الرئيسية » هاني المصري »   16 أيلول 2008

| | |
قضية اللاجئين لا تحل بعودة عدد معقول توافق عليه "إسرائيل
هاني المصري

طرح الرئيس أبو مازن في مقابلة مع صحيفة هآرتس الاسرائيلية موقفه من حل قضية اللاجئين حيث قال إن لا حل يمكن أن يوقع بدون أن يشمل قضية اللاجئين على قاعدة إما الاتفاق على كل شيء وإما عدم الاتفاق على شيء.

وأضاف، إنه لا يعقل أن يطالب بعودة ملايين اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم لأن اسرائيل ستنهار، وانما هو مستعد لإجراء مساومة تقوم على عودة جزء من اللاجئين ضمن عدد معقول توافق عليه اسرائيل.

 

قبل التعليق على موقف الرئيس، الذي اثار جدلا كبيرا وانتقادات واسعة في صفوف الفلسطينيين أود أن أذكر أن قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم194 الذي صدر في شهر كانون الاول من عام 1948، والذي صادقت عليه الجمعية العامة منذ ذلك التاريخ وحتى الان عشرات المرات، ما يعطيه قوة قانونية استثنائية، ينص في البند الحادي عشر على: "تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الى ديارهم وعن كل مفقود او مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقا لمبادئ القانون الدولي والانصاف، ان يعوض عن ذلك الفقدان او الضرر من قبل الحكومات او السلطات المسؤولة".

ان هذه العبارة توضح ان حق العودة والتعويض مطروح لجميع اللاجئين، والتعويض فقط مطروح للذين يقررون عدم العودة، وأن هذا التعويض يشمل الممتلكات (أملاك الغائبين)، وعن كل مفقود او مصاب بضرر، وعن المعاناة التي عاناها اللاجئون اكثر من ستين عاما فهي تجسد ضررا يستحق التعويض.

في هذا السياق، تعتبر تصريحات أبو مازن تراجعا عن الموقف الفلسطيني الذي طالما تمسك بتطبيق قرار 194، وهذا يحدث بدون مقابل من اسرائيل.

فاسرائيل منذ قيامها رفضت قرار 194، وترجمت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة هذا الرفض بإصدار سلسلة من القوانين لإضفاء الشرعية على وجودها، وإجبار العرب على مغادرة اراضيهم بهدف تعزيز فكرة البلاد المهجورة وطمس ذكرى وجود مجتمع فلسطيني نهائيا.

وبنت الحكومات الاسرائيلية المتتالية سياساتها على اساس التنكر المطلق لمسؤوليتها التاريخية في نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وعدم الاعتراف بحق العودة، في الوقت الذي يتيح قانون العودة اليهودي لكل يهودي في العالم المجيء لاسرائيل والحصول على الجنسية الاسرائيلية. وتعتبر اسرائيل ان اليهود الذين هجروا من البلاد العربية يغنوها عن تعويض اللاجئين الفلسطينيين، فهي تعتبرهم مقابل الفلسطينيين اللاجئين، لذا فانها لا تتحمل اية مسؤولية عن التعويض، بل تطالب بتعويض "اللاجئين" اليهود.

في مؤتمر كامب ديفيد، تم التداول بحل مشكلة اللاجئين على أساس عودة رمزية لعدد منهم لا يزيد عن150 الفا، وعودة من يرغب الى الدولة الفلسطينية بعد قيامها وتوطين من تبقى في البلاد المتواجدين فيها او ترحيلهم الى بلدان اخرى أما بالنسبة لمسألة المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية لإسرائيل عن نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فإسرائيل ترفض تحمل أية مسؤولية في هذا الشأن.

وفي المفاوضات التي تلت مؤتمر أنابوليس تناولت الاجتماعات قضية اللاجئين ورفضت الوفود الاسرائيلية المشتركة بالمفاوضات برئاسة تسيبي ليفني، ورفض ايهود اولمرت تحمل المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية عن تشريد اللاجئين، كما رفضوا الاعتراف من حيث المبدأ بحق العودة، ووافق أولمرت بعد أن رفض ما عرض في كامب ديفيد، على عودة عشرين الف لاجئ على مدار10 سنوات (2000 في كل عام) وفي اطار لم الشمل، ولاعتبارات انسانية وليس تطبيقا لمبدأ حق العودة . واعلنت ليفني جهارا نهارا رفضها لعودة لاجئ واحد في اطار حق العودة.

لا أحد يتصور ان بالامكان الان عودة ملايين اللاجئين الفلسطينيين، ولكن هذا لا يعني التخلي عن قضية اللاجئين وعن حق العودة، لأنه اذا تم تفريغ القضية الفلسطينية من محتواها الاساسي وهو قضية اللاجئين مقابل ثمن بخس جدا، فهذا يؤدي الى ضرب القواسم المشتركة التي توحد الفلسطينيين.

الانكى والأمر، ان هذا الاستعداد الفلسطيني للتنازل الاستراتيجي عن قضية اللاجئين يعني تجاهل الحق الفلسطيني وكل المعاناة التي عاناها اللاجئون، ولكل النضالات والتضحيات الغالية التي بذلت من أجلها على مدار عشرات السنين، وهذه التنازلات تقدم بدون أن يقابلها الحصول على موافقة اسرائيلية على قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس على حدود 1967 بل إن ما تطرحه اسرائيل حتى الان يقوم على اقتطاع مساحات واسعة من الاراضي المحتلة عام 1967 من الضفة بما فيها القدس بنسبة لا تقل عن 40% ضمن مسميات مختلفة (ضم او بقاء السيطرة الاسرائيلية) تحت عناوين الاستئجار والسيطرة على الحدود والمعابر واقامة نقاط انذار وقواعد عسكرية، وتجريد الدولة الفلسطينية من مقومات الدول بحيث تكون بلا سيادة وخاضعة كليا لاسرائيل وان تكون ايضا منزوعة السلاح، وهذه سابقة في التاريخ، لان الاتفاقات بين الدول المتحاربة تتضمن عند توقيع اتفاقات سلام مناطق منزوعة السلاح اما دولة منزوعة السلاح فهذا أمر إذا حدث سيكون لأول مرة في التاريخ. ما هو مطروح على طاولة المفاوضات ليس مقايضة حق العودة باقامة الدولة الفلسطينية، وهذا طبعا مرفوض لانه ينتقص من حق ملايين الفلسطينيين اللاجئين في خارج وطنهم واللاجئين داخل وطنهم، وإنما المطروح اسرائيليا هو التنازل في كافة القضايا من حق العودة الى الحدود والقدس والمستوطنات والأمن والمياه.

إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا نعطي اسرائيل حق الفيتو؟ اولا من خلال النص في مبادرة السلام العربية بعد تعديلها، بأن المطلوب هو التوصل لحل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين . والان يتحدث أبو مازن عن موافقة اسرائيل على عودة عدد معقول من اللاجئين توافق عليه اسرائيل، مما يترك الأمر بيدها تماما. وإذا وافقت فإنها توافق على عودة عدد رمزي (20 ألفا) كما أن هذه الموافقة غير مضمونة التطبيق ، فضلا عن أن ما عرضه أولمرت عن عودة 20 ألفا على مدار 10سنوات سيكون في اطار لم الشمل. اذاً هل سنقبل بهذه العودة الرمزية بعد حين؟ بعد شهر او سنة او سنتين؟

ان ابداء المرونة الى حد التنازلات المفرطة، وبدون ان تعترف اسرائيل بانها دولة محتلة ومسؤولة على تشريد اللاجئين وبدون ان تلتزم بالقوانين والقرارات الدولية التي قامت اسرائيل على اساسها وتعتبر شرعيتها منقوصة بدون استكمالها باقامة دولة فلسطينية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره ومحوره اعطاء اللاجئين حقهم بالعودة وتعويضهم عن املاكهم و معاناتهم، لايؤدي الى اقناع اسرائيل بتقديم متطلبات السلام وانما يفتح شهيتها، مثلما حصل خلال العشرين عاما الماضية، على طلب المزيد من التنازلات الفلسطينية والعربية، لنعطي اسرائيل رسالة ان زمن التنازلات المجانية من جانب واحد قد ولى، وان على اسرائيل ان تقدم عرضا يتناسب مع مبادرة السلام الفلسطينية المقدمة عام 1988 والتي ادت فيما بعد الى اتفاق اوسلو الذي اعترفت فيه المنظمة باسرائيل بدون ان تعترف اسرائيل بالحقوق الفلسطينية بما فيها حق الشعب الفلسطيني باقامة دولة فلسطينية؟اذا ارسلنا هذه الرسالة عندها وعندها فقط يمكن ان تفكر اسرائيل بالتراجع عن مواقفها وشروطها المتعنتة والعنصرية والاستيطانية والتوسعية!! فعندما تدرك اسرائيل ان لدى الفلسطينيين بدائل اخرى وليس مفروضا عليهم خيار واحد هو الاستمرار بالتعايش مع الاحتلال والتفاوض معه الى الابد، ستدرك ان حل الدولة الفلسطينية افضل لها مما يمكن ان تواجهه مستقبلا!!

 

مشاركة: