الرئيسية » هاني المصري »   23 كانون الأول 2007

| | |
لقاء أبو مازن ـ مشعل: نجاح أم فشل؟
هاني المصري

 

عدم اللقاء بين الرئيس أبو مازن، ورئيس حركة حماس خالد مشعل، طوال جولات الحوار لتشكيل وحدة وطنية، رغم أن اللقاء بينهما أمر طبيعي، ويجب أن يكون دائماً، ورغم الحاجة لعقدهذا اللقاء، والإصرار حتى اللحظة الأخيرة على عدم عقده لحين وصول الحوار الى لحظة اختراق حاسمة، هو الذي أعطى للقاء أهمية خاصة، بل مضاعفة. ولعل هذه الأهمية للقاء، والتوقعات الكبيرة التي رافقته، والخشية من انعكاسات فشله، هي التي فرضت إخراجه بطريقة حاولت أن توحي بأن اللقاء لم يفشل.

فالتأكيد المشترك في المؤتمر الصحافي على رفض الدولة ذات الحدود المؤقتة، وتحريم الاقتتال، واستكمال الحوار والشروع في تفعيل م. ت. ف بعد شهر، مهم جداً، ولكنه لا يخفي أن العقدة الرئيسية التي حالت، منذ البداية وحتى الآن، دون الاتفاق على حكومة الوحدة لا تزال قائمة.

 

فالخلاف لا يزال قائماً، وهو في جوهره خلاف حول البرنامج السياسي، وهو خلاف يتم تجاهله حيناً وتبسيطه كثيراً حيناً آخر، خصوصاً من خلال القول إنه ينحصر في الخلاف حول كلمتين هما: "الالتزام" و"الاحترام". ولا يجب علينا أن ننسى أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي لا يزال قائماً منذ عشرات السنين، لأنه يعاني من الخلاف على حرفين هما أل التعريف في قرار مجلس الأمن رقم 242، حيث يختلف النص الانكليزي عن النص الفرنسي، على الانسحاب عن "أراضٍ" أو الانسحاب من "الأراضي" المحتلة العام 1967.

في هذا السياق، نجد أن "الالتزام" بقرارات الشرعية الفلسطينية والقمم العربية والأمم المتحدة والقانون الأساسي ووثيقة الاستقلال والاتفاقات الموقعة بين اسرائيل والمنظمة شيء بعيد بعد الأرض عن السماء عن "احترام" هذه القرارات والقوانين والاتفاقات. فكلمة احترام تدخلنا في متاهة نعرف كيف دخلنا بها، ولا نعرف كيف نخرج منها.

الخلاف بين الكلمتين يلخص الخلاف بين برنامجين، وإذا وافقت حماس على إدراج كلمة الالتزام، فهي لن تكون بحاجة الى بيعها للفلسطينيين، ولا حتى للعرب وأوروبا، وانما ستبيعها للإدارة الأميركية ولاسرائيل لأنهما وحدهما يمكن أن يعطياها الثمن المناسب لهذه البضاعة الغالية.

إدراج كلمة التزام يعني أن حماس أزالت معارضتها للاعتراف بإسرائيل والاتفاقات الموقعة ومبادرة السلام العربية وقرارات الأمم المتحدة، وهذا إن حدث دون مقابل، سيوجه ضربة قاصمة لها، لأنها ستظهر بمظهر المفرط بالحقوق الفلسطينية وببرنامجه وأيديولوجيته مقابل الاحتفاظ بالسلطة. بل مقابل مشاركتها بالسلطة. فالمطلوب من حماس أن توافق على كل ذلك مقابل مجرد المشاركة بحكومة وحدة وطنية لا تأخذ فيها حماس أياً من الحقائب التي تسمى سيادية بل تكتفي بعشر حقائب من بينها رئاسة الحكومة. وإذا وافقت حماس على ذلك ستسقط سقوطاً مدوياً وبسرعة أكبر من صعودها السريع وغير المتوقع. إن نجاح حماس في الانتخابات التشريعية واختيارها تشكيل حكومة في سلطة مشكلة على مقاس فتح، ويترأسها رئيس من فتح. وتستمد عدداً من أهم مصادر شرعيتها من اتفاق أوسلو والشرعية العربية والدولية، جعلها في وضع مستحيل، فهي مثل الذي بلع منجلاً إذا حاول اخراجه يتعرض للضرر الشديد وربما الموت وإذا حاول إدخاله يلقى المصير نفسه.

كان من المفروض على حماس أن تدرك المأزق الذي وضعت نفسها، والفلسطينيين جميعاً فيه، عندما بالغت ولم تقرأ أسباب وظروف انتصارها كما يجب، ولم تحسن توظيفه على أحسن وجه. وهذا كان يتطلب منها أن لا تشترك ولا تشكل الحكومة ما دامت (ومعها حق) غير مستعدة لتغيير جلدها دون مقابل، بل كان عليها أن تكتفي بلعب دور المعارضة والمراقبة للحكومة من خلال أغلبيتها في المجلس التشريعي.

وبما أن حماس اختارت تشكيل الحكومة بمفردها، دفعت وستدفع ثمن هذا الخيار، فهي بالحكم ولا تستطيع أن تحكم، ووفر موقعها غير المدرك لأهمية العامل الدولي ذرائع لإسرائيل والعالم لفرض حصار وعزلة دولية على الفلسطينيين وساعد على تحميلهم المسؤولية عن عدم التقدم في التسوية غير الموجودة أصلاً. وعلى حماس أن تختار أهون الشرور وهي تتلخص بالشرور التالية:

أولاً: المعاندة والمكابرة، والإصرار على التمسك بالحكومة الحالية، وعلى قيادة أي حكومة قادمة، بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن نصل إليها، وكما تدل وقائع السنة الماضية، والتي لا تحتاج الى تدليل على مدى سوئها وأخطارها على الفلسطينيين جميعاً وقضيتهم. وهذا الخيار صعب لأن فتح لم تأخذ بسياسة اعطاء فرصة لحماس لتحكم، وهذا خطأ ولكنه واقع سياسي يجب أن يؤخذ بالحسبان.

ثانياً: الموافقة على شروط الرباعية والتنازل عن المبادئ والبرنامج من أجل الاحتفاظ بكرسي الحكم، وعندها تستطيع أن تختار هل تبقى في الحكم منفردة أو تشكل حكومة ائتلافية بقيادتها؟.

ثالثاً: اعطاء الضوء الأخضر لتشكيل حكومة كفاءات وطنية لمدة يتفق عليها، وتستطيع حماس أن تؤثر على هذه الحكومة من خلال أغلبيتها البرلمانية، وتسقطها إذا تغيرت الظروف أو إذا اجتازت هذه الحكومة الخطوط الحمراء.

رابعاً: الاستعداد للمشاركة في الانتخابات المبكرة، رغم معارضتها السياسية والقانونية لها.

وإذا أخذت حماس الخيار الأول فهذا سيرفع احتمال الانزلاق الى الاقتتال، لأن الرئيس سيمضي في تنفيذ دعوته لإجراء الانتخابات المبكرة، وستقاوم حماس عبر الحكومة، وبكل ما تملكه من قوة هذا الخيار، ما سيقودنا عن حسن نية أو سوء نية نحو الصدام.

أنصح حماس أن تختار أهون الشرور وهو اللجوء الى الانتخابات المبكرة، رغم ادراكي ان من حقها الذي لا شك فيه أن تحكم. ولكن السياسة هي فن أفضل الممكنات ولا تمضي وفقاً للحق والعدالة وانما لموازين القوى والمتغيرات السياسية المحلية والاقليمية والدولية.

وإذا فازت حماس بالانتخابات المبكرة، وهذا احتمال قائم، فأي انتخابات سيدة نفسها، فعندها سيكون لديها تفويض واضح وصريح، ليس بتشكيل الحكومة التي تراها مناسبة فقط، بل يعطيها دفعة قوية في سيرها نحو قيادة الشعب الفلسطيني وتبوّء موقع القوة المركزية في م. ت. ف، في فترة قياسية.

وإذا افترضنا جدلاً، وهذا أشبه بالمستحيل، ان ابو مازن وفتح تنازلوا وقبلوا بما تطرحه حماس حول تشكيل حكومة بقيادة حماس وعلى أساس وثيقة الأسرى فقط، فمثل هذه الحكومة لن تصمد طويلاً وستسقط بسرعة وتعيدنا الى ما نحن فيه وأسوأ، لأنها لن تحل أياً من المشكلات التي تواجه الفلسطينيين.

طبعاً، هناك خيار يشكل طوق نجاة للفلسطينيين وقضيتهم العادلة، ولكن لا أحد يقترب منه حتى الآن، وهذا الخيار يقوم على اعتماد برنامج وطني واقعي، يتعامل مع الشروط الدولية، بقراءة فلسطينية بحيث يتم رهن الاعتراف بإسرائيل وباعتراف اسرائيلي مقابل بالحقوق الفلسطينية كما حددتها قرارات الأمم المتحدة، ورهن الموافقة والالتزام بالاتفاقات الموقعة بالتزام اسرائيلي مقابل اطلاق عملية سلام جديدة مرجعيتها انهاء الاحتلال، ورهن الموافقة على وقف العنف بوقف اسرائيلي لكل أشكال العنف بما فيها العدوان العسكري والاستيطان والجدار والاعتقالات والحصار والحواجز وفصل القدس وتهويدها وتغيير معالم الأراضي المحتلة العام 1967 على جميع الأصعدة والمستويات.

في المقال القادم سنحاول الاجابة عن سؤال: على ماذا تراهن كل من فتح وحماس؟.

 

مشاركة: