الرئيسية » هاني المصري »   04 أيلول 2007

| | |
قانون الانتخابات بين الحق والحكمة
هاني المصري

 

بعد بعض التردد، وتحت الغبار الذي أثارته النقمة العارمة على الاعتداءات التي قامت بها القوة التنفيذية في غزة ضد الحريات الفردية والعامة التي وصلت الى حد مهاجمة المسيرات والصحافيين بعد صلاة الجمعة للأسبوع الثاني على التوالي، أصدر الرئيس مرسوماً حول الانتخابات يقضي بأن تجري على أساس القوائم والتمثيل النسبي الكامل، وبحيث يلتزم كافة المرشحين بالمنظمة وإعلان الاستقلال والقانون الأساسي. لم يحدد المرسوم موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ما يشكل بارقة أمل أو إبقاء لشعرة معاوية مع حماس، ولكن مع تأكيد احتفاظ الرئيس بحق إجراء الانتخابات خلال مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر قبل تاريخ انتهاء مدة ولايته أو انتهاء مدة ولاية المجلس التشريعي.


ورحبت فصائل م. ت. ف بالمرسوم الذي له قوة القانون، بينما رفضته حركة حماس لأنه ـ على حد زعمها ـ غير قانوني على أساس أن الرئيس ليست لديه صلاحية إقرار قوانين أو تعديل قوانين إلا بموافقة المجلس التشريعي. ورغم اعتراض حماس إلا أن معظم القانونيين يقرون بقانونية حق الرئيس بإصدار مراسيم لها قوة القانون وفقاً للمادة 43 من القانون الأساسي التي تجيز للرئيس إصدار مراسيم لها قوة القانون ما دام المجلس التشريعي في حالة عدم انعقاد لجلساته. مع التأكيد على حق المجلس التشريعي بالموافقة أو الرفض لهذه المراسيم عند انعقاد أول جلسة له.

الأمر شبه المؤكد أن المجلس التشريعي لا يستطيع عقد جلسة في حالة استمرار حالة الانقسام، التي تجعل كل طرف وحده عاجزاً عن توفير النصاب اللازم لانعقاد جلسات المجلس التشريعي. هذه المعادلة قد تتغير إذا قامت إسرائيل بإطلاق سراح النواب المعتقلين والذين في غالبيتهم الساحقة ينتمون لكتلة التغيير والإصلاح الموالية لحركة حماس.

وعلى أهمية المسألة القانونية، إلا أن مسألة إقرار قانون الانتخابات في ظل الانقسام وتحت الاحتلال، وما يمكن أن تؤدي إليه هذه الخطوة من تكريس الانقسام، مسألة سياسية من الدرجة الأولى ويجب أن تجد حلاً لها على المستوى السياسي.

إن إقرار قانون الانتخابات في هذا التوقيت بالذات يلقي ظلالاً من الشك في أنه يصب في صالح فريق ويضعف الفريق الآخر ويقصيه. لقد قلنا سابقاً، إن من غير الحكمة أن تشكل حماس الحكومة العاشرة بمفردها رغم حقها القانوني في ذلك، نظراً لفوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وذلك ما دامت غير مستعدة للموافقة على التزامات السلطة التي تشكل أحد مصادر شرعيتها.

ونقول الآن، إن من غير الحكمة إصدار قانون للانتخابات دون وفاق وطني رغم قانونية هذا الإجراء، خصوصاً أن إجراء انتخابات مبكرة غير مطروح حتى الآن، وقفزة في المجهول، وإذا حدثت لا يعلم إلا الله ما هي عواقبها.

إن الأمر الحاسم، هو محاكمة أي إجراء على أساس مدى قدرته على تعزيز فرض إجراء الانتخابات، لأن الانتخابات المتوافق عليها، تكاد تكون المخرج الوحيد من حالة الانقسام كونها تمثل احتكاماً للشعب (مصدر السلطات)، وأعظم من كل القيادات والأحزاب.

وما يزيد الأمر تعقيداً على تعقيد أن المرسوم يتضمن اعتماد نظام التمثيل النسبي، ويشترط على المرشحين الالتزام بالمنظمة وإعلان الاستقلال وأحكام القانون الأساسي. وهذا الأمر رغم صحته ووجاهته إلا أنه جاء متأخراً، فضلاً عن أنه يعطي صبغة سياسية للمرسوم. فهو يصب لصالح فتح والأحزاب المتحالفة معها والقريبة منها ويأتي على حساب حماس. كيف ذلك؟ كما هو معروف فقد حصلت حماس على 74 مقعداً في الانتخابات التشريعية، منها 45 مقعداً من المقاعد المخصصة للدوائر الفردية و 29 مقعداً من الدوائر المخصصة للقوائم. وهذا يعني أن حماس استفادت كثيراً من النظام المختلط لأنها حصلت في نظام الدوائر الفردية على مقاعد أكثر بكثير مما يتناسب مع حجمها بالمقارنة مع نسبة الأصوات التي حصلت عليها. فالفرق في المقاعد في نظام التمثيل النسبي بين فتح وحماس كان مقعداً واحداً لصالح حماس أما في الدوائر فالفارق كبير للغاية وهو الذي أعطى حماس الأغلبية الكبيرة التي حصلت عليها.

وإذا تركنا مسألة التوقيت وتوظيف القانون الانتخابي سياسياً جانباً، فإن التجربة أثبتت أن نظام التمثيل النسبي الكامل أفضل كثيراً بالمقارنة مع النظام المختلط لأنه يرسخ وحدة الشعب والقضية ويعلي من أهمية الأحزاب والبرامج والمصلحة العامة على حساب المصلحة الخاصة والفردية والجهوية والعائلية والعشائرية، التي تظهر بأقوى أشكالها عند اعتماد نظام الدوائر الفردية.

وتبقى نقطة في منتهى الأهمية، وهي ضرورة الاتفاق والوفاق على المرجعية وقواعد اللعبة الديمقراطية وأسس حماية الهوية الوطنية والنظام الديمقراطي والمشروع الوطني، كشرط للاشتراك في الانتخابات، حتى لا تستخدم الانتخابات منصة لسيطرة حزب أو تيار متهافت أو استبدادي يفرط بالقضية والحقوق أو لا يؤمن بالشراكة والتعددية والتنافس الشريف، ولا بحل الخلافات والنزاعات الداخلية بصورة سلمية ديمقراطية.

فلا يمكن خوض الانتخابات في أي بلد من البلدان إذا كانت الاحزاب المشاركة فيها تختلف على كل شيء على الهوية والحقوق وأشكال النضال والتحالفات والمراحل. إن الانتخابات في ظل عدم الاتفاق على المرجعية وقواعد اللعبة والأسس الديمقراطية تؤدي الى الفوضى والدمار والاحتراب. وإذا كان هذا قد حصل في العام 2006 حيث جرت الانتخابات التشريعية دون اتفاق وطني عام، فإن هذا لا يجب أن يحدث مرة أخرى. ولكن الاتفاق الوطني يجب أن يكون بالحوار وليس بفرض الآراء بقوة الأمر الواقع والمراسيم، فلا يمكن إعادة عقارب التاريخ الى الوراء. ولا تفصيل القوانين والديمقراطية على مقاس فصيل واحد.

إن الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني، وأرضه ونصفه تحت الاحتلال، وأي شرعية انتخابية تبقى ناقصة ما لم تكن شرعية شعبية مستمدة من إرادة الشعب في مقاومة الاحتلال، وبحيث تكون جزءاً من العمل في سياق يهدف الى انهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

وإذا لم يحدث الوفاق الوطني، يستطيع كل حزب أو اتجاه ان ينصب نفسه وصياً على الوطنية أو الدين أو المقاومة أو يدعي احتكار الحقيقة، وإعطاء نفسه حقاً وشرعية يعتبرها أعلى وأعظم من شرعية صناديق الاقتراع. إن مفهوم الشرعية في فلسطين يتداخل مع مقاومة الاحتلال والنضال لدحره، فلا شرعية ولا حرية ولا إصلاح ولا ديمقراطية تحت الاحتلال.

 

مشاركة: