الرئيسية » هاني المصري »   29 تموز 2006

| | |
لا وقت لإضاعته.. الانتظار قاتل
هاني المصري

 

 قرابة الثلاثين شهيداً و90 جريحاً حصيلة العدوان الإسرائيلي خلال 24 ساعة بدأت يوم الأربعاء الماضي وتواصلت في يوم الخميس الذي يليه. هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى في يوم واحد، يدل على خطأ التقدير بأن إسرائيل ستخفف من عدوانها ضد الفلسطينيين لانشغالها في الحرب على لبنان. فإسرائيل وإن خففت من حجم القوات العسكرية ووتائر ومراحل العدوان في غزة إلا انها لم تقلل من المجازر والتدمير وأعمال القتل، مستغلة انشغال العالم كله بما يجري في لبنان.

لقد أصبح الخبر الفلسطيني، حتى عندما تكون الحصيلة أعداداً كبيرة من الشهداء والجرحى، وتدمير عدد كبير من المنازل، وتشديد الحصار الخانق، وتقطيع الأوصال، واستكمال تدمير مقرّات وزارة الخارجية والاقتصاد والداخلية ومجلس الوزراء في غزة ومقر المقاطعة في نابلس، إضافة إلى تدمير مقرات أخرى تابعة لوزارة الداخلية وغيرها، يحتل ذيل نشرات الأخبار، وبالتالي ذيل الاهتمام بالتحركات السياسية والدولية التي تشهدها المنطقة.

 

ولا يغيّر من ذلك أن كوندوليزا رايس قد عرجت أثناء جولتها الأخيرة على مدينة رام الله والتقت الرئيس أبو مازن، فهذه الزيارة على دلالتها إلا أنها كانت رمزية أكثر منها عملية، وزيارة مجاملة وعلاقات عامة، قدمت فيها رسالة واضحة للفلسطينيين بضرورة ترتيب أمورهم الداخلية انتظاراً لما بعد حرب لبنان، وفصل مسارهم عن المسار اللبناني، خصوصاً فيما يتعلق بملف الأسرى. ورغم أنني أختلف بصورة حاسمة في مضمون الترتيب الذي تقصده رايس، إلا أنني أتفق معها تماماً بضرورة الترتيب الآن الآن وليس غداً، حتى لا تدهم الفلسطينيين نتائج الحرب في لبنان بحيث لا يستطيعون الاستفادة منها إذا ما انتهت كما تشتهي السفن الفلسطينية، أو تقليل الخسائر والأضرار إذا انتهت كما تريد إسرائيل. والترتيب للبيت الفلسطيني أساسه الشروع في بلورة الأفكار الكفيلة بتطبيق وثيقة الأسرى بأسرع وقت ممكن. فهذه الوثيقة يمكن أن تبقى حبراً على ورق، ولا تحقق شيئاً سوى ما حققته حتى الآن من الاتفاق على نوع من الهدنة الداخلية، بين "فتح" و"حماس" سرعان ما تنهار، إذا لم تدعم، أمام أي تطور دراماتيكي أو حادث مؤسف كبير أو في أية فرصة مناسبة لكل العناصر والشرائح والفئات التي لا تريد الوفاق الوطني لأنها متضررة من حدوثه. وعلى فكرة، هذه العناصر والشرائح والفئات، قليلة، ولكنها منتشرة في وعند جميع الفصائل والأحزاب وفي السلطة وفي المنظمات الأهلية والقطاع الخاص. فالفوضى والفلتان الأمني، وحالة الشلل التي تعيشها السلطة، وفي ظل الصراع على السلطة، وتنازع الصلاحيات والخلاف في البرامج، أوجدت فئات مستفيدة يهمها إبقاء هذا الوضع لأن ذهابه يعني ضياع الفوائد المادية التي تحققها، وخسارة النفوذ الذي حصلت عليه.

من المفترض الشروع فوراً منذ الآن بالبحث في أسس وآليات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ومن الأفضل أو الأقل سوءاً حكومة وحدة وطنية بمشاركة كافة الفصائل والكتل البرلمانية والقوى المجتمعية الأخرى أو حكومة مستقلين يشارك بها أساساً الخبراء أو حكومة مختلطة سياسية - خبراء؟ وهل من المناسب أن يترأس الحكومة قيادي من حركة "حماس" بوصف كتلتها في المجلس التشريعي هي الأكبر، أم من الأفضل أن تترأسها شخصية مستقلة يتفق عليها، ويمكن أن تعطى "حماس" حق تسميتها.

وإذا كانت حكومة الوحدة الوطنية بمشاركة الجميع، خصوصاً الفصائل والأحزاب الفاعلة هي الأفضل حتى تقلع وتستطيع القيام بمهماتها، خصوصاً في مجال تلبية الخدمات والاحتياجات للمواطنين لأنها ستكون قوية وقادرة على الوقوف في وجه حالة الفوضى والفلتان الأمني. ولكن العقبة الرئيسية التي تقف أمام تشكيل هذه الحكومة هي عقدة البرنامج السياسي. فوثيقة الأسرى تنص على ضرورة الاتفاق على خطة سياسية فاعلة. وهذه نقطة مهمة حتى يمكن إنهاء العزلة الدولية عن الحكومة وكسر الحصار المالي الذي لا يزال مفروضاً. ولا يجب التعايش معه، أو المبالغة في بعض الخروقات التي حدثت، وسمح بها أميركياً وإسرائيلياً، بهدف منع دفع الأمور في الساحة الفلسطينية إلى حد انهيار النظام السياسي بأكمله، واندلاع كوارث إنسانية لا يمكن تحملها. فالسماح بهذه الخروقات يهدف إلى إبقاء السلطة والشعب الفلسطيني على حافة الانهيار لدفعه لقبول الشروط المطروحة عليه تمهيداً لدفعه لقبول الخطوات أحادية الجانب التي قامت حكومة أولمرت من أجل تنفيذها. وهي، أي الحكومة الإسرائيلية، ستسقط إذا لم تعمل من أجل تنفيذها. فحزب "كاديما" حزب خطة الانطواء. والحكومة الإسرائيلية قامت على أساس هذه الخطة، وستسقط إذا لم تنجح بتطبيقها.

إذاً، برنامج الحكومة هو الذي سيحدد ما إذا ستكون حكومة وحدة وطنية بمشاركة الفصائل أم حكومة مختلطة أم حكومة خبراء؟ وحتى أوضّح ما أقصد، أقول لا مفرّ أمام الحكومة القادمة إذا أرادت إنهاء العزلة الدولية وكسر الحصار من قبول الشروط الدولية الثلاثة بشكل أو بآخر. أي ليس من الضروري أن توافق الحكومة القادمة على هذه الشروط كما هي، وبالحرف والفاصلة. وإنما لا مفر من تقديم صيغة فلسطينية لقبول هذه الشروط. بحيث يصبح مثلاً الاعتراف بإسرائيل موضوعاً ضمن صيغة معادلة دولتين لشعبين وليس الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود بصورة معزولة عن حق الفلسطينيين بدولتهم. ودون الاقتراب من الاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة يهودية، لأن هذا يطمس الحق الفلسطيني ويضعف إلى درجة خطيرة حق 20% من العرب الفلسطينيين الذين يعيشون في وطنهم وحصلوا على الجنسية الإسرائيلية.

أما مسألة الالتزام بالاتفاقات الموقعة فيجب أن نلحظ أن هذه الاتفاقات لا تزال موجودة رسمياً ولكنها غير قائمة عملياً. فلقد تجاوزتها إسرائيل كلياً، عندما أعادت احتلال الضفة وأجزاء واسعة من غزة، وعندما سحبت اعترافها بالشريك الفلسطيني ونفذت وتستعد لتنفيذ خطوات أحادية الجانب اعتماداً على القوة والعدوان وتنفيذاً للأهداف الإسرائيلية وعلى جثة الأهداف الفلسطينية. وأخيراً مسألة وقف المقاومة يمكن الموافقة عليها بما لا يسقط هذا الحق كلما استمر الاحتلال والعدوان والاستيطان والجدار، وما دام لا يوجد هناك أفق سياسي وعملية سلام حقيقية وقادرة على إنهاء الاحتلال. ومع ذلك التزمت كافة الفصائل والأحزاب الفلسطينية بالتهدئة منذ آذار العام 2005، وتبدي الاستعداد الآن للالتزام مجدداً بالتهدئة ضمن اتفاق يشمل تبادل الأسرى، وإنهاء الحصار ووقف العدوان العسكري. لا معنى للجمود السياسي الفلسطيني الذي يتذرع أصحابه بصرف النظر عن اختلاف منطلقاتهم وفصائلهم بانتظار ما سيحدث في لبنان. فبصرف النظر عن نتائج الحرب في لبنان، يجب أن يكون الفلسطينيون مستعدين من خلال وحدة وطنية وبرنامج قادر على الإقلاع، ومن خلال الشروع فوراً أيضاً بإصلاح وتفعيل م. ت.ف وضم الفصائل والأطراف التي لا تزال خارجها، وتوحيد مرجعية وأداء المفاوضات والمقاومة، بحيث يكون لدى الفلسطينيين استراتيجية واحدة وقيادة واحدة وقرار واحد وسلطة واحدة و م.ت.ف واحدة تمثل الفلسطينيين أينما كانوا. وحدة لا تلغي التعددية في الآراء والأحزاب، ولكنها تلغي إلى الأبد التعددية في القرار والسلطات!!

 

مشاركة: