الرئيسية » هاني المصري »   02 تشرين الأول 2007

| | |
غصن الزيتون بين سياستين
هاني المصري

 

هناك فارق كبير ومسافة كبيرة، ومياه كثيرة قد جرت منذ إلقاء الرئيس الراحل ياسر عرفات خطابه التاريخي في الامم المتحدة العام 1974 الذي ردد فيه عبارته الشهيرة: جئتكم حاملاً البندقية في يد، وغصن الزيتون في اليد الاخرى، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.. لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.. لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي. وبين العبارة التي رددها الرئيس ابو مازن في خطابه أمام الامم المتحدة والتي جاء فيها: غصن السلام لن يذبل ولن يموت... ولن يسقط ابداً من يدي.


الفارق بين العبارتين، يلخص الاختلاف بين سياستين؛ سياسة تجمع ما بين مد اليد للسلام ومد اليد الاخرى للمقاومة، بحيث تكون المقاومة الورقة الضامنة والضاغطة لتحقيق السلام. فالاحتلال عبر التاريخ، والاحتلال الاسرائيلي الاستيطاني الإجلائي العنصري لا يرحل من تلقاء نفسه إلا عندما يخسر من احتلاله اكثر مما يربح، او عندما يصل الى قناعة بأن الانسحاب سيحقق فوائد اكثر من استمرار الاحتلال.

المفاوضات ليست عصاً سحرية، ولا يستطيع المفاوض مهما كانت عبقريته وبراعته أن يغير في الحقائق القائمة على الارض، بل نتيجة المفاوضات اي مفاوضات، ستعكس بدرجة او بأخرى، ومن الناحية الجوهرية الحقائق القائمة على الارض، ومحصلة المعطيات والعلاقات وموازين القوى والاطراف المؤثرة في الصراع. وما يجري على الارض الآن اذا تم عكسه الى طاولة المفاوضات، وتحول الى اتفاق لإنهاء الصراع، سيعطي نتائج سيئة جداً للفلسطينيين. فما هو قائم على الارض، احتلال واستيطان وجدار وتقطيع أوصال، والفلسطينيون في اسوأ أحوالهم، وحالة العرب لا تسر صديقاً، ومكانة القضية الفلسطينية عالمياً تدهورت، والولايات المتحدة الاميركية تسيطر بشكل احادي على العالم، وخطفت الامم المتحدة بحيث اصبحت الى حد كبير جزءاً من السياسة الخارجية الاميركية، وما هو قائم على الارض محاولة لتجاوز وإلغاء مرجعية وقواعد عملية السلام وفرض مرجعيات جديدة.

لكسر هذه المعادلة وتغييرها، يجب الاحتفاظ بحق الشعب الفلسطيني بالمقاومة بكافة الاشكال التي يقرها القانون الدولي، وبما ينسجم مع مصلحة القضية الفلسطينية وعدالتها وأخلاقيتها. أما الاحتفاظ بغصن الزيتون وإسقاط المقاومة من اليد الاخرى فيجعل الرهان كله على رضى وحسن نية الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل. وهذه سياسة تضع البيض كله في السلة الاميركية الاسرائيلية. واذا لم ينجح الرهان تكون الكارثة والضياع. ان الرهان على عملية السلام التي تقودها الولايات المتحدة رهان خاسر اذا لم يترافق مع الاحتفاظ بأوراق القوة وعلى رأسها المقاومة، ومع الاستعداد لاستخدامها بحيث يمكن استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية والتضامن العالمي مع القضية الفلسطينية وتعزيز عوامل مقومات الصمود والتواجد البشري الفلسطيني على ارض فلسطين، واستخدام مقاومة شعبية مثمرة قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية.

قد يقول قائل، ان عملية السلام لم تأخذ فرصتها لأن المتطرفين الاسرائيليين والفلسطينيين وضعوا العراقيل أمامها ما ادى الى فشلها حتى الآن. وان الفرصة الآن سانحة لنجاحها اكثر من اي وقت مضى، لأن القيادة الفلسطينية تجد في انجاح عملية السلام إكسير الحياة لها، ولأن حكومة اولمرت ستسقط حتماً اذا لم تنطلق عملية السلام.

ورغم اعتراضي على تصوير فشل عملية السلام بأنه يعود للمتطرفين من الطرفين، بل انه اساساً يرجع الى انقلاب حكومات اسرائيل المتعاقبة على اتفاق اوسلو وسعيها لفرض الحل الاسرائيلي بالقوة وعبر الخطوات احادية الجانب او على طاولة المفاوضات، وهذا ما ساعد على تعزيز موقف الرافضين الفلسطينيين لاتفاق اوسلو وعملية السلام. والدلائل على ذلك كثيرة، ان القيادة الفلسطينية رغم تمسكها بالحقوق والاهداف الوطنية ابدت خصوصاً مؤخراً وباستمرار مرونة واسعة وصلت الى حد ملامسة الخطوط الحمر، من خلال القبول بالاستمرار بمفاوضات ثنائية بعيداً عن المرجعيات الدولية وبعيداً عن الأبعاد العربية والاسلامية والدولية. يكفي ان نقول ان الفلسطينيين وصلوا الى حد اعلان التهدئة من طرف واحد، والتفاوض مع اسرائيل بينما يستمر العدوان الاسرائيلي والاستيطان والجدار وتقطيع الاوصال، ووافقوا على مبدأ احتفاظ اسرائيل بالكتل الاستيطانية الكبيرة، وتقسيم القدس ديمغرافياً، وتبادل الاراضي، والتفريق ما بين الاعتراف بالمسؤولية التاريخية عن قضية اللاجئين وما بين حقهم بالعودة وعودتهم فعلاً.

دعاة السلام كخيار وحيد يريدون فرصة اخرى، فلنعطهم هذه الفرصة، ولكن لنتفق انها الفرصة الاخيرة. ولتكن هذه الفرصة هي اجتماع الخريف. فإذا عاد الرئيس ابو مازن من هذا الاجتماع بخفي حنين، سواء ببيان مشترك او اعلان نوايا لا يسمن ولا يغني من جوع ويشكل وهماً جديداً يراد لنا أن نسير خلفه لسنوات قادمة، او اذا فشل اجتماع الخريف حتى بالتوصل الى بيان مشترك، يجب الاعتراف بأن الرهان على عملية السلام دون وحدة وصمود واستعادة البعد العربي والاسلامي والدولي للقضية الفلسطينية ودون مقاومة هو رهان خاسر وسير وراء السراب، ويجب فتح الطريق لسياسة اخرى مختلفة تماماً عن السياسة المعتمدة منذ التوقيع على اتفاق اوسلو وحتى الآن. أما القبول بما تعرضه واشنطن وتل ابيب، بحجة انه الممكن، وإنقاذ ما يمكن انقاذه، فهذا يدل على المكابرة والعناد والعناد كفر.

في الأصل، يجب ان لا نذهب الى اجتماع دولي للسلام دون أن نضمن بأن نحقق مكسباً او ندرأ خطراً، دون أن نضمن بأن نتائجه ستكون جوهرية لصالح التقدم في حل الصراع. ودون أن نتأكد ان مرجعية هذا الاجتماع هي انهاء الاحتلال. ورداً على من يقول اننا يجب أن نذهب في كل الاحوال، لأن صوتنا يجب ان يكون حاضراً في اي محفل يتناول القضية الفلسطينية، وان غيابنا سيسهل تجاوزنا، اقول لا يوجد ما يلزمنا بالذهاب الى اجتماع اذا كنا متأكدين بأنه فاشل، وان فشله يمكن ان يكون كارثة على القضية وشعبها. وهنا علينا ان نتذكر ماذا حدث بعد فشل قمة كامب ديفيد العام .2000 لقد شنت اسرائيل عدواناً شاملاً لا يزال مستمراً حتى الآن، متسلحاً بتأييد اميركي ونص تأييد دولي على خلفية رواج الرواية الاميركية الاسرائيلية بأن الفلسطينيين رفضوا العرض السخي الذي قدمه باراك لهم. وهو لم يكن عرضاً سخياً وإنما محاولة لتصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها، فإذا نجحت اسرائيل بتمريرها تكون قد حققت انتصاراً تاريخياً، واذا فشلت تكون قد أسقطت القناع عن وجه ياسر عرفات، كما كان يردد باراك رئيس الحكومة الاسرائيلية في تلك الفترة. أما ان غيابنا سيعزلنا ويجعل البدائل تتقدم فمردود عليه، لأن الفلسطينيين هم العروس في اجتماع الخريف القادم. واذا لم يذهبوا لن يكون هناك عرس، فلا عرس دون عروس، ولا يوجد بديل فلسطيني للقيادة الفلسطينية، فحماس مرفوضة دولياً ولا يمكن ان تكون بديلاً حتى الآن على الاقل. والدول العربية حتى المعتدلة لا تمارس - مثل السابق - ضغوطاً على الفلسطينيين لحضور اجتماع الخريف في كل الاحوال والظروف، وانما تتمنع وتطالب بتوفير شروط لنجاح المؤتمر، وهذا يعطي الفلسطينيين فرصة لبلورة موقف عربي جماعي يطالب بتوفر شروط او متطلبات محددة للمشاركة الجماعية العربية باجتماع الخريف. واذا لم تتوفر هذه الشروط فلتكن مطالبة عربية بتأجيل المؤتمر، او فلتكن مقاطعة عربية شاملة للاجتماع، وعندها لن يعقد. واذا اصرت القيادة الفلسطينية على حضور "المؤتمر" في كل الظروف، فلتستعد لتحمل العواقب، ولتستعد اذا فشل كما هو مرجح جداً، ان تعتمد سياسة جديدة، او تفسح الطريق لمن هو قادر على اعتماد سياسة جديدة قادرة على النجاح فيما فشلت السياسة الفلسطينية في تحقيقه حتى الآن!!.

مشاركة: