الرئيسية » هاني المصري »   02 آب 2008

| | |
اولمرت يستعد للاعتزال: لا بديل عن إستراتيجية فلسطينية جديدة..
هاني المصري

رغم موقف السلطة الفلسطينية الرسمي بان عزم أيهود أولمرت على اعتزال الحياة السياسية أمر داخلي إسرائيلي، وان السلطة تتعامل مع الحكومة الإسرائيلية أيا ما كانت، فهذا موقف بروتوكولي وليس سياسياً، أما إذا وضعناه في التحليل السياسي فلم يكن ينقص المفاوضات سوى إعلان أولمرت، لأنه يعني بان حكومة إسرائيلية سيشكلها من يفوز في الانتخابات التي يجريها حزب كاديما لخلافة اولمرت أو أن الزعيم الجديد لن يستطيع تشكيل الحكومة، وإسرائيل ستذهب إلى انتخابات مبكرة.

في كل الأحوال هذا التطور يعني ضياع عدة أشهر ثمينة تتراوح ما بين شهرين إلى خمسة أشهر، وهي الفترة المتبقية حتى نهاية العام، ونهاية فترة رئاسة بوش الثانية، أي أن وعد بوش بالتوصل إلى معاهدة سلام أو إقامة دولة فلسطينية قبل رحيله لن يتحقق ليضاف فشل جديد في سجل بوش المليء بالإخفاقات والخسائر المتنوعة.

 

رحيل أولمرت المتوقع يشكل ضربة جديدة لما يسمى عملية سلام، لأنه كان متحمساً جداً للتوصل إلى شيء لكي يساعده على البقاء في سدة الحكم بعد هزيمة إسرائيل في حرب تموز 2006، وبعد الفضائح المتلاحقة التي أصبحت تحيط باولمرت من كل جانب. أي رئيس حكومة جديدة خصوصاً أنه سيستلم مقاليد الحكم، وحكومته تمر في فترة انتقالية، لن يكون متحمساً ولا راغباً ولا قادراً على اتخاذ قرارات مصيرية جوهرية، هذا إذا ترأس الحكومة زعيم كاديما الجديد، أما إذا جرت انتخابات مبكرة فاليمين بزعامة بنيامين نتينياهو هو المرشح الأقوى للفوز فيها، وهذا يشكل ضربة قوية، وربما تكون قاصمة لما يسمى عملية السلام.

حتى بدون إعلان أولمرت، فان المفاوضات لم تحرز تقدما حاسماً، ودارت حول نفسها بدون مرجعية واضحة وملزمة، ولم يكن من المحتمل أن تصل إلى نتيجة حاسمة حتى لو ظل أولمرت في الحكم، ولم يكن من المحتمل أن تؤدي إلى اتفاق سلام قادر على إنهاء الاحتلال، وإنهاء الصراع على أسس تحقق الحد الأدنى من الحقوق والمصالح الفلسطينية المكرسة في القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

ولكن في ظل حكومة أولمرت كان هناك وهم يسمى عملية سلام. وكان هناك وعد بوش بأن هذه العملية ستحقق السلام وإقامة الدولة قبل نهاية هذا العام، وهذا الوهم تلقى ضربة كبيرة باعتزام أولمرت الرحيل.

إن الحقائق الساطعة والعارية، التي لا تريد أن تراها القيادة الفلسطينية، أو تراها وتفضل إشاحة وجهها عنها، تشير إلى عدم توفر شريك إسرائيلي للسلام، وان إسرائيل غير جاهزة للسلام، سواء عندما كانت تحت حكم شمعون بيريس) الزعيم الزائف لمعسكر السلام) أو في عهود نتنياهو وباراك وشارون واو لمرت، أو إذا أصبحت تحت حكم تسيبي ليفني أو شاؤول موفاز أو نتنياهو أو باراك لأن هؤلاء هم الزعامات المرشحة لتولي مقعد رئاسة الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة القادمة.

فأية قراءة في برامج هؤلاء القادة والأحزاب التي يترأسونها تظهر أن إسرائيل باتت أكثر يمينية وتطرفاً وعنصرية وعدوانية، وان الاتجاه المركزي الغالب فيها يتمحور على لاءات إسرائيلية تفرض على أي عرض إسرائيلي للسلام أن يكون بحيث لا يمكن أن يقبله أكثر الفلسطينيين اعتدالا. لذا لو استمرت المفاوضات في ظل هذه الظروف والحقائق وموازين القوى مائة عام أخرى لن تودي سوى إلى استمرار الوضع الراهن أو أسوأ منه أو فرض الاستسلام على الفلسطينيين، وهذا لا ينهي الصراع وإنما يضيف له وقوداً جديداً يزيده اشتعالا.

إن المعضلة الكبرى لا تكمن طبعاً في المفاوضات بحد ذاتها، لان المفاوضات أسلوب سياسي قد يكون احد الأساليب النضالية الضرورية لتحقيق الأهداف الوطنية، إنما تكمن أولا: في أن المفاوضات تسير بدون أن تتسلح بأنياب وأوراق ضغط وقوة، وبدون أن تخضع لإستراتيجية قادرة على توحيد الفلسطينيين، وقادرة على تغيير الواقع من خلال إيجاد وقائع جديدة على الأرض تفرض نفسها شيئاً فشيئاً على طاولة المفاوضات.

وثانياً في أن المفاوضات تجري على قدم وساق في الوقت الذي تواصل إسرائيل فيه، وبمعدلات أكبر من السابق، العدوان والاستيطان والجدران والاعتقالات وعزل القدس والأغوار والحصار الخانق على قطاع غزة، أي أنها تستخدم المفاوضات للتغطية على سياسة فرض الحقائق على الأرض التي تجعل الحل الإسرائيلي أكثر وأكثر هو الحل الوحيد المطروح والممكن عملياً.

وطبعاً لا يمكن أن نسقط الموقف الأميركي من الحساب، فإدارة بوش أكثر إدارة تطرفاً في دعم إسرائيل حتى في مواقفها التوسعية والعنصرية، وهي سعت ومن الممكن أن تواصل السعي حتى بعد رحيل أولمرت لتحقيق إنجاز ينهي به بوش فترة رئاسته، ولكي يدحض الاتهامات التي وجهت لإدارته بان كل الجهود والزيارات والجولات واللقاءات الأميركية-الإسرائيلية-الفلسطينية كانت مضيعة للوقت وذهبت سدى وأدت إلى صعود حماس ومحور الصمود والممانعة في المنطقة. لذا لا يمكن إسقاط من الحساب استمرار سعي إدارة بوش لتحقيق اتفاق شامل، وإذا تعذر ذلك، يمكن أن تحاول التوصل إلى وثيقة تكون أشبه بمحضر اجتماع يتضمن 'التقدم' الذي أحرزته المفاوضات حتى الآن والنقاط التي لا تزال محل خلاف، حتى توحي بأنها حققت تقدما، وحتى تكون هذه الوثيقة الجسر الذي يربط ما بين الإدارة الأميركية الحالية والإدارة الأميركية القادمة، ولمنع نشوء فشل وفراغ تستفيد منه العناصر والقوى والدول المناهضة للتسوية الأميركية الجاري العمل من اجل فرضها على المنطقة.

إن صعوبة التوصل إلى اتفاق، التي تكاد تصل إلى حد الاستحالة، دفعت أو ستدفع إدارة بوش لطرح مسألة الاتفاق الشامل كمناورة وورقة ضغط وتهديد على الجانب الفلسطيني حتى تدفعه لقبول وثيقة تحدد أين وصلت المفاوضات، وبحجة أنها لا تعكس اتفاقاً شاملاً ملزماً ولا تتضمن تنازلات جوهرية، وأنها أفضل أو اقل سوءاً من توقيع اتفاق لا يلبي الحد الأدنى من مطالب وحقوق الفلسطينيين.

إن التذرع بان المفاوضات لم تؤد لتنازل القيادة الفلسطينية عن المطالب الفلسطينية، وان إيقافها لن يؤدي إلى وقف العدوان والاستيطان ومجمل فرض الحقائق على الأرض، لم يعد يقنع لان مكانة القضية الفلسطينية في تدهور مستمر على كل المستويات والأصعدة، وهذا يعود أولا وأساسا إلى إتباع إستراتيجية الاعتراف بإسرائيل من جانب واحد واللجوء إلى المطالبات والتمنيات والمناشدات، واعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، والتركيز على صناعة السلام وبناء دولة وتحقيق امن وإصلاح وديمقراطية تحت الاحتلال، وهذا أثبتت الأحداث والتطورات انه وهم كبير وخطير لا يؤدي إلى إنهاء الاحتلال وإنما إلى تعميق الاحتلال وإعطائه شرعية، وعدم تحمله المسؤوليات عن احتلاله.

إن قضايا الصراع مترابطة مع بعضها البعض بصورة لا يمكن الاتفاق على واحدة أو أكثر وترك القضايا الأخرى. فبعد أن أسقطت حكومة أولمرت عملياً قضية اللاجئين من أجندة المفاوضات بتمسكها بيهودية إسرائيل، ورفضها الاعتراف بالمسؤولية التاريخية والقانونية والأدبية عن تشريد اللاجئين، ورفضها الموافقة على عودتهم وتعويضهم، وإصرارها على حل قضية اللاجئين من خلال التوطين وعودة أعداد منهم إلى الدولة الفلسطينية بعد قيامها، والبحث عن مناطق لجوء جديدة لهم تحاول إسقاط قضية القدس، كما ظهر بتصريح أولمرت الأخير بان القدس لن تكون في أي اتفاق يتم التوصل إليه قبل نهاية هذا العام، وان الاتفاق سيكون على الأمن والحدود، السؤال هو: كيف يمكن إسقاط القدس بعد إسقاط اللاجئين والحديث عن اتفاق على الحدود والأمن بعد ذلك، فالقدس في الخرائط الإسرائيلية مساحتها تشكل 20% من مساحة الأرض المحتلة. فكيف يمكن رسم الحدود والاتفاق عليها بدون القدس؟ وكيف يمكن إزالة الاستيطان وهناك 250 ألف مستوطن في القدس الشرقية المحتلة؟

إن اعتراف القيادة الفلسطينية بفشل المفاوضات والاستعداد لإستراتيجية جديدة يمكن أن تجمع ما بين المفاوضات والمقاومة المثمرة، يعتبر فضيلة. بل إن الاعتراف بفشل ما يسمى عملية السلام أصبح ضرورة وطنية لشق الطريق أمام إستراتيجية أخرى قادرة على إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال!!

 

 

مشاركة: