الرئيسية » هاني المصري »   09 حزيران 2007

| | |
تأجيل لقاء أبو مازن- اولمرت: الاعتراف بالخطأ فضيلة
هاني المصري

تم تأجيل اللقاء بين أبو مازن واولمرت لأن اسرائيل رفضت تقديم اي شيء في أريحا، ولأنها تريده اجتماعاً عادياً بروتوكولياً، معتبرة أنه ليس من الضرورة أن يخرج الاجتماع بنتائج. لقد رفضت الحكومة الاسرائيلية، كما صرح وزير الخارجية زياد أبو عمرو تنفيذ المطالب الفلسطينية المتعلقة بالاتفاق على تهدئة شاملة، والافراج عن الاموال والنواب والوزراء المعتقلين، والسماح بالبدء ببناء ميناء غزة. ولكن الدكتور صائب عريقات يقول إنه لم يكن هناك موعد محدد للقاء، وعلى أن موضوع الاجتماع أهم من موعده أو مكان عقده. أما نبيل عمرو فقال ان اللقاء تأجل بسبب تعثر التحضيرات التي لم تكن كافية، والامر يحتاج الى مزيد من الاتصالات، بدورها قللت الادارة الاميركية من أهمية إرجاء القمة، لأنها واثقة من انهما سيجتمعان مجدداً، وسيبدآن العمل من أجل حل المشاكل.

حسناً فعل الرئيس بطلبه تأجيل اللقاء، لأنه لا يريد لقاء آخر للتصوير والعلاقات العامة والتضليل عبر الايماء بأن الاتصالات الفلسطينية الاسرائيلية جارية على قدم وساق، وبحجة ان اللقاء وبصرف النظر عن نتائجه، مهم بحد ذاته.

 

أنا شخصياً آمل أن يكون التأجيل بداية مراجعة للسياسة الفلسطينية التي سمحت بعقد لقاءات عبثية تستخدمها اسرائيل أسوأ استخدام للايحاء بأن هناك عملية سلام انطلقت أو على وشك أن تنطلق خلافاً للحقيقة، ومن أجل التغطية على سياسة فرض الحقائق التي تمارسها الحكومة الاسرائيلية على الارض والتي تجعل مع فجر كل يوم جديد، الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عملياً، ان اللقاءات نصف الشهرية، كما نذكر جميعاً، هي الثمرة الوحيدة التي خرجت بها رايس من كل زياراتها وجولاتها المكوكية، بعد ان عجزت عن فتح أي أفق سياسي وعدت بأنها ستحققه، وبعد هذا "الانجاز الرائع" الذي حققته الغت زيارتها المقررة للمنطقة ولم تحدد موعداً جديداً، في إشارة بالغة الدلالة، إلى أن إدارة البيت الابيض لا تريد ممارسة أي ضغط على حكومة اولمرت للموافقة على فتح أفق سياسي حتى بالحدود الضيقة التي ارادتها رايس وهي أقل كثيراً من فتح أفق سياسي حقيقي قادر على إنهاء الاحتلال.

لقد كانت اللقاءات الفلسطينية- الاسرائيلية التي عقدها أبو مازن واولمرت بمجملها دون جدوى، أو مضيعة للوقت، وعبثية، ولم تخرج بشيء سوى الاتفاق على تمديد ساعات العمل في معبر "كارني". لقد رفض اولمرت في هذه اللقاءات تحقيق أي مطلب فلسطيني، ليس فقط في عدم فتح أفق سياسي، والتفاوض على قضايا الوضع الدائم، ورفض إزالة أي حاجز، وإطلاق سراح أي معتقل، كما رفض التهدئة الشاملة المتبادلة والمتزامنة وواصل العدوان العسكري بكل أشكاله، ورفض إزالة الحصار السياسي والمالي وتحسين حركة ومرور الافراد والبضائع على المعابر سواء بين الضفة وغزة أو بينهما والخارج، كما رفض الافراج عن الاموال الفلسطينية المحتجزة باستثناء الـ 001 مليون دولار التي أفرج عنها في وقت سابق على الاتفاق على اللقاءات المنتظمة، وغضبت حكومة اسرائيل على الرئاسة، لأنها صرفت هذه الاموال بطريقة اغضبت اسرائيل وخلافاً لما اتفق عليه.

لا أبالغ في القول ان اللقاءات العبثية هي الوجه الاخر للصواريخ العبثية، بل انها تعطي شرعية ما لهذه الطريقة من المقاومة التي تدفع الصراع الى معارك فاصلة والفلسطينيون غير مستعدين لها، وتضعهم في زواية حرجة، بحيث يبدون بلا حيلة ولا خيارات حقيقية، ويقومون بما يسهل على الاحتلال ضربهم بأقوى قوة وبأقل الخسائر وبتفهم دولي، ما لاحظنا في البيان الذي أصدرته اللجنة الرباعية الدولية مؤخراً، والذي طالب الضحية بوقف إطلاق الصواريخ، بينما طالب الجلاد بترشيد "دفاعه عن النفس" من خلال عدم استهداف المدنيين.

ان اللقاءات الفلسطينية- الاسرائيلية التي لا تستطيع أن تفتح افقاً سياسياً، ولا أن تؤدي الى تحسين ظروف الحياة المعيشية والاقتصادية، ولا تستطيع أن تفتح أفقا أمنياً، مضيعة للوقت ويجب الاقلاع عنها، لكي يظهر أمام العالم كله، بما في ذلك أمام الاسرائيليين ان هناك أزمة حقيقية وأنها تتجه نحو الانفجار، حتى يتم التحرك الجاد لحلها، ومنع الانفجار الكبير.

ومن يرفض هذا الرأي، او حتى يشكك به عليه ان يعود للاطلاع على الشكوى المرة (نعم الشكوى) التي قدمها الجنرال الاميركي دايتون صاحب الخطة الامنية الاميركية التي تدعى "اختبارات التنفيذ" في شهادته منذ ايام أمام الكونغرس، حيث قال ان الحكومة الاسرائيلية لا تريد فتح أفق امني، وأنها تبالغ في مخاوفها الامنية، ومما يمكن أن يحدث فيما لو تم تطبيق خطته المذكورة. والجدير بالذكر أن خطة دايتون تقوم على مقايضة الامن الاسرائيلي بالاقتصاد الفلسطيني، وتتضمن إزالة حواجز مقابل وقف اطلاق الصواريخ والمقاومة ومع ذلك رفضتها اسرائيل لدرجة أنها لم تعد مطروحة فعليا عبر طاولة البحث والمفاوضات.

ان القيادة الفلسطينية، ارتكبت خطاً فادحاً بالموافقة اصلا على عقد لقاءات على مستوى القمة دون ضمان نتائجها وفي الوقت الذي يتواصل فيه العدوان العسكري بكل أشكاله والاستيطان والجدار وعزل القدس وتهويدها، وتقطيع أوصال الضفة وعزلها عن غزة، وتحويل غزة الى سجن كبير والحجج التي سيقت لتبرير عقد اللقاءات أنها تضع حكومة اولمرت على المحك وتعريها أمام العالم إذا لم تقدم شيئاً ولا تحمل الطرف الفلسطيني المسؤولية عما يجعله يحوز على رضى العالم وخصوصاً رضى الولايات المتحدة الاميركية التي ارادت عقد هذه اللقاءات بقوة والحاح.

ولكن بعد عقد سلسلة من اللقاءات، واتضاح انها ضارة وليست فقط لا تحقق شيئاً فإن الاعتراف بالخطأ فضيلة، والتراجع عن الخطأ او تصويبه فضيلة أكبر، والعناد كفر. وهذا يكون من خلال موقف فلسطيني يعلن أن الرئيس لا يمكن ان يذهب مجدداً للقاء اولمرت دون ضمان نتائج ملموسة من اللقاء قبل عقده. وان الرئيس لن يلتقي اولمرت واسرائيل تقتل وتقصف وتعتقل وتداهم وتقتحم يومياً في الضفة وغزة، وبينما النواب وراء القضبان بمن فيهم رئيس المجلس المجلس التشريعي، وبعض الوزراء الحاليين والسابقين في السجن. وبينما جزء من الوزراء في غزة بمن فيه رئيس الحكومة مهدد بالاغتيال. فاللقاء في مثل هذه الظروف دون ضمان نتائجه، علامة ضعف كبرى، يمكن ان يستغلها اولمرت اسوأ استغلال.

صدقوني هناك طريق آخر... طريق قادر على ايصالنا الى الانتصار... الى الحرية والعودة والاستقلال، وبعيداً عن اللقاءات والصواريخ العبثية.

 

مشاركة: