الرئيسية » هاني المصري »   10 آذار 2007

| | |
لست متطرفاً؛ ولكن...؟!
هاني المصري

 

لست متطرفاً، فأنا بعد سلسلة من التجارب المختلفة أصبحت وطنياً واقعياً ديمقراطياً مؤمناً بحل يقوم على قاعدة دولتين لشعبين، وما يتضمنه ذلك من اعتراف بإسرائيل، شريطة اعترافها بفلسطين، ورغم أن هذا الحل يكاد يتبخر بسبب السياسات الإسرائيلية. وأتمنى من كل قلبي وعقلي أن يجد الصراع حلاً له بالمفاوضات ودون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة، أو تنظيم تظاهرة، ولا ذرف دمعة واحدة أو نزف قطرة دم واحدة من الفلسطينيين أو الإسرائيليين ولكن التمنيات شيء والواقع شيء آخر.

كما أنني رغم عدم إعجابي باتفاق أوسلو، وعارضته بالمحصّلة، ولكنني لم أخوّن من وقّع عليه، ولم أرَه شرّاً كله، بل وجدت أنه حقق، رغم ضرره البالغ، بعض المكاسب منها حفر اسم فلسطين على خارطة العالم الجديد، وأعاد ربع مليون فلسطيني إلى وطنهم، وأضعف مقولة "إسرائيل الكبرى"، وأسقط مقولة "شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب"، وأعتقد أن الفلسطينيين لو أحسنوا العمل، كانوا ولا يزالون، يستطيعون تحصيل اتفاق مختلف وأفضل منه بكثير. فاتفاق أوسلو قام على تقسيم الأرض والشعب وفصل القضايا عن بعضها بعضاً، واعتمد الحلول الانتقالية، وأجل قضايا الصراع الأساسية، دون حتى أن يضمن وقف الاستيطان ومنع خلق الحقائق الإسرائيلية على الأرض. فأوسلو هو المسؤول أكثر من أي شيء آخر، عما وصلنا إليه حتى الآن. ونحن الآن بسببه في نقطة أبعد عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، عما كنا عليه قبل أوسلو.

 

ولست متطرفاً، فأنا لا أعادي اليهود كيهود، رغم كل ما ألحقته الصهيونية باسم اليهود من أذى وأضرار لا توصف بحق شعبي، بل أنظر إلى اليهود كجزء من بني البشر لهم الحق بأن يعيشوا بحرية وكرامة، وأن يتمتعوا بحق تقرير المصير، رغم أنهم أتوا من كل بلاد العالم ليقيموا دولة لهم على حساب أصحابها الأصليين. ولكن ما ذنب الذين ضلّلوا وأتوا، والذين ولدوا في فلسطين، وأقول دائماً إن فلسطين تتسع لليهود وللفلسطينيين إذا تحولت إسرائيل إلى دولة طبيعية لا تقوم على العنصرية والقوة والتوسع والعدوان والهيمنة.

من حق اليهود أن يعيشوا ولكن ليس على حساب الشعب الفلسطيني. فكل ما تعرضوا له على يد النازيين وغيرهم، وجعلهم ضحية، لا يعطيهم الحق بأن يحولوا الفلسطينيين إلى ضحايا منذ أكثر من مائة عام وحتى الآن، والحبل على الجرّار.

أنا موافق على مبادرة السلام العربية التي تقوم على الانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل، ولكن على أساس قبولها مرة واحدة وكما هي، لأن التعامل معها بانتقائية أو كنقطة انطلاق يوصلنا إلى الدولة ذات الحدود المؤقتة وتصفية القضية الفلسطينية بكل أبعادها. وهذا الأمر إن تحقق بالقوة، لا يصنع سلاماً ولا أمناً ولا استقراراً، وإنما هو وصفة مؤكدة للحرب أو للحروب القادمة.

لست متطرفاً، ولكنني إنسان علمي مؤمن بالقانون الطبيعي الذي يقول: "لكل فعل رد فعل مساوٍ له بالمقدار ومعاكس في الاتجاه". وعندما تمارس إسرائيل الاحتلال، وتصادر الأرض الفلسطينية وتهوّدها، وتبني وتوسع الاستيطان، وتقيم جدار الضم والتوسع العنصري، وتهوّد القدس وتفصلها عن بقية الأراضي المحتلة. وعندما تقطع أوصال الأراضي المحتلة وتفصل ما بين الضفة وغزة، وتواصل الاجتياحات والاغتيالات والاعتقالات والحصار والسيطرة على أحواض المياه، والمساس بالمقدسات وتزوير التاريخ، وتسعى لتغيير الوعي الفلسطيني، ليس من المتوقع والطبيعي ولا المطلوب أن يقابلها الفلسطيني بالورود وطلب الرضى واللقاءات والقمم التي لا تؤدي لشيء، ولا في الانشغال في إصلاح السلطة والخلافات الداخلية، وإجراء الانتخابات ومكافحة العنف والإرهاب، كشرط لإنهاء الاحتلال المفروض على الشعب، فإسرائيل لا تعترف بأنها تحتل الأرض، فهي غنمتها في حرب 7691، كما قال وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد. فإذا كان يمكن إقامة سلطة إصلاحية ديمقراطية، وتحولها الى دولة ديمقراطية، وهي تحت الاحتلال، فالسؤال الذي يطرح نفسه، هو: لماذا نتحرر من الاحتلال؟ المطلوب إذاً، المزيد من الاحتلال، حتى يتعمق الإصلاح أكثر، وتتجذر الديمقراطية.. لا حرية ولا إصلاح ولا ديمقراطية تحت الاحتلال. هذه مصطلحات ومفاهيم ومؤسسات فرضت على الفلسطينيين للتمويه على حقيقة الاحتلال، وتلطيفه وإعطائه الشرعية.. فالاحتلال هو الاحتلال، والاحتلال إما أن يرحل بالمفاوضات، وإما يقاوَم حتى يرحل.. عندما نتعامل مع هذا الواقع، بما فيه وجود السلطة، فلا بد أن يكون هذا التعامل بوضعه في سياق تحقيق استراتيجية التحرر الوطني. وليس تكريسه كهدف قائم بحد ذاته.

إزالة الاحتلال هي طريق السلام، وبالمقاومة، التي هي حق طبيعي مكفول في كافة الأديان والشرائع، بما فيها شرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي، يمكن إزالة الاحتلال.. ومن حق الشعب الفلسطيني أن يقاوم بكافة الأشكال، وهو وحده صاحب الحق بتحديد طبيعة وأوزان وأشكال المقاومة التي يستخدمها.. لكن المفترض أن يعتمد الفلسطيني على المقاومة ذات الجدوى، القادرة على تحقيق الأهداف الوطنية، والمتناسبة مع خصائص الصراع وموازين القوى والمعطيات المحلية والاقليمية والدولية، والمقاومة المطلوبة هي المقاومة الشعبية (مقاومة على غرار مقاومة بلعين) تكون مترافقة مع المقاطعة وحشد طاقات الشعب الفلسطيني ككل، لتعزيز الصمود، والتواجد في فلسطين، مع عدم إسقاط حق المقاومة المسلحة، واستخدامها إذا لزم الأمر.. مع عدم الكف عن مد اليد للسلام عبر المفاوضات.. فإنجاز الحقوق عبر المفاوضات أفضل مليون مرّة إذا كان ممكناً..

كل ما سبق، ما هو إلا مقدمة لما أود قوله في هذا المقال.. وهو: ألم نعد نؤمن بالقانون الطبيعي، بأن لكل فعل رد فعل معاكس له بالاتجاه ومساوٍ في المقدار؟.. وإذا كان الجواب بالنفي، فلماذا يكون الرد الفلسطيني على الحفريات تحت وحول المسجد الأقصى باهتاً الى هذا الحد، خصوصاً الموقف الرسمي (شكراً لرائد صلاح)؟ فلماذا هذا الرد الضعيف على اجتياح نابلس والتنكيل بها وبسكانها وبيوتها التاريخية؟ ولماذا السكوت على الاغتيالات في جنين؟ والاعتقالات والمداهمات لمقرات أمنية (أكرّر أمنية) في رام الله؟ ولماذا لم نتحرك لإثارة قضية سياسية وقانونية، رداً على اعتراف وزير البنى التحتية الإسرائيلية ديفيد بن اليعازر بأن الجنود الذين تم قتلهم بعد استسلامهم في حرب 7691 هم فلسطينيون وليسوا مصريين؟ ولماذا الرد على كل هذا التصعيد الإسرائيلي بالمضي قدماً بالاستعدادات لعقد قمة جديدة بين الرئيس أبو مازن وأولمرت، رغم إعلان الناطقة باسم رئيس الحكومة الإسرائيلية بأن البحث في القمة سينحصر في القضايا الإنسانية، خلافاً لما يصرح به صائب عريقات، بأن القمة ستبحث في قضايا سياسية وإنسانية.. وبصرف النظر عمّا ستبحث فيه القمة، فإسرائيل في عهد حكومة أولمرت الضعيفة والفاقدة لإرادة صنع السلام، لن تعطي في القمة ولا بعدها، سوى الفتات، بهدف تلطيف الاحتلال، بينما المطلوب إيجاد أفق سياسي قادر على إنهاء الاحتلال.

والأنكى من كل ما تقدم، وأمرّ، أن التصعيد الإسرائيلي لا يؤدي الى غضب واحتجاج فلسطيني رسمي يصل الى رفض عقد القمة في مثل هذه الأجواء، أو تعليقها حتى تتغير الأجواء، وحتى يتم ضمان خروجها بنتائج ملموسة على الصعيدين السياسي والإنساني، بل تتكثف الجهود الفلسطينية لعقد القمة ومن أجل تثبيت الهدنة في غزة وتوسيعها في الضفة وداخل الخط الأخضر، دون ضمان وقف كامل للعدوان العسكري بكل أشكاله، ودون ضمان وقف الاستيطان الذي هو شكل من أشكال العنف، ودون ضمان وقف عنف الجدار وعنف المساس بالمقدسات، وعنف الحصار وتقطيع الأوصال والاعتقالات. فالهدنة متبادلة أو لا تكون أبداً. وإذا كانت تكون مؤقتة ومشروطة وليس بلا نهاية.

إذا لم يكن هناك رد فلسطيني استراتيجي موحد على الاحتلال وعدوانه واستيطانه وجرائمه لا يمكن منع ردود الفعل الفردية والعفوية والمنطلقة من حسابات فصائلية أو اقليمية.

ومثلما قال صديق لي يوم الخميس الماضي، ونحن عائدون من نابلس بعد حضور اجتماع نظمه منيب المصري رئيس اللجنة الأهلية بمحافظة نابلس لحشد من الدبلوماسيين الأجانب لدى السلطة من أجل نصرة نابلس ورفع الحصار عنها، ان التعنت الإسرائيلي والتطرف والحماقة التي تتصرف وفقاً لها الإدارة الأميركية وتعطيل كل المبادرات العربية والدولية لصنع السلام عن طريق المفاوضات، لن يبقى في فلسطين معتدلا واحدا.. وهذا صحيح، لأن الاعتدال لا يعني الخنوع وانما هو طريق لتحقيق الحقوق سلماً وبأقل الخسائر وأسرع وقت. وإذا كان الاعتدال عاجزاً، فلا مفر من اختيار طريق آخر. طريق قادر على تحقيق الحرية والعودة والاستقلال، وليس بالضرورة ان يكون هذا الطريق متطرفاً ومقامراً وعدمياً. فهذا طريق جرب أيضاً "واللي بِجرب المجرَّب عقله مخرب"!.

مشاركة: