الرئيسية » هاني المصري »   21 آذار 2009

| | |
تسويق الاتفاق قبل التوصل إليه والتوقيع عليه
هاني المصري

عدت من القاهرة بعد المشاركة في لجان الحوار متفائلا بحذر، خلافا للعادة، ولكنني منذ رحلة العودة وحتى الآن، اضع يدي على قلبي خشية ان تؤثر زيارة الوزير عمر سليمان الى واشنطن سلبيا على الحوار، فهي تمت قبل التوصل الى اتفاق، وبعد ان قطع الحوار شوطا كبيرا بالاتفاق على قضايا اجراء الانتخابات وتوحيد الاجهزة الامنية والمصالحة الوطنية واصلاح منظمة التحرير وتسمية الحكومة وتحديد مهماتها، لدرجة ان الاتفاق اصبح في متناول اليد، لأن قضايا الخلاف المتبقية وهي برنامج الحكومة وقانون الانتخابات والمرجعية المؤقتة للمنظمة توجد صيغ لحلها.

سبب قلقي ان الاصل في الأمور ان يتم التوصل الى الاتفاق وتوقيعه قبل الشروع بتسويقه، لان تسويقه قبل ذلك ينطوي على مخاطرة كونه يمثل محاولة لالقاء المسؤولية الفلسطينية عن عقد الاتفاق الى الادارة الاميركية، الامر الذي من شأنه تعطيله من خلال وضع الشروط على الاتفاق.

 

من المبكر الحكم النهائي على نتيجة حوار القاهرة، لان العبرة في النهاية، وفي الاجابة على سؤال: هل سنشهد قريبا حفلا لتوقيع الاتفاق وطي صفحة الانقسام السوداء الدامية في التاريخ الفلسطيني؟

ام ان الحوار سينهار بسبب الخلاف على الشروط الاسرائيلية الاميركية، وهل سترد عبارة تتحدث عن التزام الحكومة القادمة بالتزامات المنظمة ام لا ؟

عاد الوزير عمر سليمان من زيارته الى القاهرة، في زيارة من أهدافها تليين موقف الإدارة الأميركية من أية حكومة فلسطينية قادمة. والأنباء الأولية متضاربة عن نتائج الزيارة. فمن جهة أكدت الإدارة الأميركية انها لا تزال ملتزمة بموقف إدارة بوش السابقة، والذي يقضي بضرورة موافقة أية حكومة فلسطينية على التزامات منظمة التحرير وشروط الرباعية بشكل واضح لا يحتمل الغموض. ومن جهة أخرى أكدت مصادر مطلعة أن جورج ميتشل أكد لسليمان أن إدارة اوباما ستتعامل مع حكومة توافقيه ترأسها شخصية وطنية مستقلة، وهناك مصادر أخرى توقعت أن تتعامل الإدارة الأميركية مع الحكومة الفلسطينية القادمة مثلما تعاملت مع الحكومة اللبنانية بينما قاطعت وزراء حزب الله فيها. اذا كان الموقف الأميركي هو الاستمرار بالتمسك بالشروط الإسرائيلية فمن شأنه أن يوجه ضربة قوية جدا، وربما قاضية للحوار الفلسطيني الذي قطع شوطا هاما نحو الاتفاق بعد عشرة أيام من الحوار الشاق.

المخرج: حكومة تلتزم بالشرعية الدولية ومرجعيتها م.ت.ف

الرئيس عباس وحركة فتح وفصائل أخرى في م.ت.ف يصرون على ضرورة التزام الحكومة التوافقية بالتزامات م.ت.ف. وحركة حماس ومعها الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وغيرها يرفضون ويطالبون بالاختيار بين خيارين: الخيار الأول تشكيل حكومة وفاق وطني لا تلتزم بأي برنامج سياسي لأنها حكومة انتقالية مؤقتة ستكلف بتنفيذ مهمات محددة أبرزها فك الحصار والتهدئة وإعادة الاعمار وإعادة توحيد شطري الوطن في الضفة وقطاع غزة، والتحضير لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في مدة أقصاها 25/1/2010. ويتضمن هذا الخيار أن الحكومة ستكون مختلطة وتضم شخصيات وطنية مستقلة أساسا، ووزراء يمثلون الفصائل أو تسميهم الفصائل.

الخيار الثاني: تشكيل حكومة وفاق وطني يكون هناك مرونة في شكلها شرط ان تلتزم ببرنامج حكومة الوحدة الوطنية التي شكلت إثر التوقيع على اتفاق مكة والذي ينص على احترام الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير مع اسرائيل ولا يتضمن الالتزام بهذه الاتفاقيات.

هناك صيغ أخرى يمكن الاتفاق عليها مثل:

ـ أن ينص برنامج الحكومة على الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وعلى احترام برنامج م.ت.ف واعتبارها المرجعية العليا للسلطة والحكومة.

ـ أو أن ينص على أن الحكومة تلتزم بالتزامات الحكومات السابقة، انسجاما مع مبدأ الاستمرارية في القانون الدولي، الذي يلزم كل حكومة قادمة بالالتزام بالالتزامات التي عقدتها الحكومات السابقة، مع حقها في مراجعتها أو إلغائها إذا أرادت، بما لا يتعارض مع التزامات م.ت.ف.

وإذا اختارت الإدارة الأميركية الجديدة، أن تفرض شروطا ظالمة أحادية على الحكومة الفلسطينية في نفس الوقت الذي اختارت أن تعترف وتتعامل مع أية حكومة إسرائيلية قادمة، بعد الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، رغم أن هذه الانتخابات فاز فيها اليمين واليمين المتطرف، وهو سيشكل حكومة بمفرده أو سيشارك في حكومة ويمنعها من الالتزام بالاتفاقات التي عقدتها اسرائيل مع المنظمة، فهذا يعني أن سياسة الكيل بمكيالين مستمرة عند الولايات المتحدة الأميركية مما سيحرجها بعد أن جاء اوباما حاملا شعار التغيير، لدرجة انه دعا للحوار مع ايران التي تعتبر "دولة ارهابية مارقة".

إن كل مراقب له عينان يمكنهما الإبصار، يستطيع أن يرى أن الحكومات الإسرائيلية منذ مجيء حكومة نتنياهو الأولى عام 1996، وحتى الآن تجاوزت اتفاق أوسلو وملحقاته كليا، بدليل أنها أعادت احتلال الضفة، وفرضت الحصار والعدوان على غزة. اسرائيل الآن لا تريد من اتفاق أوسلو سوى تطبيق الجانب الفلسطيني لالتزاماته فيه. ان السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تستمر المنظمة، وكيف نطالب الحكومة القادمة بالالتزام باتفاقيات لم تعد اسرائيل تلتزم بها؟ أنا لا أطالب بإلغاء الاتفاقيات حتى لا يتحمل الفلسطينيون وزر قتلها، وهي جريمة ارتكبتها اسرائيل، ولكن على الأقل فلتضع القيادة الفلسطينية شرطا على اسرائيل هو التزامها قولا وعملا بالاتفاقيات الموقعة، قبل أن تستمر بالالتزام بها من جانب واحد.

إن الحاجة الآن باتت ماسة لبلورة برنامج وطني جديد قادر على توحيد الفلسطينيين بصورة تجعلهم قادرين على تحقيق أهدافهم بالحرية والعودة والاستقلال، من خلال الكفاح حتى يفرضوا التوقيع على اتفاق جديد يضمن هذه الحقوق ويتجاوز الشروط المجحفة التي تضمنها اتفاق اوسلو.

تدويل الحوار يقلل من فرص نجاحه

كان الأصل في الأمور، ومن المفضل أن يتوصل الفلسطينيون برعاية مصرية الى اتفاق، ثم يحصلوا على تأييد عربي له، ثم يقوموا بتسويقه دوليا، وهذا يتطلب وضع العالم أمام أمر واقع يفيد أن هذا ما يجمع عليه الفلسطينيون والعرب، وعلى العالم أن يقبل اختيارهم، أما أن نفصل برنامج الحكومة على مقاس الرغبات والمواقف الأميركية أو الدولية، فهذا يضع الفيتو في يد الإدارة الأميركية واوروبا، ويجعلهما طرفين مشاركين بالحوار وفي موقع الطرف القادر على فرض الشروط، ولن تتردد الإدارة الأميركية تحديدا في الاستفادة من هذا الموقع، لأن عدم الاستفادة سيجعلها تخوض معركة مبكرة مع اسرائيل، وهي تحاول أن تؤجلها، رغم أن المشاورات التي يجريها نتنياهو زعيم الليكود لتشكيل الحكومة لم تنته حتى الآن، وهو رغم سيره على طريق تشكيل حكومة يمينية ضيقة، لكن عينه وآماله لا تزال على تشكيل حكومة واسعة يشارك بها حزبا كاديما والعمل أو أحدهما على الأقل، لأنها حكومة قادرة على الصمود مدة أطول من حكومة يمينية، ويمكن أن تسوق بشكل أسهل عربيا ودوليا وأميركيا.

حكومة تحظى بثقة الشعب الفلسطيني

الكرة الآن في الملعب الفلسطيني. فهل يتوصل الفلسطينيون لصيغة تستجيب للمصلحة الفلسطينية أولا وأساسا وقبل أي شيء آخر؟ بحيث يشكلون حكومة تحظى بثقة الشعب الفلسطيني ثم يقومون بتسويقها بعد ذلك من خلال العمل على كسر الحصار ومنع عودة المقاطعة الدولية في ظل شبكة أمان عربية تجعلها قادرة على الصمود هذه المرة إذا تعرضت لحصار. فمصر تريد الاتفاق وحاولت وستحاول تليين الموقف الأميركي من الحكومة الفلسطينية. وهناك أجواء مصالحة عربية عشية مؤتمر القمة العربية في الدوحة. صحيح أن برنامج حكومة الوحدة الوطنية عام 2007 لم ينجح، ونحن بحاجة الى صيغة أخرى، ولكن يمكن أن تكون أعلى منه وأقل من صيغة إقرار الالتزامات، وهي يمكن أن تمر لأن الحكومة مؤقتة وانتقالية لا تحتاج الى برنامج سياسي، وهي مشكلة أساسا من شخصيات وطنية مستقلة، والوضع العربي والإقليمي والدولي الآن أفضل عما كان عليه عام 2007، وخصوصا بعد أن فشلت سياسة المقاطعة والحصار والعدوان في اسقاط حكم "حماس" أو في إضعافها. كما أن اسرائيل الآن أضعف مما كانت عليه لأنها لم تنتصر في حربيها ضد لبنان وغزة، وهذا مفترض أن يجعلها ليس الطرف القادر على فرض الشروط، كما اننا امام انهيار المفاوضات وفشلها، فلا يوجد حل على الابواب نخشى من ضياعه.

الوضع الان حرج، فعندما تحاور الفلسطينيون في القاهرة كادوا أن يتوصلوا خلال أيام الى اتفاق لم يمنع إبرامه كليا سوى السعي لتسويقه قبل التوقيع عليه، وعليهم ان يواصلوا طريقهم حتى توقيع الاتفاق.

فلتفكر كل الأطراف بعواقب عدم التوقيع على اتفاق وطني ينهي الانقسام ويستعيد الوحدة في ظل اتجاه اسرائيل نحو المزيد من التطرف والعدوانية والتوسعية والعنصرية.

فلتفكر كل الأطراف بأن استمرار الانقسام لن يبقي الأمور السيئة على حالها بل سيفاقم الوضع أكثر وأكثر، فالانقسام المؤقت سيتحول الى انفصال دائم. والانفصال الدائم يمكن أن يؤدي الى سلطتين واقعتين تحت ابتزاز الاحتلال وتسعيان لحل أمني معه، وتفرقان في تأكيد أحقية وشرعية كل منهما من خلال محاربة السلطة الأخرى.

ليتذكر الجميع أن "حماس" لو أرادت الموافقة على الاتفاقيات والالتزامات كانت ستدق باب الأميركيين والإسرائيليين مباشرة دون واسطة لكي تبيعهم هذا الموقف، وتحصل على ثمن كبير مقابله، يمكن أن يشمل إعطاء الضوء الأخضر لها لتشكيل حكومة بمفردها، إذا أرادت، اعتمادا على الأغلبية التي تملكها في المجلس التشريعي.

إن الانقسام يشجع الاحتلال على المضي بسرعة أكبر لتطبيق مشاريعه التوسعية والعنصرية والاستيطانية خصوصا لاستكمال تهويد القدس وطرد سكانها العرب الفلسطينيين.

كما إن الانقسام يشجع الاحتلال على شن عدوان عسكري آخر على قطاع غزة لتحقيق ما عجزت عملية "الرصاص المصهور" عن تحقيقه.

إن استمرار الانقسام، وهذا هو الأخطر من كل ما تقدم، سيمكن اسرائيل من القضاء على القضية الفلسطينية وسيؤدي الى ضياع المشروع الوطني، والى معاناة أكبر للإنسان الفلسطيني.

فكروا مليون مرة في كل ذلك، قبل أن ينهار الحوار بعد أن كاد ينجح نجاحا مبهرا.

فكروا مليون مرة، قبل أن ينهار الاتفاق، لماذا؟؟؟ لأن الفلسطينيين لم يتفقوا على برنامج للحكومة القادمة يلتزم بالتزامات المنظمة التي لا تلتزم بها اسرائيل!!

لو توفرت الإرادة الوطنية اللازمة عند كل الأطراف، لانحازوا لوحدتهم رغم كل شيء، واختاروا تشكيل حكومة منسجمة مع الشرعية الدولية على أساس برنامج وطني ديمقراطي يستجيب للمصلحة والأهداف الفلسطينية اولا واساسا ومستعد لفرضه على العالم كله، برنامج يسعى لإنهاء الحصار ولا يكون مفصلا على إنهاء الحصار

 

 

مشاركة: