الرئيسية » هاني المصري »   28 آب 2010

| | |
قصة قمع مؤتمر معلن
هاني المصري

 

 

 

يوم الأربعاء الماضي شهدت مدينة رام الله وتحديداً قاعة البروتستانت إحداثا يتمنى كل حريص على فلسطين والديمقراطية لو أنها لم تقع.

فقد كان من المفترض ان تشهد القاعة مؤتمراً وطنياً لمناهضة المفاوضات المباشرة وفقاً للشروط الأميركية والاسرائيلية دعت اليه لجنة المتابعة المشكلة من ممثلين عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب والمبادرة الوطنية الفلسطينية وعدد من الشخصيات الوطنية المستقلة منها منيب المصري وممدوح العكر.

 

لم يعقد المؤتمر الذي كان من المقرر افتتاحه في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف، لأن المنظمين للمؤتمر فوجئوا بتوافد مجموعات من الشباب بلباس مدني، بعضهم يحمل يافطات وصور الرئيس محمود عباس، وذلك قبل ساعة من موعد انعقاد المؤتمر، حيث امتلأت القاعة بأعداد كبيرة منهم(400 عنصر وضابط) قبل موعد الافتتاح بنصف ساعة.

وعند البحث والتدقيق تبين أنهم عناصر تابعة لجهاز المخابرات العامة كانوا بلباس مدني.

وعندما همّت رئاسة المؤتمر بافتتاح المؤتمر تعالت الهتافات والزعيق والتصفيق والصفير وقام بعض الأفراد بتمزيق اليافطة المعلقة ووضع يافطة بدلاً عنها، وانتزعوا الميكروفون والاوراق التي يحملها عريف المؤتمر.

وبعدما تبين ان عقد المؤتمر بات مستحيلاً أدانت رئاسة المؤتمر هذا العدوان الصارخ على الحريات العامة وعُلق المؤتمر وعقدت لجنة المتابعة بعد ذلك، مؤتمراً صحافياً ألقت فيه البيان الذي كان من المقرر نقاشه في المؤتمر وأدان جميع المتحدثين العدوان الصارخ على الحريات العامة وحذروا من تحول النظام السياسي الفلسطيني الى نظام بوليسي اذا لم يتم ردع هذه الظواهر التي تكبر باستمرار.

وفي تصرف عفوي ورداً على قمع المؤتمر خرج المشاركون في المؤتمر بمسيرة غاضبة رددت هتافات تندد بالقمع وتطالب بالوحدة الوطنية، فلحقت المجموعات إياها بالمسيرة وقامت بإطلاق هتافات مضادة لصالح حركة فتح والرئيس محمود عباس وتتهم المنظمين والمشاركين بالمؤتمر بالخيانة وأنهم عملاء لسورية وايران، وتم الاعتداء على بعض المشاركين والصحافيين وأخذ الافلام منهم، كما تم اعتقال بعضهم عرف منهم الدكتور محمد جاد الله ثم تم الافراج عنهم بسرعة.

وجاءت الشرطة وقامت بتفريق المسيرة لانها "غير مرخصة" وفقاً لما صرح به الناطق باسم الاجهزة الامنية، الذي لا يعرف كما قال، أن هناك عملية اعتداء على مؤتمر وطني يشارك به اربعة أعضاء من اللجنة التنفيذية ووزيرة وشخصيات عامة اعتبارية، من حقها الطبيعي، مثل حق اي انسان فلسطيني المكرس بالقانون الفلسطيني وبالتقاليد الفلسطينية التعبير عن رأيها بشكل سلمي وقانوني وديمقراطي، حتى لو كان هذا الرأي معارضاً للقرار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية بخصوص الاشتراك بمفاوضات ثنائية مباشرة بدون ضمانات ومرجعيات.

لقد قام الرئيس مشكوراً بتشكيل لجنة تحقيق، ولكن لم يعرف حتى الآن من هم اعضاؤها؟ وهل هي لجنة تحقيق مستقلة؟ وما هي صلاحياتها؟ ووفقاً للبيان الذي نشرته وكالة "وفا" فإن اللجنة ستحقق "بالفوضى" التي جرت بقاعة البروتستانت، وكأن الامور ليست واضحة، مع انها واضحة وضوح الشمس. ولن يستطيع أحد أن يغطي الشمس بالغربال.

كما اتصل رئيس الحكومة الدكتور سلام فياض برئيس المؤتمر الدكتور ممدوح العكر واعتذر منه ومن المشاركين على هذا العمل القمعي، وأخبره بأنه سيحقق بالأمر وسيضمن حماية أية نشاط مستقبلي تقوم به لجنة المتابعة بما في ذلك تنظيم مؤتمر وطني آخر اذا أرادت.

إن المطلوب من الرئيس ورئيس الحكومة وجميع القوى والفعاليات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية على مختلف أنواعها ومن أفراد الشعب الفلسطيني، ومن حركة فتح تحديداً، أن يسارعوا إلى ادانة الاعتداء على الحريات العامة وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحاسبة المسؤولين والمشاركين والذين اصدروا القرار.

لا يعقل أن يقوم افراد من جهاز المخابرات العامة بهذا العمل بدون قرار.؟ ما علاقة المستوى السياسي بالقرار؟ وهو يتحمل المسؤولية سواء اذا شارك به او لم يشارك!

السؤال هو لماذا تقوم السلطة أو أوساط منها بهذا القمع والاعتداء على الحريات خصوصاً ضد قوى وفعاليات مشاركة او مؤيده للسلطة والمنظمة؟

لماذا لا تعتبر المنظمة والسلطة أن المعارضة الايجابية قوة للنظام السياسي والديمقراطية الفلسطينية، تستطيع القيادة الفلسطينية توظيفها، كما تفعل حكومة نتنياهو، لصالح التمسك بالأهداف والحقوق الوطنية، حيث تستطيع ان تستخدمها كحجة مفادها أن لديها رأياً عاماً قوياً يعارض المفاوضات ولن يسمح بالمساس بالخطوط الحمر الفلسطينية. أم أنها تعتقد أن قوتها تظهر بقدرتها على القمع وترويع المواطنين والقوى لمنعهم من التعبير عن آرائهم بحرية، ولإظهار جدارتها بالقيادة ما سيفتح الباب واسعاً امام حل الخلافات في المستقبل بنفس الطريقة، سواء بمبادرة فلسطينية أو استجابة لطلبات خارجية.

إن الشيء الوحيد الذي يفسر هذا العدوان الصارخ على الحريات العامة، هو ان السلطة تشعر ان موقفها من المشاركة في المفاوضات غير شرعي وضعيف وغير مقنع للأغلبية الساحقة من القوى ومن افراد الشعب الفلسطيني، ولذلك لا تشعر بالقوة والثقة.

ان هذا الضعف في الموقف ظهر من خلال مؤشرات عدة، منها ان قرار المشاركة في المفاوضات اتخذ في اجتماع غير قانوني للجنة التنفيذية، فلم يكن هناك نصاب لعقد الاجتماع، لأن الحضور كان 9 اعضاء من اصل 18 عضواً، والنصاب القانوني لعقد الاجتماع لا يتحقق الا بحضور الثلثين اي 12 عضواً.

وظهر هذا الضعف ايضاً من خلال ان القيادة الفلسطينية اتخذت قرار المشاركة بالمفاوضات تحت الضغط، كما صرحت مراراً و تكراراً قبل اتخاذه، وبدون المحددات السياسية التي طالبت بها طوال حوالي عامين كاملين.

ان الديمقراطية الفلسطينية والمصلحة الوطنية في خطر جراء العدوان على الحريات العامة، فالقمع يمس بالتعددية التي هي مصدر قوة ومناعة القضية الفلسطينية، واذا لم يتم وضع حد سريع له، سيتفاقم الأمر ويهدد الحقوق الوطنية والديمقراطية بالتصفية.

ان استسهال اللجوء الى القمع سيساهم بإضعاف الموقف الفلسطيني أكثر وأكثر، وبتعريض المفاوض الفلسطيني لضغوط أشد ستطال هذه المرة الحقوق والقضايا، ولن تقتصر الضغوط القادمة مثل سابقتها على شكل المفاوضات بل ستصل الى حد السعي لفرض حل جائر على الفلسطينيين.

ان الخلاف الجوهري حول المفاوضات وكيفية معالجة الانقسام والتعامل مع المقاومة والانتخابات المحلية والديمقراطية بشكل عام. يجب الا يقود، كما يريد البعض، الى صراع داخلي فلسطيني وانقسام جديد، بل لا بد ان يوظف في معركة الفلسطينيين ضد الاحتلال واعتداءاته وتعنته ورفضه للسلام وللاستجابة للحد الادنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، وانما يجب ان يقود الى اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني ومرتكزات العملية الديمقراطية والعمل المؤسسي الجماعي.

ان السلام العادل لا يمكن ان يتحقق بالجري وراء اوهام المفاوضات الثنائية المباشرة مرة عاشرة بدون وقف للاستيطان ولا مرجعية ولا اطار دولي فاعل يستند الى القانون الدولي وقرارات الامم المتحدة، ويضمن جدية المفاوضات وقدرتها على إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام.

إنما يتحقق السلام من خلال التمسك بالبرنامج الوطني والحقوق الفلسطينية وإعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة وتعميق وترسيخ التعددية والديمقراطية واعتماد استراتيجية كفاحية قادرة على تغيير موازين القوى بحيث تسمح بإنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

أين اللجنة التنفيذية ودورها ــ جماعياً وفردياً ــ مما جرى ويجري على صعيد المفاوضات وتهميش دور المؤسسات الشرعية والعدوان على الحريات العامة؟

أين الرئيس وممثلو حركة فتح والفصائل والمستقلون في اللجنة التنفيذية؟

أين حركة فتح؟ أين أعضاء اللجنة المركزية؟

أين وزراء الحكومة ورئيسها؟

لن يكون كافياً منهم جماعياً وفردياً استنكار ما جرى أو المطالبة بالتحقيق فقط، وكأن الفاعل مجهول؟

أن استمرار هذا الوضع ومثل هذه المواقف لا يعني سوى شيء واحد هو التنصل من المسؤولية والتستر على من يهدد المسيرة الديمقراطية، مهما كانت الشعارات والتبريرات و اليافطات التي يجري باسمها العدوان على الحريات العامة!!

 

مشاركة: