الرئيسية » هاني المصري »   13 تشرين الأول 2009

| | |
فضيحة غولدستون بين المكابرة والمقامرة (1 – 2)
هاني المصري

 

مساء الأحد استمعنا الى خطابين: الأول ألقاه الرئيس ابو مازن، والثاني ألقاه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. سنقف أمام الخطابين.

بعد طول انتظار ألقى الرئيس ابو مازن خطاباً وضح فيه موقفه من تداعيات تقرير غولدستون.

قال أبو مازن إن القيادة الفلسطينية تمتلك الشجاعة لتحمل مسؤولياتها إذا ثبت أن هناك خطأ قد ارتكب في تأجيل التصويت على تقرير غولدستون.

نسأل الرئيس:

إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا قررت القيادة الفلسطينية بعد عدة أيام إرسال وزير الخارجية الى نيويورك لدعم الطلب الليبي بعرض التقرير على مجلس الأمن؟

إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا قرر الرئيس تكليف السفير الفلسطيني في جنيف بإعادة طرح التقرير على مجلس حقوق الإنسان، بعد مضي أسبوع على فضيحة التأجيل؟

إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا شكل الرئيس لجنة للتحقيق لتحديد الملابسات والمسؤولية؟

إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا نشهد إجماعاً فلسطينياً، لم يسبق له مثيل، منذ فترة طويلة، على انتقاد التأجيل. فقد عارض هذا القرار اللجنة المركزية لحركة فتح وكافة فصائل م.ت.ف وحركة حماس والفصائل المقيمة في دمشق وكافة منظمات وفعاليات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. حتى أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة ياسر عبد ربه اعتبر أن هناك خطأ ويجب تجاوزه.

العذر الذي يقدم، لعدم الاعتراف بالخطأ، أو لتأجيل الاعتراف بالخطأ، أكبر من ذنب، وهو وجود توافق عربي إسلامي دولي على التأجيل، وضرورة الحصول على دعم أكبر للتقرير عند عرضه على المصادقة في مجلس حقوق الإنسان. هذا مع العلم أن الأغلبية اللازمة لإقرار التقرير كانت متوفرة.

هل حصلنا الآن، وبعد مرور عدة أيام فقط على دعم أكبر للتقرير؟ هل أصبح وضعنا الآن أفضل بعد وقوع ضرر فادح على كل المستويات والأصعدة؟

هل تم استخلاص الدروس والعبر من الخطأ - الفضيحة؟

لا.

الدليل أن الهرولة لإعادة طرحه تمت بدون دراسة وتمحيص ما يدل على استمرار التخبط والارتجالية التي ميزت التعامل الفلسطيني مع هذا التقرير. يكفي للدلالة على ما سبق أن الاجتماع الأول للجنة التنفيذية عقد بعد أكثر من أسبوع من خطيئة التأجيل.

إن تأييد الطلب الليبي بعرض التقرير على مجلس الأمن والاستعجال بطرحه مجدداً على مجلس حقوق الإنسان ينطوي على قدر كبير من الارتجال، لأنه لم يخضع للدراسة والتقييم والتشاور داخل المؤسسة ومع الخبراء والأصدقاء، ويرجع لأسباب فلسطينية تتعلق بامتصاص حالة الغضب العارمة، وقطع الطريق على محاولة حماس توظيف تقرير غولدستون لخدمة مصالحها وأهدافها بالتأكيد على أنها الأجدر بقيادة الشعب الفلسطيني من قيادة محمود عباس، التي ظهرت ــ كما زعمت حماس ــ من خلال دعم تأجيل التصويت على التقرير غير مؤتمنة وغير جديرة بتمثيل الفلسطينيين.

إن مجلس الأمن، يمكن أن لا يرضى بمناقشة تقرير سبق تأجيله في مجلس حقوق الإنسان. وإذا نوقش لن يصدر بشأنه قرار أو بيان. وإذا أصرت دول عضو بمجلس الأمن على عرضه على التصويت سيكون الفيتو الأميركي له بالمرصاد. وهذا كان يوجب التأني والدراسة قبل الهرولة لتصحيح الخطأ بخطأ.

كما أن مجلس حقوق الإنسان قد يحتاج الى أغلبية نصف زائد واحد أو الثلثين لإعادة نقاش تقرير تم تأجيله منذ أسبوع فقط. إن القرارات بحاجة الى دراسة وليست مجرد ردود أفعال.

كما أن عرض الأمر سابقاً على المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، مباشرة باسم فلسطين جعل المدعي العام لهذه المحكمة يطالب بإثبات أن فلسطين دولة. وهذا يضعنا في موقف حرج، فإذا فشلنا بإثبات أننا دولة وأعلن المدعي العام أننا لسنا دولة نخسر معركة سياسية، كان الأجدى أن يتقدم بالشكوى دولة عضو بمحكمة الجنايات الدولية أو انتظار أن يتحول الأمر من مجلس حقوق الإنسان الى محكمة الجنايات استجابة لأحد التوصيات الواردة في تقرير غولدستون.

أمر آخر، إذا كانت فلسطين قد قدمت طلب التأجيل الى المجموعة العربية والإسلامية ودول عدم الانحياز لتأجيل التصويت على تقرير غولدستون، كما ثبت فعلا من خلال تصريحات السفير الباكستاني والحكومة التركية، واعتراف السفير الفلسطيني نفسه، ومن خلال تصريح السفير الإسرائيلي الذي سارع بإعلان ذلك من شدة الفرحة وتحت تأثير شعوره بالنصر الذي حققته إسرائيل، ما عرضه لتوبيخ من وزير الخارجية الإسرائيلية.

أو حصل توافق فلسطيني عربي إسلامي دولي على التأجيل، فإن هذا لا يعفي القيادة الفلسطينية من المسؤولية. إن قيام بعض القيادات الفلسطينية، وحتى الرئيس نفسه بتبرير قرار التأجيل بأنه ناجم عن توافق أو طلب عربي إسلامي يجعل الفلسطينيين وكأن الآخرين يتصرفون بأمر يخصهم قبل أي شيء آخر. وهذا يشكل نسيانا لشيء مهم جدا، وهو أن الشعب الفلسطيني خاض نضالا طويلا مريرا، وقدم دماً غالياً غزيراً، من أجل أن يأخذ زمام قضيته بنفسه، وأن ينتزع القرار الفلسطيني.

طبعاً هذا لا يعفي أحداً من مسؤوليته عما جرى، لأن قضية تقرير غولدستون قضية إنسانية عالمية أخلاقية، ولا يعفي الدول العربية والإسلامية تحديداً من مسؤوليتها عما جرى. فلولا الضعف والهوان والتبعية العربية لما وصلت فلسطين الى ما وصلت إليه من تدهور في مكانتها ولما تجرأ على شعبها وقيادتها، من يسوى ومن لا يسوى.

أنهي هذه المقالة بقصتين من التاريخ الفلسطيني الحديث.

 

سامحونا

 

في السنوات الأولى على قيام السلطة الوطنية قامت الأجهزة الأمنية باقتحام جامعة النجاح الوطنية في نابلس من اجل القبض على مجموعة من المطلوبين في انتهاك صارخ لحرمة الجامعة.

 

وبعد أيام زار الرئيس الراحل ياسر عرفات جامعة النجاح وقال لرئاستها على مسمع من عدد كبير من الحضور: سامحونا.

 

القائد مطلوب منه أن يقود

 

بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، قرر ياسر عرفات استئناف المفاوضات رغم المجزرة، وهذا سبب نقمة عارمة، ورفضا واسعا لهذا القرار. وأجاب الرئيس لمن قال له أن يسمع نداء الشعب، انه قائد ليقود، ويعمل ما يراه مناسبا وليس ما يراه الشعب، لأن القائد لديه المسؤولية والقدرة على رؤية الصورة من مختلف زواياها، وبعد ذلك يحاسبه الشعب إذا أصاب أو أخطأ.

 

أين نحن من هاتين الصورتين: فلا اعتراف بالخطأ ولا تحمل المسؤولية عن القرار؟

 

في هذا المقال تعرضنا لنموذج من المكابرة. في المقال القادم سنتعرض لنموذج من المقامرة.

 

مشاركة: