الرئيسية » هاني المصري »   08 أيلول 2009

| | |
لقاء أبو مازن - مشعل ضرورة
هاني المصري

 

توفرت يوم السبت الماضي فرصة نادرة لحدوث لقاء يجمع مابين الرئيس أبو مازن وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، حين تصادف وجودهما معا في القاهرة، لدرجة ان بركات الفرا القائم بأعمال السفارة الفلسطينية بالقاهرة أعلن بأن اللقاء سيتم.

لم يتم اغتنام الفرصة ، لأن أبو مازن لا يريد اللقاء مع مشعل قبل أن يتبلور اتفاق المصالحة بحيث يكون اللقاء تتويجا للحوار ولحظة التوقيع على الاتفاق.

اذا فكرنا بالاسباب التي تمنع أبو مازن من لقاء مشعل ،رغم تدخل وساطات فلسطينية وعربية ودولية ، شارك بها الرئيس السوري ورئيس وزراء تركيا وأمير قطر ورئيس السودان و غيرهم نجد أن الرئيس لا يريد أن يعطي شرعية للانقسام، ولا يريد أن يكون على قدم المساواة مع مشعل،فأبو مازن هو الرئيس وأبو الوليد زعيم فصيل سياسي رغم أنه الفصيل الذي حصل على الاغلبية في انتخابات المجلس التشريعي الاخيرة . كما أن أبو مازن لايريد أن يشارك في هكذا لقاء قبل أن يتأكد أن حماس باتت مستعدة للموافقة على شروط المصالحة التي يطرحها و أهمها اقرار الالتزامات التي عقدتها المنظمة مع اسرائيل.

السبب المضمر والاهم لعدم اتمام اللقاء يتعلق بأن أبو مازن لا يريد لقاء مشعل بدون أن يضمن قبوله بالتزامات المنظمة لانه لا يريد تحقيق مصالحة ترفضها الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل والمجتمع الدولي لان هكذا مصالحة تقيد يديه وقدرته على الحركة و المناورة خصوصا في وقت تشهد المنطقة حراكا سياسيا لبلورة مبادرة دولية تدعمها وتحركها ادارة اوباما ترمي لحل الصراع خلال عامين أو في فترة رئاسة أوباما الاولى كحد أقصى.

أن اللقاء بين الرئيس وزعيم فتح و المنظمة وزعيم حماس بات ضرورة لا تحتمل المزيد من التأجيل ، لان الحوار الوطني الشامل ، والحوار الثنائي بين "فتح"و"حماس" استنفذ أغراضه ووصل الى لحظة الحقيقة ، لحظة اتخاذ القرارات الصعبة لان الوقت ينفذ و الاستحقاق الدستوري لاجراء الانتخابات يقترب. والقرارات الصعبة لا تتخذ من قبل القيادات وانما من الزعماء .

اللقاء يمكن أن يعقد فورا ، او لمجرد توفر بوادر ايجابية حتى لو كانت تسمح بحدوث اقل من الاتفاق الكامل، لان اللقاء يمكن ان يساعد جدا على الاتفاق او التقدم على طريق الاتفاق. ومع وجاهة الحجة التي ترفض لقاء أبو مازن – مشعل خشية من ان فشل اللقاء سينعكس سلبيا على الحوار و احتمالات وفرص المصالحة، الا ان اهمية انهاء الانقسام و استعادة الوحدة يجب ان تعلو على أي شيء اخر ، ولا بد من استنفاذ كل الفرص لانجاح الحوار،ولقاء على مستوى القمة فرصة يجب اغتنامها قبل فوات الاوان.

أن لقاء على مستوى القمة يوضح الى أي حد يريد كل فريق انجاح الحوار، وسيتحمل الطرف الذي لا يبدي مرونة، ولا يتنازل من أجل فلسطين المسؤولية أمام شعبه الذي يريد بغالبيته الساحقة انجاح الحوار

فاذا كانت حركة حماس تمر منذ عدة اشهر بأزمة أشد من سابقتها جراء جملة من الاسباب والعوامل، تبدأ بعدم فتح معبر رفح وتأزم علاقتها مع مصر ، وعدم التوصل الى تهدئة متبادلة مع اسرائيل فما هو قائم تهدئة مجانية من جانب واحد، وعدم اتمام صفقة تبادل الاسرى ،واستمرار الحصار، وبالتالي عدم اعادة الاعمار وما يعنيه ذلك من ضغوط شديدة على حماس ، ولا تنتهي الازمة بعدم الاعتراف العربي و الدولي بحركة حماس رغم مجيء ادارة امريكية جديدة عولت حماس عليها لتغيير الموقف الدولي و الامريكي من"حماس" ، كما ساهم في ازمة "حماس" مجموعة من التطورات هي: تحسن العلاقات السورية مع الرئيس أبو مازن و المنظمة وسط بداية عودة العلاقات الامريكية السورية الى طبيعتها ووسط جهود لاستئناف المفاوضات السورية – الاسرائيلية ،ونتائج انتخابات لبنان التي لم تصب لصالح حزب الله و المعارضة اللبنانية التي تتحالف مع حماس، و الاضطرابات الايرانية بعد الانتخابات والتي في الحد الادنى تشغل الحليف الاقوى لحماس في اموره الداخلية ، واتجاه قطر الحليف الموثوق لحماس لاعطاء اشارات ايجابية لواشنطن وعواصم الاعتدال العربي بدليل ان الدوحة من اول الدول العربية التي التزمت لادارة اوباما بتقديم خطوات تطبيع مع اسرائيل مقابل "تجميدها الاستيطان" .

أن كون"حماس" في أزمة شديدة لا يعني بالضرورة أنها ستسلم بالشروط الموضوعة لها للمصالحة ، فأن توافق حماس على الالتزام (عبر مشاركتها بحكومة تلتزم)بالتزامات المنظمة مع اسرائيل (أي بالاعتراف بأسرائيل ونبذ العنف و التقيد بالاتفاقيات المبرمة) يعني انتحار سياسي لا يمكن ان تقدم عليه ، فحماس لن تغير جلدها وتنتحر كرمال عيون الوحدة ولن تقدم ذلك و لفتح و المنظمة والرئيس وأنما لحكام واشنطن حتى تحصل على المقابل في مستوى هذا التنازل التاريخي.

كما أن كون "حماس" في أزمة شديدة لا يعني أنها سترضخ بل قد يعني أنها ستتطرف ويمكن ان تعود بقوة لاستئناف العمليات الاستشهادية و المقاومة المسلحة على قاعدة شمشون المعروفة "علي وعلى اعدائي يارب".

فعندما علقت حماس المقاومة المسلحة(العمليات الاستشهادية منذ سنوات، واطلاق الصواريخ بعد حرب غزة الاخيرة) فأنما فعلت ذلك للحفاظ على السلطة التي أصبحت طرفا أساسيا فيها،ولتقديم نفسها كطرف مسؤول لتشجيع الاعتراف الامريكي والعربي والدولي و الاسرائيلي بها واعتمادها كلاعب اساسي يمثل او ،يشارك مشاركة لاغنى عنها، بتمثيل الفلسطينيين.

اذا وصلت حماس او دفعت الى الحائط ، ستفكر جديا بأن تلعب مجددا بورقة المقاومة المسلحة، وعندها ستخرب اللعبة كليا، وخصوصا أن عملية السلام تشهد حاليا جهودا كبيرة لاحيائها، مع انها تصطدم أساسا بتعنت الحكومة الاسرائيلية.

ان كون "حماس" في ازمة شديدة يتطلب ابداء المرونة معها ، واعطائها السلم لكي تنزل عن رأس الشجرة العالية التي صعدت اليها، حين تصورت انها يمكن ان تجمع ما بين السلطة و المقاومة المسلحة، او يمكن،يمكن ان تحتفظ بالسلطة في قطاع غزة مقابل تعليقها المقاومة المسلحة،بحيث يشكل القطاع "امارةاسلامية "تكون قاعدة للانطلاق لتحرير الضفة الغربية او بانتظار حدوث تطورات عربية ودولية مناسبة لها.

أن اسرائيل هي التي بذرت بذور الانقسام الفلسطيني وتسعى لاستمراره و تعميقه لانه يقدم لها مزايا ضخمة أهمها الادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني يمكن ان تتفاوض معه وقادر على التوقيع على معاهدة سلام ، ولكنها(أي اسرائيل) على عداء اشد مع حركة حماس لاسباب ايديولوجية و دينية و سياسية ، رغم انها تكن العداء لجميع الفلسطينيين ، وبالتالي تريد اسرائيل للانقسام الفلسطيني أن يستمر،وان توظف تطرف حماس لصالحها، ولكنها تريد أكثر النجاح في تغيير الوعي الفلسطيني ودفع الفلسطينيين جميعا للتخلي عن اهدافهم وعن المقاومة والاستعداد لقبول ما تطرحه عليهم من حلول تصفي القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها.

أن "العفو عند المقدرة" ومطلوب من الرئيس ابو مازن الذي بات قويا الان بعد مجيء ادارة اوباما وعقد مؤتمر فتح السادس ، واستكمال النصاب القانوني للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ،ابداء المرونة"والتنازل" من اجل القضية و الوحدة الوطنية التي بدونها لا يمكن عدم المشاركة بالمفاوضات اذا كانت عبثية او المشاركة بالمفاوضات اذا كانت من موقع قوة شرط ان تكون ذات مرجعية واضحة وملزمة.

ان المطلوب حتى ينجح الحوار موافقة حماس على التخلي عن غزة و المشاركة في حكومة وفاق وطني تنسجم مع الشرعية الدولية ، وموافقة فتح على مشاركة حماس وغيرها من الفصائل و الفعاليات الوطنية مشاركة حقيقية في المنظمة و السلطة، بدون تفرد و لا هيمنة من احد.

ان استئناف المفاوضات في ظل الانقسام والضعف العربي ووجود حكومة متطرفة جدا في اسرائيل ، يمكن ان يقود، اذا لم يبدأ فورا الى اعتماد حل الضفة الغربية أولا، وهذا يعني ان حدث تصفية للقضية الوطنية ولما تبقى يوحد الفلسطينيون ، وسيؤدي في احسن الاحوال الى اقتسام الضفة الغربية مع اسرائيل ،واقامة حكم ذاتي اوسع تحت يافطة دولة ستكون "دولة الامر الواقع" "دولة البقايا".

ان المنطقة تتغير بأستمرار وحبلى بتغيرات ومفاجأت، وحماس المأزومة جدا ليس بالضرورة ان تبقى كذلك، ولم تكن كذلك قبل عدة اشهر، و تحديدا بعد الحرب العدوانية الاسرائيلية الاخيرة حيث كانت حماس اقوى سياسيا وجماهيريا و لكنها لم تستطع ان تحول هذه القوة الى انجازات سياسية داخلية و خارجية.

كما أن أبو مازن القوي الان لن يبقى بالضرورة كذلك، اذا لم تستؤنف المفاوضات او اذا استؤنفت على اساس شروط مهينة، بدون تجميد تام للاستيطان ولا موافقة اسرائيل على حل الدولتين على حدود 1997.

لا بديل عن الوحدة، و المصالحة، والشرعية على أهميتها ليست بأهمية الوحدة ، فلا شرعية لاحد في ظل الانقسام خصوصا اذا تحول الى انفصال دائم. فمصادر الشرعية متعددة في فلسطين الواقعة تحت الاحتلال ، واهمها شرعية حمل البرنامج الوطني و المقاومة و الصمود في وجه الاحتلال .

 

مشاركة: