الرئيسية » هاني المصري »   18 آب 2009

| | |
قراءة في نتائج مؤتمر "فتح" السادس
هاني المصري

 

بالإعلان عن نتائج انتخابات المجلس الثوري يكون الفصل الأخير لمؤتمر فتح السادس قد انتهى.

الآن أصبح بالإمكان تقييم المؤتمر.

إن من الإخلال الفظيع بالحقائق وبالواقع الادعاء بأن القيادة الجديدة لفتح "متصهينة أكثر من سابقتها"، كما قال أحد قادة حماس، أو لم يحدث أي تغيير في المؤتمر كما جاء في بعض ردود الأفعال، وأن التغيير حدث فقط بالأشخاص، اما النهج والسياسات فقد بقيا على حالهما. او أن المؤتمر انتصار لدحلان.

إذا أردنا أن نحاكم مؤتمر فتح على أساس مقاييس علمية محددة تنطلق من المقارنة مع المؤتمرات التي تعقدها الأحزاب والحركات الشعبية في العالم، سنخرج بتقييم سلبي للغاية للمؤتمر. فهو ليس مؤتمرا وفقا لهذه المقاييس. فالمؤتمر لم يكن مؤتمرا بمعنى الكلمة لأن الإعداد استغرق مدة طويلة ومر بعدة مراحل واستمر ثلاث سنوات، وكان من المفترض أن يعقد منذ 16 عاما، وكانت الخلافات حول موعد ومكان عقده وحول العضوية تطغى على كل شيء. فلم تأخذ المراجعة الجريئة ولم يأخذ البرنامج السياسي ما يستحقانه من اهتمام أثناء التحضير. والمؤتمرات في العادة تسبقها مؤتمرات قاعدية تنتخب ممثلي المناطق والأقاليم وكل أعضاء المؤتمر، أما في مؤتمر فتح فقد شارك 30% من المنتخبين أما الباقون فتم تعيينهم. فحتى اللحظة الأخيرة لم تتوقف التعيينات التي لم تحكمها معايير موضوعية، بما في ذلك زيادة 700 عضو في الأسابيع الأخيرة التي سبقت المؤتمر.

إن المؤتمرات تقدم فيها القيادة تقارير شاملة حول كافة الجوانب السياسية والمالية والتنظيمية، ويقدم فيها كشف حساب عن الفترة السابقة بشكل ملموس، وتقدم فيها الخطط المستقبلية. أي يتم في المؤتمرات مراجعة شاملة لتحديد الانجازات والمكاسب ونقاط القوة، والأخطاء والخطايا والثغرات والنواقص، ونقاط الضعف.

لم يحدث شيء من كل هذا، وما حدث عفوي وغاضب وأقرب الى تصفية الحسابات منه الى كشف الحساب، ولكنه حرك المياه الراكدة ويمكن أن يجعل فتح تتقدم الى الأمام.

إن فتح حركة هلامية واسعة، بنيتها التنظيمية ضعيفة للغاية، وفقدت منذ زمن، وتحديدا منذ تأسيس السلطة هويتها كحركة مستقلة، حيث ذابت فتح كليا بالسلطة، وهذا انعكس بشدة على المؤتمر ونتائجه.

على خلفية ما سبق، جاء مؤتمر فتح ليعكس كل ما هو موجود في فتح، فعكس التغيير الذي حدث طوال العشرين عاما الماضية. وهو تغيير ليس جيدا كله، ففيه الكثير من السيئ أيضا. فليس من المتوقع أن يشكل المؤتمر عصا سحرية، فـ "فتح" شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني ويوجد فيها كل اتجاهات وتناقضات الشعب الفلسطيني. وفتح عقدت مؤتمرها تحت الاحتلال وفي ظل الانقسام وهذا وذاك أرخى بظلاله السوداء على المؤتمر، رغم الادعاءات بأن مكان المؤتمر (أي الاحتلال) لا يؤثر على أعماله. إن حركة قالت في مؤتمرها إنها تحتفظ بحقها بالمقاومة بكافة الأشكال، وتقاوم حاليا بأساليب سلمية، لذا يجب أن تحتفظ بمسافة كبيرة عن الاحتلال حتى لا يكشف كل أوراقها ويعرف كل المعلومات عنها.

رغم كل ما سبق، عقد المؤتمر داخل الوطن المحتل، ورغم كل الملاحظات والاتهامات التي يجب عدم المرور عليها مرور الكرام، بل التحقيق جديا بها، إلا أنه يمثل حتى لمجرد عقده بحد ذاته، انطلاقة جديدة لفتح يمكن أن توحدها وتقويها. وهذا يتوقف على قدرة اللجنة المركزية والمجلس الثوري على إثبات نفسيهما كمؤسستين تسعيان لكي تقودا الحركة، وبالتالي لكي تساهم مساهمة بارزة في قيادة السلطة والمنظمة المفترض أن فتح تشكل عمودها الفقري وليس ملحقا وظيفته تقديم الغطاء لهما.

إن فتح كانت ممزقة هرمة متناحرة وغابت خلال السنوات الماضية وغيبت نفسها عن القرار الفلسطيني الى حد كبير. ففتح ما بعد ابو عمار كانت تبحث عن نفسها طوال السنوات الماضية منذ وفاته وحتى الآن، وهي الآن إما أن تنجح ببلورة هوية جديدة، وتصبح فتح ما بعد ابو عمار، فتح في مرحلة قيادة ابو مازن، وإما أن تعود لتراوح في مكانها.

رغم ما سبق، مثل المؤتمر باتجاهه العام كما يشير البرنامج السياسي المقر امتدادا لفتح، ولكن مع مطالبة بتصحيح المسار السياسي والتنظيمي.

صحيح أن المطالبة بالتصحيح لم تظهر بما فيه الكفاية، وقد لا تلتزم بها القيادة الجديدة لفتح، أو السلطة أو المنظمة والرئيس، ولكن من يريد الكفاح من اجل التصحيح، خصوصا لمسار المفاوضات، أصبح لديه سلاح ممثلا بقرارات المؤتمر يمكن أن يستند إليه لكي يواصل كفاحه. الآن بعد المؤتمر لم يعد ينفع الحديث عن المفاوضات كخيار وحيد. وإنما أكد المؤتمر حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة المشروعة بكافة الأشكال، وأن التناقض الرئيس مع الاحتلال، وأن المفاوضات ليست الى الأبد، وأن استئنافها يجب أن يحدث بعد توفير متطلبات وشروط حدوثها.

لم تتحول فتح الى حزب سياسي للسلطة وتتخلى عن البرنامج الوطني الفلسطيني وعن المقاومة بحيث تكون مظلة للمفاوضات القادمة ولأي حل تصفوي يمكن أن تقود إليه. بل أكدت أنها حركة تحرر وأن المرحلة التي مر بها الشعب الفلسطيني تطرح مهمات مزدوجة وطنية ديمقراطية.

وهنا لا يمكن القفز عن ان المؤتمر عكس إرادة التغيير بدليل أن معظم أعضاء اللجنة المركزية من القيادات الجديدة، والغالبية الساحقة من أعضاء المجلس الثوري من القيادات الجديدة والشابة، وهذا يمثل نوعا من العقاب للقيادة التاريخية والقديمة.

صحيح ان التغيير الحادث لم يحدث ثورة بل إن الناجحين يمثلون خليطا متناقضا، ولكنهم يعكسون واقع الأشخاص والتيارات الموجودة داخل فتح.

إن الصعوبة في تقييم نتائج المؤتمر تكمن في أن الاصطفافات والمعسكرات وتصفية الحساب والتكتلات، لم تتم على أساس سياسي وهذه تشكل نقطة الضعف الكبرى. فلم يتم الالتزام بالتحالفات المصلحية الى حد كبير، ما أدى الى حدوث مفاجآت مثل سقوط ابو علاء، أحد قادة فتح وكبار مهندسي المؤتمر.

فالتحالفات الانتخابية شيء، والمواقف الفعلية شيء آخر ومختلف جدا. واللجنة المركزية أمام اختبار لمعرفة حقيقة مواقفها، وهذا الاختبار مدته محددة، لنقل 100 يوم. وهي مدة كافية لمعرفة هل تستطيع أن تقيم مؤسسة فاعلة أم تغرق في تناقضاتها.

إن مستقبل فتح يتوقف الى حد كبير على مدى قدرة اللجنة المركزية والمجلس الثوري على مواجهة التحديات السياسية والتنظيمية والفكرية التي تواجه فتح والشعب الفلسطيني وأهمها:

1ـ مراجعة مسيرة المفاوضات واتفاق اوسلو واستخلاص الدروس والعبر وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، وخصوصا للمقاومة المستمرة بشكل السعي من دونه لا يمكن تحقيق هذا البرنامج والإصرار على أن يلبي أي حل قادم الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

2ـ متابعة التحقيق باغتيال ياسر عرفات بكل جدية والى آخر مدى.

3ـ السعي الجاد لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة وعزل الأشخاص والتيارات التي تدعو لاعتبار الانقسام خيارا مفضلا بذرائع مختلفة.

4ـ إعادة بناء البنية التنظيمية لفتح بحيث تعقد مؤتمرها بانتظام، بمشاركة أعضاء منتخبين، وبصورة تنهي التقاليد الغريبة مثل انتخاب اللجنة المركزية والمجلس الثوري في نفس الوقت وحرمان الذي يسقط في انتخابات اللجنة المركزية من التنافس على عضوية المجلس الثوري، إن معظم الذين سقطوا في انتخابات اللجنة المركزية كانوا سينجحون في انتخابات المجلس الثوري، والآن أصبحوا خارج الهيئات القيادية، الأصل أن المؤتمر ينتخب المجلس الثوري، والمجلس الثوري ينتخب اللجنة المركزية.

5 ـ يجب التفكير بمسألة عقد مؤتمر فتح القادم على عدة حلقات مثلما تفعل الفصائل الأخرى، لمنع تأثير الاحتلال والعوامل الخارجية وتأمين مشاركة تجمعات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه.

6 ـ التنبه الى أن فتح بات يغلب على هيئتها القيادية، وأعضاء المؤتمر أشخاص من الضفة الغربية، وهذه ظاهرة من شأنها أن تحول فتح، إذا لم يتم التوقف عندها، من حركة الشعب الفلسطيني الى حركة لجزء منه، كما انها ظاهرة تضعف التلاحم الوطني والقواسم المشتركة وتنمي النزعات الجهوية والفردية والعائلية، وذلك رغم تقديرنا لمشاركة مئات من أعضاء المؤتمر من الخارج، ولكنهم لم يعكسوا حجم فتح بالشتات ولا أهمية الشتات في الخارطة الفلسطينية، وأهمية مشاركة قطاع غزة التي تمت بشكل خاص بسبب قرار حماس المدان بمنع الأعضاء من غزة من المشاركة.

7 ـ إن الغالبية العظمى من أعضاء المؤتمر من موظفي السلطة والمنظمة والأجهزة الأمنية والمتقاعدين، أي الذين يأخذون راتبا من السلطة، وهذا يحد من حريتهم ومن تمثيل فتح لقطاعات الشعب الفلسطيني المختلفة (رجال الأعمال، المزارعين، المثقفين، الاعلاميين، ورجال الدين والعمال والتجار والصناعيين.. الخ(.

8 ـ لا بد من التحقيق الجاد والمسؤول في كل الاتهامات بالتلاعب والتزوير في صناديق الاقتراع قبل وبعد الفرز، لأن الاتهامات خطرة وإذا لم يتم التحقيق فيها تزيد الشرخ بدلا من تعميق الوحدة. إن عدم وجود انشقاقات جيد جدا، ولكن يمكن ان تعاني فتح من اضمحلال دورها من دون انشقاقات.

إن فتح جزء من فلسطين، وفلسطين تقع في تقاطع اهتمامات ومصالح إسرائيلية وعربية ودولية، بحيث يؤثر العامل الخارجي كثيرا على ما يحدث فيها، وبالتالي مصير فتح يرتبط بمدى قدرتها على التفاعل مع العوامل الخارجية )وخصوصا المبادرات لحل الصراع) بصورة تحفظ الحقوق والمصالح الفلسطينية.

 

مشاركة: