.

كما يبرهن على ما سبق، أن بعض العناصر المحسوبة على حركة الشبيبة صبت جام غضبها، بعد الإعلان عن النتائج، على المعتصمين على دوار المنارة في مدينة رام لله، حيث هاجمتهم على مرأى من أفراد من الشرطة والأجهزة الأمنية والمحافظ، لأنهم يعتقدون أن المعتصمين على علاقة مع هذه المجموعة التي دعت إلى مقاطعة انتخابات جامعة بيرزيت، كما صدر بيان في جامعة بيرزيت يُحمل هذه المجموعة والإدارة المسؤولية عن النتائج.

منذ عشية 15 آذار بدأت مجموعات مختلفة بالدعوة إلى تحرك شعبي تحت شعارات وعناوين مختلفة: منها من ركز على إنهاء الانقسام أو إنهاء الاحتلال، أو إسقاط أوسلو وتغيير المسار السياسي، أو الدعوة إلى إجراء انتخابات للمجلس الوطني، أو إلى إستراتيجية سياسية ونضالية جديدة يتم على أساسها إعادة صياغة وتجديد النظام السياسي الفلسطيني.

صحيح أن 15 أذار لم يكن نقطة تحول كما توقع البعض، ولكنه بداية واعدة، بدليل أن هناك مظاهرات وتحركات عدة جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أن هناك عدة خيم اعتصام نصبت في رام الله وبيت لحم ونابلس وطولكرم والخليل، شهدت إضرابًا عن الطعام، وهي مستمرة رغم التهديدات والمضايقات والاستدعاءات ومحاولات الاحتواء والقمع الساخن في غزة والناعم في الضفة.

إن تفسير نتائج انتخابات جامعة بيرزيت لا يكتمل بدون رؤية العلاقة بينها وبين تداعيات الثورات العربية على فلسطين، من خلال رؤية العلاقة بينها وبين بداية تحرك شبابي وشعبي واعد، يدل على أن مسألة إنهاء الانقسام والدفاع عن المصالح والحقوق الوطنية لم تعد قضية تخص القيادات والفصائل والنخب فقط، وإنما بدأت تحرك قطاعات شعبية متزايدة.

إن كون هذا الحراك ضعيفًا حتى الآن، لا يقلل من أهميته، لأنه آخذ بالتبلور من حيث الوعي والتنظيم، ولأنه بحاجة إلى وقت حتى يصبح تيارًا جارفًا لا يستطيع أحد إيقافه.

أكذوبة الانتخابات تحت الاحتلال، وبدون وفاق وطني

وبما أننا نتحدث عن الانتخابات، لا بد من الانطلاق من أن الانتخابات تحت الاحتلال وفي ظل حالة الانقسام، وبدون إستراتيجية وطنية وسياسية ونضالية مشتركة وبلا وفاق وطني وأسس كافية تضمن الحد الأدنى من الديمقراطية، لا يمكن أن تكون حرة ومعبرة حقًا عن إرادة الشعب الواقع تحت الاحتلال.

فكيف يمكن أن تكون انتخابات بيرزيت وأي انتخابات أخرى حرة ونزيهة، بينما هناك طلاب، كان يمكن أو يكون بعضهم مرشحين فعلًا لعضوية مجلس الطلبة، قيد الاعتقال في سجون الاحتلال.

وبينما هناك طلاب معتقلون أو مهددون بالاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وهنا لا ينفع القول إن الضفة تشهد انتخابات في الجامعات بينما غزة لا تشهد أية انتخابات. فالقمع المطلق لا يبرر أي نوع من القمع، والحرية كل لا يتجزأ، ومن يريد إقامة نظام ديمقراطي عليه أن يعرف أن الديمقراطية غير ممكنة بدون انتخابات، ولكن الانتخابات ممكنة بدون ديمقراطية.

إن الانتخابات جرت في مصر والأردن وسوريا واليمن وتونس والمغرب، ومنذ فترة طويلة، ولكنها لم تؤد إلى الديمقراطية، وإنما إلى أشكال مشوهة من الديمقراطية استخدمها الحكام للتغطية على أنظمة الاستبداد والفساد والتبعبة.

إن الديمقراطية تقوم على تجسيد سيادة القانون على الجميع، ومن خلال إقامة نظام يجسد المساواة والعدالة، وتكافؤ الفرص، والعلنية والمحاسبة، والفصل بين السلطات، بحيث تكون لها صلاحيات حقيقية ومستقلة، وتحقيق مبدأ تداول السلطة، وضمان التعددية السياسية والحزبية بكل أشكالها، وحرية الإعلام والحقوق والحريات للإنسان.

وإذا كانت الانتخابات لا تقود إلى الديمقراطية في بلدان مستقلة، فكيف ستقود إلى الديمقراطية لسلطة تحت الاحتلال، ولشعب يواجه احتلال استعماري إجلائي عنصري استيطاني يدعي أنه صاحب الأرض و"محررها"،، وليس مغتصب لها، ولا يكتفي باستثمار مواردها البشرية والطبيعية، شأنه شأن الاحتلالات الاستعمارية التي شهدها التاريخ الإنساني الحديث.

إن الانتخابات شكل من أشكال ممارسة الحرية، وهي لا يمكن أن تكون حرة تحت الاحتلال، ما دام يمنع حرية الحركة بما فيها الدعاية الانتخابية لمن يريد، ويهدد بالاعتقال، ويعتقل فعلًا كل شخص أو كتلة لا تنبذ العنف والإرهاب، ولا تلتزم بالاتفاقيات الموقعة، رغم ما تتضمنه من تنازلات كبرى، وعدم التزام إسرائيل بها، ووصولها إلى تعميق الاحتلال بدلًا من إنهائه.

إن الانتخابات على كل المستويات المحلية والقطاعية والعامة، لا يمكن أن تحقق الحد الأدنى من الحرية إذا لم تكن جزءًا من الكفاح لإنهاء الاحتلال، وإذا لم تستند إلى شروط ودساتير ديمقراطية حقًا، وإلى وفاق وطني يوفر شبكة أمان تضمن أن يكون تدخل الاحتلال قبل وأثناء وبعد الانتخابات في أدنى حد ممكن.

تأسيسًا على ما سبق، فإن الانتخابات إذا لم تكن على أسس ديمقراطية ووفاق وطني، وجزء من المعركة ضد الاحتلال؛ ليست العصا السحرية لإنهاء الانقسام، والتعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني، وإنما قد تكون الدعوة لها وإجرائها أكذوبة تساعد على تكريس الانقسام وتعميقه ومأسسته بصرف النظر عن النوايا، فجهنم مبلطة بالنوايا الحسنة!!

 

مشاركة: