الرئيسية » هاني المصري »   10 أيار 2008

| | |
عيني على لبنان، وقلبي حزين
هاني المصري

 

عيني على لبنان، وقلبي حزين عليه. فلبنان يبدو أنه يمكن أن ينزلق بسرعة، إنْ لم يكن قد انزلق فعلاً، نحو الحرب الأهلية. ولبنان عزيز جداً عليّ، كما هو عزيز على كل فلسطيني وعربي يؤمن بغد أفضل للعرب، غد يمكن أن يتحقق بالحرية والتعددية والديمقراطية.. فلبنان كان واحة الديمقراطية وسط الصحراء العربية.. ولبنان كان الحضن الدافئ للثورة الفلسطينية وكل الأحرار في العرب والعالم كلّه. ولبنان كان الصحافة والفن ومركز الجذب وانطلاق الأفكار والمبادرات والإبداعات.


لكل هذه الأسباب، كان لبنان مستهدفاً بما كانه، ولا يزال مستهدفاً خشية من أن يعود كما كان. وإذا انزلق لبنان نحو الحرب الأهلية، فإنّه لن يخرج منها لفترة طويلة.. وإذا خرج هذه المرّة لن يكون لبنان، وإنما شيئاً آخر، مختلفاً تماماً. وربما يكون أكثر من لبنان. وإذا دخل لبنان الحرب الأهلية، فإنها هذه المرّة ستكون مدمرة ومهلكة أكثر من سابقتها، وذلك بسبب تطور الأسلحة وانتشارها، وتراكم أسباب الخلاف والانشقاق، والحقد والكراهية.. لبنان منذ فترة، يعاني من صراعات المحاور العربية والاقليمية والدولية للسيطرة عليه. فقد خرجت سورية أو أُخرِجت، وأرادت أميركا وفرنسا أن تجعلا لبنان محمية غربية.. وهذا سمح لسورية وإيران أن تتدخلا، فلا يمكن أن تسمح سورية أن يكون لبنان قاعدة للهجوم عليها.. وإيران لا يمكن أن تفرّط في الورقة اللبنانية، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، التي أثبتت أن لبنان ساحة مهمة لا يجب التفريط بها. أصابت لبنان العدوى عن طريق الفيروس الذي تحمله نظريات نشر الفوضى الهدّامة، التي دأبت على نشرها والدعوة إليها أوساط معروفة من المحافظين الجدد، الذين لهم سطوة كبرى على إدارة الرئيس بوش. لم يكن التوقيت مناسباً، رغم الحق الذي يكمن في خلفية القرار، للمساس بشبكة الاتصالات التابعة لحزب الله، ولا بمسؤول أمن المطار، فلبنان كله على كف عفريت، والخطوات التي تريد أن تؤكد السيادة والشرعية، بمقدورها أن تنتظر، لأن الإصرار عليها كان بمثابة صبّ الزيت على النار المشتعلة تحت الرماد، وتنتظر مَن ينكشها لكي يشتد لهيبها.. فالوقت الآن لم يكن وقت الشرعية وهيبتها الضائعة بألف شكل وشكل، وإنما وقت العمل من أجل حماية وحدة الوطن والشعب، وبعد ذلك تأتي مسألة الشرعية.. فلبنان يعاني من الانقسام، وهو بدون رئيس، وأصبح أمام وضع مفتوح على كل الاحتمالات. هذا الأمر جعل الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة اللبنانية المختلف على شرعيتها، الشرارة التي أشعلت أو يمكن أن تشعل السهل كلّه. لذا جاء ردّ المعارضة سريعاً وقوياً، بالدعوة الى الإضراب العمالي، الذي تحوّل بسرعة الى حرب شوارع، الى أحد أن الأكثرية تحذّر من السيطرة على بيروت، ووصفته بأحدث انقلاب تم بقرار إيراني. وجاء موقف حزب الله على لسان زعيمه حسن نصر الله، ليدل على أن الوضع لا يحتمل المزاح، فهو عملياً خيّر الحكومة بين الاستقالة فوراً أو عودتها عن قراراتها الأخيرة، والجلوس إلى طاولة الحوار. وحذّر بأن التعرض للسلاح سيقاوم بالسلاح، وأن اليد التي ستمتد للاعتداء على المعارضة ستُقطَع. وإذا تمعنا بالموقف كله، نجد أن الحل يكمن بكل بساطة بما يلي: أولاً: الاعتراف بأن لبنان لبجميع ابنائه وطوائفه وأحزابه، وليس حكراً على أحد، وأن الغبن يجب ان يزال. فليس من حق احد او طائفة او ائتلاف سياسي ان يحتكر او ينفرد بحكم او تمثيل لبنان. وليس من حق المعارضة أن تفرض رأيها على الحكومة كذلك. ثانياً: الاعتراف بأن لا أحد وحده يملك الشرعية الكافية أو الأغلبية اللازمة، وأن الأمر بحاجة الى الذهاب لانتخابات كجزء من اتفاق متكامل يظهر بعدها مَن الذي له الأغلبية ومَن الأقلية. وإذا تم الاعتراف بهذين الأمرين، ستتوصل الموالاة والمعارضة بسرعة، إلى أن الواحدة منهما غير قادرة على فرض شروطها كاملة على الأخرى. لأن لكل منها قوته وحجمها الواسع من التأييد. ولم يهزم طرف الطرف الآخر هزيمة ساحقة. وإذا توفرت هذه القناعة سيتم فتح طريق المصالحة على أساس مساومة، من الطبيعي أن يحاول كل طرف فيها ومن خلالها، أن يحقق أكبر قدر من مطالبه، ولكن لن يحصل أحد منهما على كل مطالبه. وإذا فكّر أحد أنه يستطيع عن طريق الحسم العسكري والانقلاب، أن يحقق مطالبه، عليه أن يعيد حساباته قبل فوات الأوان، وعليه أن ينظر لما حدث في العراق، ولما يحدث في فلسطين. فالانقلاب لم يحلّ المشكلة، بل زادها تعقيداً، وأوصلها الى حدّ الانقسام السياسي والجغرافي. وإذا تذكرنا أن هناك مَن يفكر بتقسيم لبنان الى طوائف ومناطق ومذاهب، حتى لا تقوم له قائمة، وربما يتحول الى أكثر من لبنان، ندرك خطورة اللعب بالسلاح، لأنه نوع من اللعب بالنار، التي إذا هبّت من الصعب وقف انتشارها، أو التحكم بنتائجها. على اللبنانيين والفلسطينيين وكل العرب، أن ينظروا الى ما جرى ويجري في العراق، فالهدف لم يكن نظام صدام حسين، وإلاّ لماذا حلّوا الجيش العراقي، وإنما الهدف كان ولا يزال العراق، ولكي لا يبقى بلداً فاعلاً موحداً وقوياً وقادراً على التأثير في مجريات وأحداث المنطقة. وحتى لا يستطيع العراق التأثير على النفط، انتاجاً وتسويقاً وسعراً، ولا التأثير على إسرائيل ودورها في المنطقة. فإسرائيل تخطط بدعم أميركي، للعب دور الدولة المركزية المهيمنة على المنطقة. والعراق كان يهدد هذا المخطط. وإذا استطاعوا احتلال العراق وتفتيته، من خلال تشجيع الحروب الداخلية فيه. فهناك أكثر من حرب تجري في العراق، لا تقتصر على حرب المقاومة على الاحتلال الأميركي.. فهناك حرب سنية - سنية، وحرب شيعية - شيعية، وحرب سنية - شيعية، وبوادر حرب كردية - كردية، ولكن السحر انقلب على الساحر.. وبدلاً من العراق جاءت إيران وأخذت تتقدم على طريق لعب دور اقليمي مرشح لمنافسة، بل القضاء على الدور الاسرائيلي أو اقتسام المنطقة معه.. فالتخلص من نظام صدام حسين لم يخلق عراقاً موالياً للولايات المتحدة الأميركية، وإنما عراقاً محطماً منقسماً، الحصّة الأكبر فيه من نصيب إيران، التي عرفت كيف توظف الحرب على العراق لصالحها. وعندما أراقب بحزن وألم ما يجري في لبنان، أخشى على لبنان، وأخاف على فلسطين، لأن انزلاق لبنان نحو الحرب الأهلية، يمكن أن ينعكس سلبياً على فلسطين أيضاً. فما يجري في لبنان وثيق الارتباط بما يجري في فلسطين والعراق وعموم المنطقة. وما يهم الولايات المتحدة الأميركية الحفاظ على النقاط وحماية إسرائيل وتمكينها من لعب دور إقليمي مركزي.. أما شعوب المنطقة ومصالحهم وحقوقهم فلتذهب الى الجحيم. عيني على لبنان، وقلبي حزين، وأرجو أن يتحرك العقلاء والحريصون على بقاء لبنان موحداً مستقراً آمناً.. فالخشية أن تتواصل المحاولات الرامية لإحداث الفوضى الهدّامة، وتسيير المنطقة نحو المزيد من ا لانقسام الطائفي والمذهبي، بحيث يتعمّم نموذج لبنان والعراق وفلسطين، ويصبح سائداً في كل دول المنطقة.. وعلى سبيل المثال السلطة الفلسطينية يمكن أن تصبح بلا رئيس ولا مجلس تشريعي، إذا وصلنا الى استحقاق الانتخابات الرئاسية و التشريعية، دون توافق وطني على الانتخابات!!

 

 

مشاركة: