الرئيسية » هاني المصري »   27 أيلول 2008

| | |
قمة بوش ــ أبو مازن : مفاوضات إلى الأبد .... حتى الدولة
هاني المصري

 

انتهى لقاء القمة الأميركية ــ الفلسطينية المنتظرة، و لم يسفر عنها شيء، لا "وثيقة تفاهمات" ولا "اعلان المبادئ" ولا "اتفاق اطار" ولا حتى "اتفاق رف". لقد انقذت الأزمة الحكومية الاسرائيلية، والمتغيرات الدولية خصوصا في جورجيا وايران وباكستان وافغانستان والعراق، والأزمة المالية الأميركية والدولية، الرئيس الفلسطيني من استحقاق القمة التي كانت الادارة الأميركية تعول عليها كثيرا، لدرجة ان كوندوليزا رايس قالت منذ اشهر طويلة، إن اتفاق فلسطيني ــ اسرائيلي سيرى النور في شهر ايلول المقبل.

الرئيس ابو مازن، ومعه القيادة الفلسطينية، كانوا خائفين من الوصول الى لحظة الحقيقة، الى اللحظة التي يطرح فيها الرئيس الأميركي مشروع اتفاق على الجانبين الفلسطيني و الاسرائيلي، على صيغة "خذه أو أتركه". لذلك طالب أبو مازن بوش في كل لقاءاتهما الأخيرة بعدم طرح مشروع على الجانبين، وبعدم توجيه اللوم لأي طرف. وبما أن معالم المشروع الأميركي المحتمل واضحة، فهو اقل من مشروع كلنتون، فإذا طرح سيكون الفلسطينيون امام وضع حرج. اذا وافقوا عليه سيظهرون بصورة المتنازل عن قضيتهم ومن قبل عرض أقل من الذي رفضه ياسر عرفات. واذا عارضوه سيتم تحميلهم المسؤولية عن فشل المفاوضات، و سيدفعون ثمنا باهظا يتمثل باطلاق يد اسرائيل أكثر لاستخدام قوتها العسكرية ضد الفلسطينيين وبنيتهم التحتية وقواهم السياسية. لذلك نزلت نتائج القمة بردا و سلاما على أبو مازن رغم أنه عاد منها بخفي حنين.

 

فما حصل عليه أبو مازن هو مجرد تعهد أميركي جديد بأن بوش سيواصل العمل خلال الأربعة أشهر المتبقية لرئاسته لتحقيق وعده باقامة دولة فلسطينية، واذا لم تتحقق الدولة في رئاسته، وهذا أول اعتراف علني من بوش بتعذر اقامة الدولة خلال هذا العام، فهي ستقام في العام المقبل. كما وافق بوش على ضرورة الاتفاق على كل شيء أو لا شيء خلافا للموقف الاسرائيلي الذي يطالب باتفاق جزئي.

أبو مازن من جهته أعطى لبوش تعهدا بعدم اللجوء للعنف والأنتفاضة ( التي دمرتنا كما قال) وبأنه سيواصل المفاوضات مع اسرائيل، حتى وإن لم يتم التوصل لاتفاق سلام بحلول نهاية العام الحالي، كما ورد في اعلان أنابوليس. وهذا يعني أن المفاوضات ستتواصل دون سقف زمني، ودون توجيه اللوم لاسرائيل لأنها هي التي أفشلت المفاوضات جراء استمرار العدوان والأستيطان والجدار و خلق الحقائق الاحتلالية على الأرض، وهذا أدى ويؤدي الى تآكل الموقف التفاوضي الفلسطيني، و يعطي رسالة خاطئة لاسرائيل بأنه لا يوجد ما تخشاه.

أبو مازن، لم يحمل في تصريحاته العلنية على الأقل، اسرائيل المسؤولية عن الفشل الذي تتحمله بلا أي نقاش مقابل عدم تحميل الأدارة الأميركية المسؤولية عن هذا الفشل للفلسطينيين، مثلما حصل مع سلفه الزعيم الراحل ياسر عرفات. وهذه معادلة ظالمه كليا لا يجب أن يرضى بها ، ولا يمكن أن تقود الى حل عادل أو متوازن للقضية الفلسطينية، وانما الى مراضاة لا نهاية لها للأدارة الأميركية.

وهذا منطق يستدعي النقاش، أولا: لأن ياسر عرفات لا يتحمل مسؤولية الفشل في كامب ديفيد لأن ما طرح عليه لا يمكن أن يقبل به أي زعيم فلسطيني يعترف الفلسطينيون بزعامته.

وثانيا: لأن أبو مازن ذهب في الاعتدال الى أقصاه وأبدى مرونة لايمكن تصور أي مرونة بعدها، ومع ذلك لم يتم التجاوب معه، ويتم تهديده بالقاء المسؤولية عليه، تارة باتهامه بأنه ضعيف وتارة أخرى بالقول إن شرعيته ناقصة.

ان هذا يعطي در سا لا مجال للتهرب منه، وهو أن اسرائيل غير جاهزة للسلام وأن الادارة الأميركية تحميها وتغطيها في هذا الموقف. لذلك ان الاستمرار بالتعويل على المفاوضات وعلى الدور الأميركي المتحكم بها، وهم خالص لا يقود الى حل عادل أو متوازن وانما الى الاستمرار في الدوران بحلقة مفرغة أو الى تصفية القضية تحت اسم حلها.

ما أعطاه أبو مازن مقابل عدم تحميله المسؤولية عن فشل المفاوضات كبير جدا، وهو التعهد بمواصلة المفاوضات الى الأبد بدلا من وضع العالم أمام مسؤوليته لعدم تحقيق وعد أنابوليس بعدم التوصل الى اتفاق قبل نهاية هذا العام. بعد أن بدا واضحا أن المفاوضات مضيعة للوقت:

أولا: لأن المفاوضات لا تعتمد على مرجعية واضحة وملزمة، ولا تستند الى القانون الدولي والشرعية الدولية.

ثانيا: أن اسرائيل تستخدمها للتغطية على استمرار سياسة فرض الحقائق الاحتلالية على الأرض، ولقطع الطريق على كافة الجهود والمبادرات الأخرى العربية و الدولية.

ثالثا: أن اسرائيل توظف المفاوضات لتغذية الانقسام الفلسطيني وادامته من خلال وضع شروط على القيادة الفلسطينية لمحاربة العنف والارهاب والوفاء بكل التزاماتها في خارطة الطريق من جانب واحد، وعدم تحقيق المصالحة الوطنية ما لم تعترف "حماس" بالشروط الاسرائيلية والدولية.

فالمفاوضات أصبحت حياة، كما كتب صائب عريقات، و الصراع يتم تجاهله، بحيث أصبح لا يمكن الاستغناء عن المفاوضات حتى لو كانت ضارة أكثر ما هي نافعة، بحجة أنها تمكن السلطة من البقاء والحصول على الدعم الدولي، متجاهلين ان السلطة ليست الهدف، وانما وسيلة لتحقيق الأهداف الفلسطينية بانهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من العودة و اقرار حقه بتقرير مصيره بنفسه ، بما يعني ذلك حقه باقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس على حدود العام 1967.

ولمعرفة ما دار في لقاء بوش ــ أبو مازن نشير الى ما صرح به نمر حماد مستشار الرئيس حول أن أبو مازن طلب الحصول على ورقة ضمانات أميركية، ولم نعرف ماذا كان جواب بوش. مع أن المكتوب يقرأ من عنوانه.

والعنوان الاميركي معروف جيدا لمن يريد ان يرى وهو موجود في مجمل السياسات الاميركية المعتمدة خصوصا إبان فترتي رئاسة بوش حيث انحدر الموقف الاميركي الى مستوى الموقف الاسرائيلي بشكل يكاد يكون كاملا. وهذا يظهر باوضح صورة بورقة الضمانات الاميركية التي منحها بوش لشارون، والتي لا تزال سارية المفعول، والتي اكد فيها الموافقة الاميركية على برنامج الاجماع الاسرائيلي . بما في ذلك منح اسرائيل حق اخذ الحقائق التي اقامها الاحتلال، منذ العام 1967 وحتى الآن بالحسبان، عند التوصل لاي اتفاق سلام.

ان موقف بوش من طلب ابو مازن معروف لأن السياسة الاميركية تقوم على المطالبة بانسحاب اسرائيل الى حدود 1967 مع تطبيق مبدأ تبادل الاراضي دون تحديد النسبة. وهذا يتيح لاسرائيل ان تضم ما تريد من الضفة تحت حجج وذرائع مختلفة امنية واستيطانية ومائية واقتصادية ودينية.

ان الربط بين الانسحاب والتبادل دون الاعتراف الاسرائيلي المسبق بضرورة الانسحاب من الاراضي المحتلة ، خطأ فادح يصل الى حد الخطيئة، ارتكبه المفاوض الفلسطيني، لأنه اسقط مسؤولية اسرائيل عن انهاء الاحتلال وفتح باب للمزايدة على نسبة التبادل التي بقيت مفتوحة، ولاحظنا كيف انها قابلة للتحرك وفقا للمتغيرات ،بحيث تشمل المساحة التي ستضمها اسرائيل او تسيطر عليها القدس والاغوار ونقاط التماس، وهذا يعني انها يمكن ان تصل الى اكثر من 40% من مساحة الاراضي المحتلة العام 1967.

ان الرهان على الدور الاميركي خصوصا دون تسلح باوراق القوة والضغط الفلسطينية والعربية والدولية رهان خاسر دائما. ولاحظنا كيف ان هذا الرهان الخاسر ساهم في هبوط الموقف الاميركي الى هذا الدرك الذي هو فيه حاليا. يكفي ان نلاحظ ما قامت به ادارة بوش مؤخرا، حين عارضت طوال الشهور الاخيرة طلب المجموعة العربية بالامم المتحدة بادراج موضوع الاستيطان على جدول مجلس الامن، لأنه كما قالت رايس لا جدوى من مناقشة اية قضايا من هذا النوع في مجلس الامن. ودعت الى رفعها الى اللجنة الرباعية الدولية، على اساس الزعم بأنها المنتدى المناسب والمعترف به دوليا لهذه القضايا، وذلك لأن اللجنة الرباعية الدولية اما غائبة كليا، او تقوم بدور التغطية على الانفراد الاميركي بملف الصراع، رغم اتضاح غير مسبوق، ان الولايات المتحدة الاميركية لا تصلح كوسيط نزيه، وانما هي طرف منحاز كليا لاسرائيل ولا تنوي ممارسة اي ضغط عليها.

وعندما وافقت رايس على عقد اجتماع لمجلس الامن للبحث في الاستيطان اشترطت عدم صدور قرار او حتى بيان عن هذا الاجتماع. ورغم ان البيانات الصادرة عن اجتماعات كهذه، تبقى حبرا على ورق، ولا تلزم احدا لأن الادارة الاميركية تعارض صدورها. وهذا يدل على حجم الدعم الاميركي لاسرائيل. فاذا كانت القرارات لا تنفذ بسبب الفيتو الاميركي الجاهز دائما لحماية اسرائيل، فما اهمية البيانات. وما جدوى استمرار المفاوضات اذا لم تكن مفاوضات جادة قادرة على انهاء الاحتلال وتأمين الحقوق الفلسطينية.

على القيادة الفلسطينية، والفلسطينيين جميعا، ان يستخلصوا العبر والدروس من فشل انابوليس، وقبله فشل خارطة الطريق واتفاق اوسلو، باعتبار هذا الفشل المتواصل مسؤول عنه الاحتلال والتعنت الاسرائيلي، والى اسرائيل يجب ان يوجه اللوم، لأن اسرائيل تريد ادارة الصراع عبر مفاوضات لا تصل الى تسوية ولا تمنعها من الاستمرار بتطبيق المشاريع التوسعية والاستيطانية والعنصرية لحين توفر طرف فلسطيني قابل للمشروع الاسرائيلي الذي يصفي القضية الفلسطينية من مختلف ابعادها ومستوياتها تحت غطاء اسمه دولة فلسطينية تقام على جزء من الاراضي المحتلة العام 1967، ولا تملك من مقومات الدولة سوى الاسم.

دولة وظيفتها حل الصراع ودرء خطر انفجار القنبلة الديمغرافية في وجه اسرائيل، اذا استمر الصراع دون حل ، بما يعنيه ذلك ان هناك دولة واحدة، موجودة الآن في حدود فلسطين الانتدابية، هي دولة الاحتلال. وهذا يعني ان استمرار الاحتلال سيؤدي في نهاية الامر، وعلى المدى البعيد، الى ان اسرائيل ستكف، اذا لم تستطع ان تهجر الفلسطينيين وفرض بدائلها المختلفة، شاءت ام ابت، عن ان تكون دولة يهودية، بل ستصبح دولة ثنائية القومية ام دولة ديمقراطية علمانية !!!.

يجب ان تشعر اسرائيل ان اقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 واقرار حق العودة هو افضل الحلول لها، وانها ستخسر من عدم الموافقة على ذلك اكثر ما يمكن ان تخسر من الموافقة عليه، عندها ستتراجع عن تعنتها.

اما اذا وجدت ان الفلسطينيين والعرب يتنازلون باستمرار من دولة على كل فلسطين، الى دولة على 22% من فلسطين ،الى دولة على جزء من 22% من فلسطين، فما عليها سوى الانتظار، وحينها الوقت سيتكفل بحصولها على ما تريد!.

 

مشاركة: