الرئيسية » هاني المصري »   07 تموز 2009

| | |
لجنة الفصائل: شر لا بد منه أم خطر يمكن تفاديه؟
هاني المصري

 

منذ أن انتهى مؤتمر الحوار الوطني الشامل في نهاية آذار الماضي، شرعت حركتا فتح وحماس في حوار ثنائي خارج إطار الحوار الوطني الشامل، وجاء بديلا عن استكماله، ما أضعف التعددية والمساواة والمشاركة، التي توجب مشاركة الجميع لأن قضايا الحوار تمس حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني بأسره.

لقد ارتد الحوار الثنائي عن بعض القضايا الأساسية التي تم الاتفاق حولها في إطار الحوار الوطني الشامل، فقد تم التراجع عن فكرة تشكيل حكومة وفاق وطني انتقالية، التي تم الاتفاق عليها وعلى مهماتها، وتفجر الخلاف حول برنامجها السياسي، بين فريق يريد أن يتضمن الالتزام بالاتفاقيات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل، وفريق يكتفي بالإشارة الى احترام هذه الاتفاقيات.

إن الصعوبات التي حالت دون الاتفاق على تشكيل حكومة وفاق وطني تعكس وجود خلافات جوهرية، ولكنها ليست مستعصية على الحل. فهناك إمكانية للاتفاق على حكومة تستند الى الشرعية الوطنية الفلسطينية والعربية والدولية، ويلتزم برنامجها بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتستعد للالتزام بالاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل، التي تجاوزتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عمليا بصورة كلية، إذا التزمت الحكومة الإسرائيلية الحالية بهذه الاتفاقيات بحيث يكون الالتزام بها تبادليا وليس من طرف واحد.

إن من استمع الى خطاب خالد مشعل الأخير رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يلاحظ مدى التغير في لهجة ومضمون خطاب حماس، وهذا يعكس التقارب الشديد بين برنامجها وبرنامج المنظمة، ما يدل على أن جسر الهوة المتبقية بينهما أمر قابل للتحقيق إذا توفرت الإرادة اللازمة، وتم تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والفئوية والفصائلية والأجندات الخاصة الخاضعة لتأثير العامل الإسرائيلي وللعوامل العربية والإقليمية والدولية أكثر ما تستجيب للمصلحة الفلسطينية.

إن الارتداد عن تشكيل حكومة وفاق وطني، وتركيز الحوار الثنائي على تشكيل لجنة فصائلية (بدون مشاركة الشخصيات الوطنية المستقلة وجميع القوى والأحزاب الأخرى) من شأنه تكريس الانقسام وإعطائه شرعية، وجعله قائما من هنا وحتى إشعار آخر. فاللجنة الفصائلية ليست شرا لا بد منه، وهي خطر يمكن تفاديه.

في نفس السياق يمكن وضع فكرة تشكيل قوة أمنية مشتركة في قطاع غزة. فهذه الفكرة تشكل هي الأخرى ارتدادا عما تم التوافق عليه من ضرورة إعادة تشكيل وتوحيد الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة على أسس مهنية وعلى أساس عقيدة وطنية بحيث تخضع لسيادة القانون بعيدا عن الفصائلية.

إن وجود أمر واقع لا مفر من التعامل معه، لا يعني بالضرورة قبوله أو ترسيخه، وإنما هناك تعامل مع الأمر الواقع باتجاه تغييره. كما أن اللجنة الفصائلية لا تزال فكرة ولم تصبح بعد أمرا واقعا لا مناص من التعامل معه. وإذا سلمنا بتشكيل لجنة فصائلية سنجد أنفسنا بعد ذلك يسرقنا الوقت ونصل الى الموعد الدستوري لإجراء الانتخابات بدون إنهاء الانقسام، ما يعني عمليا تأجيل الانتخابات، فهل سنتعامل مع هذا الأمر كأمر واقع. إن هذا التعامل يفهم السياسة بأنها "فن الممكن" في حين أنها "فن أفضل الممكنات".

وينطبق نفس الأمر على البحث في العودة الى قانون الانتخابات المختلط، والوقوع في مفاصلة حول نسب الدوائر والتمثيل النسبي ونسبة الحسم، ما يعكس أفكارا ضارة تهدف الى تقزيم مشاركة الأحزاب والقوى الأخرى، وإعطاء اهتمام مبالغ فيه للجهوية والمحلية والعائلية والعشائرية بدلا من التركيز على إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية والبرنامج الوطني.

وحتى تكتمل الصورة، لا يمكن التعامل، وكأن ليس بالإمكان أبدع مما كان، وأن الدولة الراعية للحوار والأطراف الأساسية الفلسطينية ممثلة بحركة فتح وحركة حماس اختاروا الأخذ بتشكيل لجنة فصائلية جراء الاختلاف على تشكيل حكومة وفاق وطني.

فاللجنة الفصائلية تقضي على أمل الوحدة، وتقطع الطريق على إمكانية إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وانتخابات المجلس الوطني. وكل ما يقال عن إمكانية إجراء الانتخابات في ظل الانقسام بعد تشكيل اللجنة الفصائلية هراء ومحاولة لذر الرماد في العيون. لقد أجرينا انتخابات عام 2006 ولم تقدم حلا وإنما عمقت الانقسام.

لا يمكن إجراء انتخابات حرة وحقيقية تكون خطوة الى الأمام بدون الاتفاق على عدد من الأمور الجوهرية أبرزها:

أولا: الاتفاق على ركائز المصلحة الوطنية العليا، التي تحدد القضايا المشتركة فوق الفصائلية وتحدد المرجعية المشتركة والأهداف الموحدة، وقواعد اللعبة، التي بدونها لا يمكن الذهاب لإجراء الانتخابات.

ثانيا: لا يجب أن ينسى أحد أننا تحت الاحتلال، وأننا بحاجة للوحدة والاتفاق على القواسم المشتركة حتى نتنافس في إطارها، لأن التنافس بدون مرجعية واحدة يؤدي الى دفع الصراع الى ذروة لا يمكن بعدها السيطرة عليه. وحقيقة أننا تحت الاحتلال تفرض علينا ضرورة التوافق الوطني على تشكيل حكومة وفاق وطني أو وحدة وطنية خلال الفترة الانتقالية، قبل وبعد الانتخابات. فلا يمكن أن نسمح لأنفسنا بالتنافس حتى أقصاه ونحن تحت الاحتلال.

فإذا كان لبنان الدولة المستقلة يعطي الأولوية لتشكيل حكومة وحدة وطنية، فالأولى بالفلسطينيين أن يتمسكوا بالوحدة على أن تكون التعددية والمنافسة والتنوع في إطار الوحدة.

ثالثا: إن من أهم المسائل التي يجب الاتفاق عليها هي الاستراتيجية القادرة على تحقيق الأهداف الوطنية، لجهة استخدام أشكال النضال السياسي والكفاحي المناسبة. فلا يمكن بدون الاتفاق على أشكال المقاومة وأسس ومرجعية المفاوضات أن نذهب الى إجراء الانتخابات. فمن يريد أن يقاوم سيقاوم ومن يريد أن يفاوض سيفاوض بحيث يضيع كل منهما ما يفعله الآخر.

رابعا: إن الانتخابات سيدة نفسها، ويجب أن تكون حرة ونزيهة ويجب احترام نتائجها مهما يكن الفائز فيها.

فهل يمكن إجراء انتخابات في ظل الانقسام ووجود سلطة تشرف على الانتخابات في الضفة مختلفة عن السلطة التي ستشرف عليها في القطاع. ماذا إذا فازت حماس بالأغلبية مرة أخرى؟

كيف يمكن إجراء الانتخابات في ظل استمرار حملات التحريض والاعتقال والتعذيب والإقامة الجبرية وإغلاق المؤسسات وإصدار القرارات والمراسيم الذي يحاول كل طرف أن يصفي الطرف الآخر في منطقة سيطرته.

 

 

مشاركة: