الرئيسية » هاني المصري »   17 آذار 2007

| | |
أهلاً بحكومة الوحدة الوطنية
هاني المصري

رغم الملاحظات الجوهرية على عدم وضوح البرنامج السياسي للحكومة الحادية عشرة، وعلى الثنائية والمحاصصة التي حكمت تشكيلها، أقول وبالفم الملآن: أهلاً بحكومة الوحدة الوطنية، لأنها خطوة إيجابية ويمكن أن تكون بداية صفحة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

فبعد أكثر من عام على الانتخابات التشريعية، وحوالي عام على تشكيل الحكومة العاشرة، وبعد التدهور الذي شهدناه في مكانة القضية الفلسطينية وفي كافة مجالات الحياة السياسية والأمنية والتعليمية والصحية والاقتصادية، ستحظى اليوم السبت، أول حكومة وحدة وطنية، تشكل منذ تأسيس السلطة، على الثقة من أغلبية تكاد تصل إلى الإجماع من أعضاء المجلس التشريعي. هذا مع ملاحظة أن الحكومة ستنال ثقة النواب المعتقلين أيضاً، ولكن لا يحق لهم التصويت وهم وراء القضبان، ولكنهم مع هذه الحكومة قلباً وقالباً، وهم ساهموا بميلادها حيث كانت وثيقة الأسرى شرارة الانطلاقة لتشكيل الحكومة، وشكلت القاعدة لبرنامجها السياسي.

 

يكفي لتفسير لماذا تحصل هذه الحكومة على الدعم والتأييد والترحيب من غالبية ساحقة من الفلسطينيين، أنها أوقفت نزيف الاقتتال والاندفاع نحو الحرب الأهلية، وأنها تشكل بداية اعتراف متبادل من "فتح" و"حماس" باستحالة الاستئثار والانفراد بالحكومة بعد الخارطة السياسية الجديدة التي أوجدتها الانتخابات التشريعية السابقة. وهذا أمر مهم، ويمكن أن يفتح صفحة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني ونظامه السياسي، تقوم على تعميق التعددية والمشاركة وترسيخ أسس الديمقراطية. ويمكن أن تكون الحكومة الحادية عشرة مجرد هدنة واستراحة محارب، يتعمق فيها الصراع التناحري والثنائية والمحاصصة.

إن الخلل المرافق لتشكيل هذه الحكومة ويمكن أن يحكم عليها بالفشل، أنها لم لم تولد من رحم القناعة المشتركة بضرورة الوحدة والعمل على أساس برنامج وطني واقعي ديمقراطي، وإنما كان الفشل في حسم الصراع الداخلي هو الولاّدة التي أخرجتها إلى الحياة. فالفشل في حسم ازدواجية السلطة سلماً من خلال حكومة طوارئ أو انتخابات مبكرة أو استفتاء أو حكومة وحدة وطنية تشكل غداة الانتخابات السابقة، أو حرباً من خلال الاستقطاب الحاد والتحريض المتبادل والاقتتال وشعور المتحاربين بالخسارة وعدم القدرة على الانتصار من أي طرف في ظل توازن القوى بين حركتي فتح وحماس، هو الذي مكّن من التوصل إلى تشكيل هذه الحكومة.

الشاهد الأكبر على ما تقدم، أن خطاب التكليف حمّال أوجه ويشكل نوعاً من محاولة الجمع والتعايش بين برنامجين مختلفين، ولا توجد إرادة كافية لدى أصحابهما بمراجعتهما مراجعة عميقة جريئة. عنوان البرنامج الأول "الالتزام بشروط اللجنة الرباعية" والمراهنة على المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع. وعنوان البرنامج الثاني "احترام الاتفاقات الموقعة والشرعية الدولية"، والمراهنة على إقامة دولة فلسطينية مقابل هدنة اعتماداً على المجهول، على التطورات المحتملة التي يمكن أن تشهدها المنطقة والعالم، وعلى التهديد مجرد التهديد بالمقاومة.

التعايش بين البرنامجين الذي ظهر في "اتفاق مكة"، ويظهر اليوم في برنامج الحكومة مهم جداً، لحقن الدماء، ولكنه لا يحل الخلافات بينهما، ولا يوفر الأرضية اللازمة لعمل الحكومة بشكل منسجم وقادر على تحقيق الآمال الكبيرة التي يعلقها المواطن عليها. فايقاف الاقتتال مهم، ولكنه إنجاز سلبي. المواطن يريد إنجازات فيما يتعلق بحياته ومواجهة همومه الوطنية واليومية وبما يحقق أمنه وتعليمه وصحته وثقافته، وفيما يتعلق بوضعه الاقتصادي ومواجهة الفقر والبطالة، وإطلاق سراح الأسرى، والتقدم على طريق إنهاء الاحتلال قبل أن تستكمل إسرائيل مخططاتها الرامية لضم واستيطان وتهويد أكبر مساحة ممكنة من الأراضي المحتلة العام 7691.

المدقق في مسوّدة برنامج الحكومة، يرى أنها لا تتضمن أية إشارة لإقامة الدولة الفلسطينية، وإنما تكتفي بالحديث عن إنهاء الاحتلال وعن تقرير المصير، ولا تذكر ولا بأي مكان أن الهدف الفلسطيني الناظم للفلسطينيين في هذه المرحلة هو إقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي المحتلة العام 7691. إن ترك هذا الأمر غامضاً يستفيد منه الاحتلال لأنه يستخدمه كذريعة لتحريض العالم على مقاطعة الحكومة، ويُضعف من القدرة الفلسطينية على توظيف الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية التي تطالب بإقامة هذه الدولة إضافة إلى بقية الحقوق الفلسطينية. لا يمكن حسم الغموض في البرنامج، بالقول كما نقل يوسي بيلين عن الرئيس أبو مازن، إن الخطاب الذي سيلقيه الرئيس في جلسة الثقة بالحكومة، سيكون هو برنامج الحكومة. إذا كان الأمر كذلك فما قيمة البرنامج الذي سيتلوه رئيس الحكومة أمام التشريعي، وستنال الحكومة الثقة على أساسه؟

تأسيساً على ما تقدم، فإن التحدي الأساسي أمام الحكومة يتمثل في قدرتها على بلورة برنامج واحد يقود إلى ممارسة سياسية منسجمة، بحيث لا نجد أنفسنا أمام رئيس ومن معه من وزراء في واد، ورئيس الحكومة ومن معه من وزراء في واد آخر. وأمام الحكومة فرصة نادرة - تتمثل في قمة الرياض، حيث تستطيع أن توافق وتتسلح بمبادرة السلام العربية كجزء من تبني الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية، التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والالتزام بالاتفاقات السابقة، ولكنها تتضمن أيضاً اعتراف إسرائيل بشروط مقابلة على رأسها اعترافها بالحقوق الفلسطينية المكرّسة في هذه الشرعيات، وهذا أمر يختلف جوهرياً عن الالتزام بشروط الرباعية، كما هي بلا مقابل من إسرائيل.

التحدي الثاني الذي يواجه الحكومة الحادية عشرة، هو تحدي الاحتلال وهل ستمكن حكومة أولمرت هذه الحكومة من العمل، أم ستعمل كل ما من شأنه أن يخرّب عليها؟ الردود الإسرائيلية على اتفاق مكة وعلى تشكيل الحكومة تدل على أن حكومة أولمرت ستقاطع الحكومة الجديدة. ولكن مدى المقاطعة يتوقف على قدرة هذه الحكومة على إطلاق سراح جلعاد شاليت، ووقف تهريب السلاح من مصر الى غزة، وتثبيت التهدئة في غزة، وتوسيعها الى الضفة وداخل الخط الأخضر.. وهذه أمور صعبة وتحقيقها ليس بيد الحكومة وحدها.. فالحكومة بحاجة الى موافقة كافة الفصائل والأجنحة العسكرية التي رفض بعضها، خصوصاً الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي، البحث في تثبيت التهدئة وتوسيعها قبل وقف العدوان العسكري الاسرائيلي، بكل أشكاله.. وهذا يعني أن الأمر كله بيد الحكومة الإسرائيلية، فهي بمقدورها أن تعطي الضوء الأخضر لإتمام صفقة تبادل الأسرى، وهي بمقدورها أن توقف العدوان العسكري والاغتيالات والاقتحامات والاعتقالات.. ولكنها لا تريد تحت ضغط وزراء منها، وضغط من المؤسسة الأمنية والعسكرية، التي تريد أن تحتفظ بالخيار العسكري، كونها تستعد للحرب المقبلة، التي يمكن أن يكون ميدانها في غزة، لأن الجيش الاسرائيلي بحاجة الى استعادة هيبته المفقودة بعد الحرب اللبنانية والعجز عن وقف المقاومة الفلسطينية، خصوصاً إطلاق الصواريخ من غزة على جنوب إسرائيل.

وعندما نتحدث عن الاحتلال، يجب ألاّ يفوتنا أن ثلث الإيرادات التي تحصل عليها السلطة تحتجزه إسرائيل منذ عام، وليس من المرجح الإفراج عنه.. كما أن حرية تنقل الأفراد والبضائع داخل الأراضي المحتلة وبين الضفة وغزة، وبينهما والخارج، كلها أمور يتحكم بها الاحتلال.. والاحتلال غير راضٍ عن حكومة الوحدة الوطنية، لأنها تحرج وتربك السياسة الإسرائيلية، التي تقوم على تقسيم الفلسطينيين بين معتدلين يتم الاجتماع معهم، وربما التفاوض معهم دون إعطائهم شيئاً، وبين متطرفين تتم محاربتهم، ووضع هذه الحرب كجزء من الحرب العالمية ضد الإرهاب.

التحدي الثالث الذي يواجه الحكومة الحادية عشرة، هو قدرتها على فك الحصار الدولي المالي والسياسي، وهذا أمر مهم تحقيقه حتى تستطيع الوفاء بالحد الأدنى من الخدمات والاحتياجات للمواطن والموظف والوزارات والأجهزة الأمنية.. وفي ظل المقاطعة الإسرائيلية المعلنة، والمقاطعة الأميركية المحتملة، ستكون هذه الحكومة أقدر من سابقتها، وستُحدِث اختراقات في الحصار، ولكنها لن تستطيع إزالته كلياً.. وهنا سيتضح مدى قدرة الحكومة على العمل والبقاء، عند معرفة إلى أي اتجاه سيحسم الاتحاد الأوروبي موقفه، وهل سيتعامل مباشرة مع الحكومة أم لا، أم يتعامل مع جزء منها ويرفض الجزء الآخر؟

ويوجد عامل آخر إذا استطاعت الحكومة توظيفه بالحد الأقصى، تستطيع تحمل الحصار الأميركي - الإسرائيلي، وهو الحصول على دعم سياسي ومالي عربي وإسلامي، يغطي النقص في موازنة الحكومة لهذا العام على الأقل.. دون ذلك، لا أعرف كيف ستعمل وتعمر هذه الحكومة، وكيف ستواجه الفقر والبطالة والحصار وتطور التعليم والصحة، وتحمي الثقافة والتراث، وتضمن حرية الإعلام والمساواة بين المواطنين، ومكافحة الجريمة..

التحدي الرابع والأخير؛ هو كيف ستعمل هذه الحكومة على صعيد مواجهة حالة الفوضى والفلتان الأمني، والشراكة في السلطة والمنظمة، وبين أوساط الشعب.. إن ما ورد في مسودة برنامج الحكومة عن "التخفيف من ظلال الحزبية" في الأجهزة الأمنية، وما تم على صعيد توسيع لجنة الشراكة من ثنائية الى خماسية بضم الجبهتين الشعبية والديمقراطية والجهاد الى "فتح" و"حماس" مقلق جداً.. فالتغلب على اعتراض الفصائل على المحاصصة يكون بضم المزيد منها وليس إلغاءها، وإشراك الشعب كله عن طريق وضع معايير عليه، وخلق مؤسسات تعمل للجميع وبمشاركتهم.

إن اتفاق مكة لا يتضمن تشكيل حكومة فقط، وإنما إصلاح وتفعيل منظمة التحرير، وتحقيق شراكة كاملة، ودون أن تقبض "حماس" ثمناً، للكف عن انفرادها بالحكومة، في حصة محترمة في المنظمة والمحافظين والأجهزة الأمنية و.. الخ، لن تعمر هذه الحكومة طويلاً، وإصلاح المنظمة أمر شائك وبحاجة الى قرار عربي وإقليمي ودولي.. فإصلاح المنظمة بحاجة الى انتخابات للمجلس الوطني المقبل.. والانتخابات ممنوعة في بعض أماكن التجمعات الفلسطينية الرئيسية، مثل الأردن.. وهذا يعني إما سحب نتائج المجلس التشريعي السابق على المجلس الوطني المقبل.. وهذا أمر صعب جداً.. لأن انتخابات واحدة لا تعكس المزاج الشعبي الفلسطيني العام..و عدم إجراء الانتخابات يمكن أن يؤدي الى محاصصة ثنائية أو فصائلية، وهذا يعزل الشعب والمجتمع ويحولهما الى شيء ثانوي تابع للفصائل التي لا تمثل كل الشعب.

إن الحكومة الحادية عشرة، تستطيع أن تعمر وتقلع إذا بلورت برنامجاً وطنياً واقعياً ديمقراطياً، واعتمدت المشاركة والتعددية والمأسسة.. دون ذلك، ستكون حكومة هشّة يمكن أن تسقط سريعاً أمام أي اختبار جدي، أو تبقى تحكم وهي هشّة، حتى نهاية فترة المجلس التشريعي، نظراً لعدم وجود بدائل أخرى.. وفي هذه الحالة نكون أمام حكومتين.

في حكومة، وأمام محاصصة في كل شيء، بما في ذلك استمرار حالة الأجهزة الأمنية التابعة لـ"فتح" والقوة التنفيذية التابعة لـ "حماس"، في حين ان الأجهزة الأمنية يجب أن تكون تابعة للوطن، بعيداً عن الحزبية والفصائل..

وبالتأكيد مصير الحكومة سيتوقف الى حد كبير، على مستقبل التسوية ومحاولات إحياء المفاوضات التي لا تبشر بالخير، في ظل حكومة أولمرت وإدارة بوش، وعلى مستقبل الوجود الأميركي في العراق، وما سيحدث في الملف النووي الإيراني.

 

مشاركة: