الرئيسية » هاني المصري »   20 آذار 2007

| | |
كلمة بحق أبومازن
هاني المصري

 

ابو مازن" رئيس المنظمة والسلطة هو الفائز الاكبر من تشكيل حكومة وحدة وطنية، فهو راهن على ايجاد شرعية فلسطينية واحدة تضم الجميع، وراهن على الوحدة وربح الرهان. والحكومة اختطت برنامجاً لا يجسد برنامجه، ولكنه يقترب منه، كما ان الحكومة تضم وزراء فتح وحماس وحزب الشعب والجبهة الديمقراطية ووزراء المالية والخارجية والى حد ما الداخلية، فهو الذي اختارهم او شارك باختيارهم ويرضى عنهم، ورغم ان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ليس الفصل الختامي، لأن هناك ما بعده، وقد يكون حلواً او مراً الا ان هذه النتيجة التي حصلت حتى الآن، تثبت صحة القول المأثور: "من يضحك أخيراً يضحك طويلاً".

لقد راهن "ابو مازن" على اجراء الانتخابات التشريعية من اجل ادخال حماس تحت مظلة الشرعية الفلسطينية لإنهاء حالة التعددية في الشرعيات ومصادر القرار.

 

وعندما فازت حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي تعرض "ابو مازن" لانتقادات واسعة، خصوصاً من فتح. وتركزت الانتقادات على ما صور بأنه خطأ اجراء الانتخابات قبل ضمان نتائجها، او قبل الحصول اولاً: على موافقة حماس على مرجعية السلطة وثوابتها ومحدداتها، خصوصاً قبل اعترافها بـ م.ت.ف بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وثانياً: قبل التزام حماس بالاتفاقيات التي عقدتها المنظمة مع اسرائيل وسمحت بتأسيس السلطة في كنف الاحتلال. وبلغ اللوم لـ "ابو مازن" ذروته عندما وافق على تشكيل حكومة حماس رغم عدم التزامها بخطاب التكليف، ورغم ان القانون الاساسي ينص على ان الحكومة هي حكومة الرئيس.

وعندما لم يأخذ بالنصائح التي قدمت اليه من اوساط فلسطينية وعربية ودولية خصوصاً أميركية واسرائيلية بتشكيل حكومة طوارئ او حل حكومة حماس وتشكيل حكومة كفاءات دون موافقة حماس، حتى لو تعرضت لامتحان حجب الثقة، تواصل الانتقاد لأبو مازن، وتعرض ايضاً لانتقادات اشد عندما لم ينفذ تهديده بإجراء الاستفتاء وتراجع عنه مقابل اقرار وثيقة الاسرى، ما دفع بعض الذين تبنوا وثيقة الاسرى، على اساس المراهنة على رفض حماس لها، الى القول عندما وافقت حماس عليها بعد تعديلها تعديلات طفيفة مقابل تخلي ابو مازن عن دعوته لتنظيم الاستفتاء: لقد ذهب الاستفتاء وبقيت وثيقة الاسرى.

فقد نظر هؤلاء الى وثيقة الاسرى والاستفتاء والإضراب وكل الخطوات التي دعوا اليها كوسائل لإسقاط حكومة حماس وحلول فتح وحلفائها محلها، وثابر ابو مازن، وإن دون خطة وانسجام ولا تسويق جيد، على خطه سائراً نحو هدفه مستخدماً الدعوة لتنظيم انتخابات مبكرة مثلما استخدم الاستفتاء كوسائل للضغط على حماس ودفعها لتليين موقفها، سواء بالنسبة للبرنامج السياسي، او لتشكيل حكومة وحدة لا تقودها حماس، او لا تهيمن عليها هيمنة واضحة، وذلك ليس لأن ابو مازن يريد أن يبيع فتح لحماس، بل لأنه ادرك اهمية الاعتراف بالواقع الجديد ودلالة ومغزى الخارطة السياسية الجديدة التي رسمتها نتائج الانتخابات التشريعية.

ابو مازن تعرض لانتقادات شملت كل شيء، ومن كل الاتجاهات، سواء تلك التي على يمينه او على يساره، حين كان يعتقد في البداية بأنه يقف في اقصى اليمين، والسبب يعود الى ان ابو مازن الرئيس يختلف عن ابو مازن القيادي في كنف قيادة ياسر عرفات. فالمنظر من كرسي الحكم يختلف، كما قال شارون، عن المنظر عندما يكون المرء في المعارضة او ليس صاحب القرار. وعندما تكللت مساعي ابو مازن بالنجاح لم ينل الشكر الذي يستحقه، فنحن العرب نتقن النقد واللوم او مسح الجوخ وكيل المديح، أما التقييم الايجابي فنادراً ما نتذكره. فأبو مازن يستحق التقدير على رهانه على الوحدة ورفض الحرب الاهلية.

ان ابو مازن الذي عاش اصعب وأسوأ عام في حياته، كان يحركه الامل والخوف. الامل بأن حماس ستتغير بما يسمح بقيام حكومة وحدة وطنية، فهو يدرك انه دون مثل هذه الحكومة، ودون الوحدة لا يمكن السير فلسطينياً لا نحو الحرب ولا باتجاه السلام.

والخوف من الحرب الاهلية التي لن تبقي ولا تذر.

فأبو مازن كان في شدة الخوف من ان يسجل في تاريخه انه قاد الفلسطينيين نحو حرب اهلية مدمرة، مثلما قاد فتح لأول هزيمة انتخابية بعد أن قادت الحركة الوطنية الفلسطينية عشرات السنين.

ومع انني من المنتقدين، ولا أزال، لسياسة ابو مازن لأنها سلمية اكثر من اللزوم بكثير، وتراهن على خيار واحد في الوقت الذي يجب ان يحتفظ بالخيارات والبدائل الاخرى، فهو لا يزال يراهن على المفاوضات كأسلوب وحيد، في الوقت الذي اسقطت فيه اسرائيل المفاوضات والحل المتفاوض عليه واعتمدت الحلول احادية الجانب سواء التي تنفذ من طرف واحد او بالتنسيق مع الفلسطينيين. وفي الوقت الذي نجد فيه حكومة اولمرت ليست جاهزة للسلام وانما اقصى ما يمكن ان تصل اليه، هو تطبيق خطة الانطواء التي قام على اساسها حزب كاديما، بالتنسيق مع الفلسطينيين، وتحت غطاء افق سياسي مضلل وحمّال اوجه. وخطة الانطواء مرفوضة فلسطينياً ليس لأنها احادية الجانب فقط، بل لأنها لو طبقت من شأنها تصفية القضية الفلسطينية من كافة جوانبها وأبعادها، وذلك تحت حجة تأجيل التفاوض على قضايا الوضع النهائي، او تأجيل التفاوض حول القدس واللاجئين والحدود، والاستعداد للتفاوض حول المستوطنات على اساس مبدأ ضم الكتل الاستيطانية الكبيرة لإسرائيل وازالة المستوطنات والبؤر الاستيطانية الصغيرة، لكن رغم سياسة ابو مازن السلمية جداً نسجل له انه مضى في عقد الانتخابات، ونقل السلطة بسلاسة رغم النتائج المفاجئة، ورغم بعض التجاوزات، ورغم صداقته الوثيقة للإدارة الاميركية إلا أنه عارضها في عدة مواقف ابرزها ما يلي:

- عندما اتفق ابو مازن مع اسماعيل هنية على المحددات السياسية في 11/9/2006دون ان تلبي شروط الرباعية كان يدرك ان هذا سيسبب انزعاجاً ورفضاً أميركياً، ولكنه فضل الوحدة الوطنية على الصداقة مع ادارة بوش. ولكن حماس لم تلتقط الفرصة السانحة حينها وتراجعت عن المحددات بتقديم الاستدراكات، وساد اعتقاد خاطئ بأن ابو مازن لم يقدم على ذلك الا بعد الحصول على ضوء اخضر اميركي.

- عندما رفض ابو مازن قبول نصيحة كوندوليزا رايس في احدى زياراتها السابقة حول الغاء زيارته المقررة لدمشق، وعندما ضغطت عليه قال لها: اذا كان الرئيس العراقي جلال الطالباني وهو الحليف الاول لأميركا في المنطقة يزور دمشق رغم وجود مشكلة لبلاده معها، فلماذا لا أزورها أنا، وفلسطين لا يوجد لها مشكلة مباشرة مع سورية، ان لقائي مع الرئيس بشار الاسد يمكن ان يساعد على حل الخلافات الفلسطينية، وهذا ما حدث فعلاً.

-عندما قرر المضي في تشكيل حكومة وحدة وطنية على اساس برنامج لا يلبي كافة الشروط الدولية بمجرد ان يحصل على دعم عربي مناسب، وهذا ما كان، فوافق على اتفاق مكة دون اخذ الضوء الاخضر الاميركي، بل ورغم المعارضة الاميركية له وللحكومة الفلسطينية الجديدة. فأبو مازن ادرك ان الادارة الاميركية في وضع صعب وانها لن تعارض اتفاق مكة وحكومة الوحدة، بكل قوتها، لأنها بحاجة للدول العربية المعتدلة ولتهدئة الموقف في فلسطين حتى تستطيع ان تخرج بماء الوجه من المستنقع العراقي ومن المواجهة مع ايران التي تحمل في طياتها احتمالات متعددة سلمية او عسكرية.

والخطأ في هذه المسألة سيؤدي الى تراجع الوجود الاميركي في المنطقة برمتها، وتحول ايران الى دولة اقليمية عظمى تكسر الاحتكار النووي الاسرائيلي في المنطقة. حكومة الوحدة الوطنية هذه مهمة لكنها لا تزال هشة لأنها قامت على تعايش بين برنامجين ورأسين ومحاصصة ثنائية يجب التخلص منها لصالح اعتماد شراكة حقيقية تقوم على اساس معايير الانتاجية والكفاءة والنزاهة والانتماء الوطني ومبدأ تكافؤ الفرص، والمساواة التامة للمواطنين بصرف النظر عن آرائهم وانتماءاتهم وجنسهم ودينهم.

وأخيراً شكراً يا ابو مازن على ما تحقق، وواصل خطاك، فالمشوار طويل، وحتى نصل الى نهايته بنجاح، يجب الاقلاع عن التردد وعن العمل يوماً بيوم، وعن الرهانات الخاسرة وتركيز الجهود لبلورة استراتيجية فلسطينية تستند إلى مراجعة المسيرة والتجارب السابقة واستخلاص الدروس والعبر وايجاد الادوات المناسبة مقاومة الاحتلال، مقاومة ذات جدوى وقادرة على انهاء الاحتلال، هي الاولوية التي تعلو على كل شيء.

مقاومة الاحتلال، مقاومة ذات جدوى وقادرة على انهاء الاحتلال، هي الاولوية التي تعلو على كل شيء.

في هذا السياق، تكون الانتخابات والاصلاح والديمقراطية وازالة الحصار وتفعيل المنظمة واصلاح السلطة، وكل شيء تفعله او تخطط لفعله يجب ان يخدم تحقيق هذه الاستراتيجية، وتلك الاولوية!

 

مشاركة: