الرئيسية » هاني المصري »   23 أيار 2006

| | |
لقاء بوش ـ أولمرت هل يفتح طريق المفاوضات مجدداً؟
هاني المصري

 

 

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، بعد لقاء عباس ـ لفني ـ بيريس في شرم الشيخ، وبعد الحديث عن الاستعدادات لعقد لقاء بين عباس وأولمرت بعد عودة الأخير من زيارته لواشنطن، هو: هل ستفتح هذه اللقاءات الطريق أمام استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية أم ستكون مجرد لعب بالوقت لحين توفر الوقت المناسب للرئيس الأميركي لكي يدعم خطة أولمرت لترسيم حدود اسرائيل النهائية؟.

الجانب الفلسطيني، يأمل ويعمل ويراهن، على الأقل على مستوى الرئيس وكل المؤيدين لعملية السلام واتفاق أوسلو وأسلوب المفاوضات لحل الصراع، على استئناف المفاوضات وتركيزها على تطبيق خارطة الطريق الدولية، خصوصاً في مرحلتها الثالثة لأن الأحداث تجاوزت المرحلتين الأولى والثانية، وذلك بعقد مؤتمر دولي من أجل التوصل إلى تسوية دائمة تتناول كافة القضايا الأساسية محل الصراع. ولكنها مراهنة خاسرة سلفاً، رغم كل النوايا الطيبة، ورغم ما يمكن أن ينجم عن اللقاءات الفلسطينية ـ الإسرائيلية من اضعاف لسياسة اللاشريك الإسرائيلية.

 

ويستند الجانب الفلسطيني في مراهنته، إلى أن خارطة الطريق لا تزال هي الخطة المعتمدة رسمياً لدى أطراف اللجنة الرباعية الدولية، كما جاء في اجتماعاتها الأخيرة، كما أنها (أي خارطة الطريق) لا تزال معتمدة عند الحكومة الاسرائيلية بدليل أن أولمرت وأركان حكومته طالبوا أكثر من مرة بتطبيق خارطة الطريق. وتفيد التقارير الأميركية والاسرائيلية أن اولمرت سيطالب أثناء لقائه بوش بتطبيق خارطة الطريق، ويجدد التزام اسرائيل برؤية بوش التي تقوم على معادلة دولتين لشعبين، ولن يعطي الأولوية لأخذ موافقة أميركية على خطة الانطواء الآن، مكتفياً بالتلميحات التي صدرت عن رايس وغيرها من أركان الإدارة، والتي يمكن أن تصدر عن بوش عن استعداد أميركي للبحث عن بدائل إذا لم تستأنف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية.

ينسى المطالبون باستئناف المفاوضات على أساس خارطة الطريق، ان اسرائيل لم توافق يوماً على خارطة الطريق الدولية، وانما على خارطة طريق اسرائيلية تطالب بتنفيذ الالتزامات الفلسطينية أولاً، خصوصاً في مجال محاربة "الارهاب" ونزع سلاحه واعتقال منفذيه وتفكيك بنيته التحتية، وتتجاهل كلياً مسألة تطبيق الالتزامات الإسرائيلية المتعلقة بوقف العدوان العسكري والاستيطان والخطوات أحادية الجانب واطلاق سراح المعتقلين وانهاء القرارات بإغلاق مؤسسات فلسطينية بالقدس على رأسها بيت الشرق، وانسحاب القوات الإسرائيلية الى خطوط ما قبل أيلول العام 0002 رسمياً.

وينسى المطالبون بتطبيق خارطة الطريق، ان الإدارة الأميركية أعلنت وعلناً، بأنها ستأخذ الملاحظات الإسرائيلية على خارطة الطريق بالحسبان عند تطبيقها. وهذا ما حصل فعلاً، وأدى الى موت خارطة الطريق وهي في المهد، وهذا مكن اسرائيل من مواصلة عدوانها العسكري وتكثيف الاستيطان وفصل القدس وعزل المناطق الفلسطينية المحتلة عن القدس وعن بعضها البعض، وبناء قسم كبير من جدار الفصل العنصري، وتطبيق خطة فك الارتباط عن قطاع غزة من جانب واحد، والاستعداد لتطبيق خطة أولمرت.

وينسى المطالبون بتطبيق خارطة الطريق، ورقة الضمانات التي منحها بوش لشارون، والتي أعطت الموافقة الأميركية لعدم الانسحاب من كامل الأراضي المحتلة العام 7691، وعلى ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة لاسرائيل، على أساس أخذ الحقائق الماثلة على الأرض بالحسبان، كما صرح بوش بعظمة لسانه، وكما جاء في ورقة الضمانات الأميركية لاسرائيل. علينا أن نواجه الحقيقة المرة، بكل شجاعة وصراحة، وهي تفيد ان خطة اولمرت هي الآن وستصبح بعد وقت لن يطول اللعبة الوحيدة في المدينة إذا لم نشهد تغييرات ملموسة وايجابية وسريعة في المشهد الفلسطيني الداخلي. هذا المشهد الذي يقدم مجرد استمراره بحالته الراهنة، فضلاً عن تفاقمه أكثر، دعماً لا يمكن تصوره لخطة أولمرت وهنا يجب ألا يتسرع أحد بالاستنتاج عن أن بوش قد لا يعطي الأولوية في لقائه مع أولمرت، لخطة الانطواء، وانما للتصدي للتهديد الإيراني، وهذا سيفتح الطريق لاستئناف المفاوضات على أساس خارطة الطريق وبعيداً عن خطة أولمرت. فكما قال داني أيلون السفير الإسرائيلي في واشنطن ان أولمرت سيؤكد التزام اسرائيل بخارطة الطريق التي تحتاج الى شريك لتنفيذها، وإذا لم يتوفر هذا الشريك، فسنتوجه الى خطة الانطواء، وسيدعمها الأميركيون عندما يحين الوقت، وعندها ستتم عملية تشاور مستمرة بين واشنطن وتل أبيب حولها، كما حصل في فك الارتباط من غزة.

وحتى لا يبدو كلامنا نوعاً من اسقاط الآراء المسبقة أو الرغبات على الواقع، اذكر بالسياسة الإسرائيلية التي أعلنتها حكومة أولمرت، وأكدت فيها أنها لا تعترف بأن السلطة الفلسطينية سلطة برأسين، وانما هي سلطة برأس واحد، وهي سلطة معادية لاسرائيل. وعندما ميزت الحكومة الإسرائيلية بين الرئيس أبو مازن والحكومة الفلسطينية، فهي تفعل ذلك بشكل شخصي عبر تمييز شخص الرئيس الفلسطيني، فكما قال أولمرت عشية لقائه مع بوش، انه يحترم أبو مازن كشخص يعارض الارهاب، ويقر بالمبادئ الأساسية لتفاوض فلسطيني ـ اسرائيلي. ولكن أبو مازن لا يملك سلطة تمكنه الحديث باسم شعبه. ولم يفعل شيئاً في محاربة الارهاب بل انه لا يستطيع وقف العمليات الارهابية بين الفلسطينيين. فكيف إذا سيكون قادراً على تمثيل الحكومة الفلسطينية بالمفاوضات في الوقت الذي يوجد كثير من الانقسامات حولها داخل المجتمع الفلسطيني. فأولمرت يلتقي أبو مازن لارضاء بوش ولذر الرماد في العيون، ولمحاولة الاستفادة من اللقاء لسكب الوقود على نار الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية لا أكثر ولا أقل. حكومة أولمرت واثقة من أن الزيارة ستقود عندما يحين الوقت الى دعم أميركي لخطة الانطواء وترسيم الحدود، وقد تحصل من بوش اثناء لقائه مع اولمرت على موقف أميركي يكرر اعتبار أن أي اخلاء لمزيد من المستوطنات سيلقى ترحيباً من واشنطن، وان احتفاظ اسرائيل ببعض المستوطنات يتفق مع رأي بوش السابق بأن أي اتفاق سلام مستقبلي يجب أن لا ينص بالضرورة على انسحاب اسرائيل من كل الأراضي المحتلة العام 7691. أولمرت سيلتقي أبو مازن ليطرح عليه ضرورة محاربة الارهاب أولاً حتى يعترف به كشريك. كما سيطرح عليه دمج خطة الانطواء مع خارطة الطريق لأن رئيس الحكومة الاسرائيلية لا يرى أي تناقض بين الاثنتين، لأن ما في ذهنه خارطة الطريق الاسرائيلية وليس الدولية.

أبو مازن، لا يستطيع أن يلتزم بمحاربة "الارهاب"، ويحاربه فعلاً، دون أي التزام اسرائيلي مقابل، ودون أي أفق سياسي حقيقي قادر على انهاء الاحتلال. كما لا يستطيع أن يوافق على خطة أولمرت، لأنها تعني عملياً إذا وجدت طريقها للتطبيق، تصفية للقضية الفلسطينية من مختلف أبعادها. ما سبق لا يعني أن أبو مازن سيلتقي أولمرت وهو خالي اليدين، بل هو يمسك في يديه بعدة أوراق اهمها اتفاق التهدئة النافذ فلسطينياً بصورة اجمالية منذ أكثر من عام وسط استعدادات لتمديده، علماً ان الردود الفلسطينية محدودة وغالباً ما تتم رداً على الخروقات الاسرائيلية المستمرة. كما ان أبو مازن مسلح بتفويض فلسطيني جماعي بالتفاوض، وهذا يحدث لأول مرة، منذ توقيع اتفاق أوسلو. فالحكومة الفلسطينية أعلنت انها لا ترفض قيام أبو مازن بالتفاوض شرط الوفاء بما تعهد به بعرض أي اتفاق يتوصل اليه على استفتاء شعبي. وأبو مازن أيضاً مسلح بتأييد عربي وأوروبي وروسي وياباني وهندي ومن الأمم المتحدة لخارطة الطريق الدولية، في وقت تحتاج الإدارة الأميركية لدعم كل هؤلاء. كما أن أبو مازن يستطيع أن يستفيد من الصعوبات المتزايدة لبوش داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، لجهة تراجع الاقتصاد الاميركي وتراجع حاد في شعبية بوش واستمرار تفاقم المأزق الأميركي في العراق وافغانستان وبروز خطر البرنامج النووي الإيراني.

إن الشرط الرئيسي الذي يجعل السياسة الفلسطينية قادرة على الفعل والتأثير، استنادها الى برنامج فلسطيني موحد وحكومة وحدة وطنية أو حكومة تكنوقراط ومستقلين تحظى بشبكة أمان من المجلس التشريعي. وهذا لا يمكن أن يتم إلا بانهاء حالة ازدواجية السلطة وتعدد مصادر القرار.

إن مساحة الخلاف في الساحة الفلسطينية يمكن تقليصها إذا سلمت النيات، وتم تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة، وخصوصاً ان من يدعو للمفاوضات عليه أن يعرف أننا لسنا على أبواب مفاوضات حقيقية قادرة على انهاء الاحتلال وانه سيفاوض في ظل الانقسام الحالي من موقع ضعف وهذا سيؤثر على نتيجة المفاوضات.

ومن يدعو للمقاومة عليه أن يتذكر انه علّق المقاومة الى اشعار آخر، وأصبح المقاومون في غالبيتهم من أنصار عقد هدن قصيرة أو طويلة الأمد لأنهم يدركون أكثر فأكثر صعوبة ان لم نقل استحالة الجمع بين السلطة والمقاومة المسلحة. وعلى أنصار المقاومة أن يدركوا أنها وسيلة وليست غاية، وشأن وطني يهم الجميع ويجب أن يقرر بشأنه الجميع.

وفي نهاية هذا المقال، أحذر مجدداً، ان الفلسطينيين إذا لم يتحركوا لانهاء حالة الانقسام الحالية سيدخلون في دوامة الاقتتال الداخلي وسيساهمون في خسارة وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة تمثيله ووحدة قراره وكيانه الوطني، وفي إعادة القضية الفلسطينية مرة أخرى الى قضية انسانية تتعلق بالخدمات والرواتب والاعاشة، بدلاً من أن تظل قضية شعب محتلة أرضه ويتوق للخلاص من الاحتلال. إن شبح العودة الى مراحل التشرد والوصاية والاحتواء والإنابة يلوح في الأفق ويخيم حالياً فوق سماء فلسطين وهذا يمكن اسرائيل من تحقيق أقصى ما يمكن من أهدافها التوسعية والعنصرية بأسرع وقت وأقل التكاليف!. فهل نتعظ قبل فوات الأوان؟.

 

مشاركة: