الرئيسية » هاني المصري »   31 آذار 2009

| | |
قمة الدوحة أمام تحدي حكومة نتنياهو الثانية
هاني المصري

 

لن أقف أمام دور القمة العربية التي عقدت بالأمس في الدوحة، في إنجاح المصالحة الفلسطينية، لأن المكتوب يقرأ من عنوانه. فمجرد تأجيل جولة الحوار الثالثة الى ما بعد القمة، وخفض مستوى تمثيل مصر في القمة وهي الدولة الراعية للحوار الفلسطيني، دلائل قاطعة، على أن ليس لدى القمة ما تفعله على هذا الصعيد سوى التمنيات بنجاح الجهود المصرية، وهذا مؤشر كبير على مدى الضعف العربي، وعلى أن المصالحة العربية ــ العربية لا تزال في البداية.

 

من قبيل المصادفات أن تعقد القمة العربية في الدوحة قبل يوم واحد من تقديم حكومة بنيامين نتنياهو الى الكنيست الإسرائيلي لنيل الثقة. وليس من الضروري أن يكون عقدها في ذكرى يوم الأرض من قبيل المصادفة، فالقمم العربية تعقد في نهاية شهر آذار من كل عام، وهذه المرة ثابرت أو حرصت قطر على أن تعقد القمة في يوم الأرض. فهل تترك هذه الذكرى بصماتها على نتائج القمة؟

إن كيفية تصدي القمة العربية لدلالات وتداعيات انتصار الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة وتشكيل حكومة في إسرائيل، تعتبر حتى وفقا للمعايير الإسرائيلية، حكومة أزمة، وهي من المتوقع أن تكون أكثر الحكومات تطرفا وعدوانية وعنصرية، هو أبرز المعايير للحكم على نجاح القمة أو فشلها.

الدليل على ما سبق، أن الحكومة الاسرائيلية تضم أحزابا تجاهر بعدائها للسلام ورفضها الالتزام بالاتفاقيات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل وعزمها على تكثيف وتوسيع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، واستكمال تهويد القدس وعزلها عن بقية المناطق المحتلة عام 1967، وعلى الاستعداد لاستكمال الحروب غير المنتهية في لبنان وغزة، والاستعداد للحرب ضد سورية إذا لم تستوعب الدرس، وضد إيران لمنعها من الحصول على القنبلة النووية وقطع الطريق عليها قبل أن تصل الى دولة مهيمنة في المنطقة بحيث تكون قادرة على منافسة إسرائيل التي تطمح أن تكون الدولة العظمى الإقليمية المهيمنة على المنطقة برمتها.

ولعل المفارقة حول هذه الحكومة القادمة، أن برنامجها يمكن أن يستعير كلمة "نحترم" الاتفاقيات والالتزامات التي استخدمتها حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت غداة توقيع اتفاق مكة في برنامجها، للتوفيق بين موقف حزب العمل الملتزم رسميا بالاتفاقيات دون تطبيق عملي لها، وبين موقف الليكود وبقية الأحزاب المشاركة في الحكومة الإسرائيلية القادمة التي ترفض رسميا وعمليا هذه الاتفاقات والالتزامات. وفي كل الأحوال سواء استعارت الحكومة الإسرائيلية كلمة "نحترم" بدلا من "نلتزم"، او استخدمت "نلتزم"، فإن كل الأحزاب الرئيسية في إسرائيل، المشاركة في الحكومة القادمة أو التي لا تزال خارجها، التي تتحدث عن الالتزام بالاتفاقيات أو التي ترفضها، تسعى لاستكمال تطبيق المشاريع التوسعية والاستيطانية والعنصرية التي تحقق الأهداف الإسرائيلية المشتركة المتمثلة في قيام إسرائيل بوصفها دولة يهودية على أكبر مساحة ممكنة من أراضي فلسطين التاريخية، وترك الأراضي القليلة الباقية من الأراضي المحتلة عام 1967 مقطعة الأوصال كثيفة السكان، ليديرها الفلسطينيون، وليقيموا عليها حكما ذاتيا، لا مانع أن يسموه دولة فلسطينية أو إمبراطورية شرط أن لا تكون لديها مقومات الدول، وخصوصا عنصر السيادة، وهو العنصر الرئيس الذي يعطي لكافة مقومات الدول المعنى والمضمون.

قمة الدوحة، تنجح من وجهة نظري إذا كانت بمستوى التحدي الذي يمثله تشكيل حكومة معادية للسلام في إسرائيل. حكومة تتحدث، بدلا عن السلام، عن الأمن والسلام الاقتصادي، ما يدل دلالة قاطعة على أن إسرائيل غير جاهزة للسلام وتستعد لمواصلة الحرب والعدوان والحصار والاستيطان. فإذا اكتفت القمة بالتحذير من عدم التزام اسرائيل فإن هذا الكلام لا يغني ولا يسمن من جوع، وتكون قمة الدوحة قد سقطت في الامتحان كسابقاتها من القمم العربية.

فلا يكفي مطالبة القمة لإسرائيل بالالتزام بحل الدولتين واستئناف المفاوضات على هذا الأساس، أو بالاستمرار بعرض مبادرة السلام العربية عليها للعام السابع على التوالي دون تغيير، سوى إضافة عبارة أنها مبادرة لن تبقى على الطاولة الى الأبد، بل لا بد من تسليح مبادرة السلام العربية بأنياب، من خلال التزام القادة العرب، بعدم التفاوض ثنائيا مع إسرائيل على كافة المسارات، قبل أن تقبل مبدئيا بمبادرة السلام العربية التي تقوم أساسا على القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. فالاستمرار بالتفاوض الفلسطيني ــ الإسرائيلي، أو الاستعداد للتفاوض الثنائي الفلسطيني ــ الإسرائيلي، والسوري ــ الإسرائيلي، بتأييد عربي جماعي دون التزام اسرائيلي بمبادرة السلام العربية يلقي هذه المبادرة على قارعة الطريق، ويوحي بأن المبادرة غير مأخوذة على محمل الجد من أصحابها أنفسهم فكيف يمكن أن يأخذها على محمل الجد غيرهم، وخصوصا إسرائيل.

إن إسرائيل، تعتقد أنها يمكن أن تحصل على الأرض والاستيطان والأمن وتهويد القدس والسلام والتطبيع مع العرب، فلماذا تقبل بما تطرحه مبادرة السلام العربية من "انسحاب كامل مقابل سلام كامل".

يجب أن تدرك إسرائيل أنها لا يمكن أن تجمع ما بين مواصلة الاستيطان والحصار والعدوان والاستمرار في المفاوضات وما يسمى عملية السلام. وهذا لا يكون إلا من خلال موقف عربي جماعي يثبت لإسرائيل قولا وعملا، أن لدى العرب خيارات وبدائل أخرى.

إن ما سبق لا يعني أن العرب يجب أن ينتقلوا مرة واحدة وفجأة ودون استعداد، من سياسة اعتبار السلام كخيار استراتيجي وحيد الى الحرب كخيار استراتيجي وحيد. أو أن يكتفوا بسحب مبادرة السلام العربية من الطاولة دون أن يكون لديهم بديل. فالبديل في هذه الحالة، يكون غياب موقف عربي موحد، ولو بأدنى الحدود، وترك الحرية لكل بلد عربي ليتصرف كما يشاء مع إسرائيل. والطبيعي أن العرب لن يحاربوا إسرائيل وهم متفرقون، وإذا حاربها طرف وحده لن ينتصر عليها، وبالتالي في هذه الحالة (حالة سحب المبادرة دون بديل جدي) سيتسابق العرب لكسب ود إسرائيل وتطبيع العلاقات معها، وهذا ما يحدث بالفعل خلال العقود الثلاثة الماضية، ومنذ توقيع معاهدة السلام المصرية ــ الإسرائيلية وحتى الآن.

هناك بديل آخر لماذا لا يجربه العرب، وهو يدعو للتمسك بمبادرة السلام العربية ولكن مع جمع أوراق القوة والضغط التي يمتلكها العرب سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا وإعلاميا وقانونيا، حتى تدرك إسرائيل ومن يدعمها، والعالم كله أن هناك ثمنا سيدفعه كل طرف لا يأخذ المطالب والحقوق العربية بالحسبان. وهذا البديل يتطلب حتى يكون جديا أن يستعد العرب في نفس الوقت للحرب، حتى يكونوا جاهزين لها، إذا لم تنفع الخيارات الأخرى. فمن يريد السلام فعلا، عليه أن يستعد للحرب.

فهل تكون قمة الدوحة بمستوى التحدي؟ لا أظن ذلك، وإذا كانت أنا سأكون من السعداء رغم خطأ توقعي!! فمن الأخطاء ما يسعد صاحبها ان يقع بها.

 

مشاركة: