الرئيسية » هاني المصري »   14 تشرين الثاني 2009

| | |
عودة الوعي (2 - 2)
هاني المصري

 

من اجل وقف التدهور المتسارع الذي تشهده القضية الفلسطينية، جراء الاحتلال والانقسام ووصول المفاوضات الى طريق مسدود، لا بد اليوم وأكثر من أي وقت مضى إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني، والى المقاومة المثمرة ومبادرة السلام الفلسطينية التي طرحت عام 1988، التي قدمت حلا ينطوي على تنازل تاريخي مؤلم، بحيث لا يمكن ولا يجب تقديم تنازلات جديدة بعدها. فكان ولا يزال المطلوب من إسرائيل أن تقدم مقابل التنازل التاريخي الفلسطيني لا أن تدخل في مساومات لا تنتهي مع الفلسطينيين، وعليها أن تعرف أن هذا التنازل يمكن سحبه إذا لم تقدم مقابله.

إن العودة للبرنامج الوطني تعني ضرورة التراجع عن كل التنازلات والتراجعات الفعلية التي حدثت على البرنامج منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى الآن، وهي كثيرة ومعروفة مثل الموافقة على مبدأ "تبادل الأراضي" قبل أن تعترف إسرائيل بأنها دولة محتلة، ولا بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره بما في ذلك حقه بإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، الى الموافقة على مبدأ ضم الكتل الاستيطانية، الى البحث في الحلول الخمسة لقضية اللاجئين قبل حتى مجرد الاعتراف بالمسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية الإسرائيلية عن تشريد الفلسطينيين وطمس حقوقهم، الى الموافقة على مبدأ تقسيم القدس الى أحياء عربية وأحياء يهودية الى وقف المقاومة قبل أن تحقق أهدافها في سابقة لم يشهد لها التاريخ مثيلا... الخ.

فلا يمكن السير وراء المفاوضات العقيمة الى الأبد. فالحل الوطني بحاجة الى نضال مثابر والى تغيير في ميزان القوى والى استعادة البعد العربي والإسلامي والدولي للقضية الفلسطينية حتى يمكن تحقيق الأهداف الوطنية.

ولا يمكن الوقوع الى الأبد أسرى الاعتقاد بأن "الحل على الأبواب" و"الدولة على مرمى حجر".

فالولايات المتحدة الأمريكية ترتبط عضويا واستراتيجيا مع إسرائيل بغض النظر عن الرئيس القابع في البيت الأبيض، ولا يمكن أن تغير من موقفها الداعم بشكل مطلق لإسرائيل، ما لم تشعر أن هذا الموقف يلحق بها خسائر تفوق الأرباح التي تحصل عليها.

وإسرائيل أثبتت منذ تأسيسها بصورة عامة، ومنذ انطلاق ما يسمى عملية السلام أنها لا تريد سلام ومعادية للمصالح والأهداف والحقوق الفلسطينية، حتى بحدها الأدنى، وما الذي سيدفع إسرائيل الى إنهاء الاحتلال، واحتلالها رابح وخمس نجوم وهادىء.

إسرائيل تريد فرض حلول تصفوية للقضية الفلسطينية تتراوح ما بين استمرار الوضع الراهن، والدولة ذات الحدود المؤقتة، والخطوات الإسرائيلية أحادية الجانب، وإحياء الخيار الأردني والوطن البديل والوصاية المصرية، وإقامة إسرائيل الكبرى.

وحتى تغير إسرائيل موقفها وتصبح مستعدة للسلام، لا بد من أن يصبح الاحتلال الإسرائيلي مكلفا وهذا يحتاج أيضا الى تغيير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لكي تقوم بالضغط على إسرائيل، وحتى يحدث ذلك يجب العمل من أجل تجميع أوراق القوة الفلسطينية والعربية والدولية والبدء بتوحيد وتعبئة الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه، بما في ذلك داخل مناطق 1948، على أساس برنامج وطني قادر على تحقيق الأهداف الوطنية ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من أن يشمل البرنامج ما يلي:

أولا: إنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس في حدود 1967، والدفاع عن حقوق ومصالح وأهداف الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم، على أن يكون هدف إنهاء الاحتلال هو الأساس الذي ينجم عنه إمكانية ممارسة حق تقرير المصير الذي يحدد الشعب الفلسطيني من خلاله هل يريد دولة على حدود 1967، أو دولة واحدة من النهر الى البحر. التمسك بإنهاء الاحتلال أولا وليس إقامة الدولة أولا، مهم، وهو الذي مفترض أن يكون له الأولوية على أي شيء آخر، وذلك رغم أن هدف إقامة الدولة على حدود 1967 أمر مهم، ولكنه يتراجع بسبب زحف الاستيطان والحقائق الاحتلالية التي تقام يوميا، ولكن التخلي عن هذا الهدف الآن، وطرح خيارات أخرى بديلة مثل الدولة الواحدة يساعد إسرائيل على استكمال مخططاتها التهويدية والاستعمارية في الضفة بسرعة أكبر وتكاليف أقل. فالشرعية الدولية ترفض الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 وتطالب بإنهائه وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويجب التمسك بسلاح الشرعية الدولية حتى الرمق الأخير رغم نواقصه وعدم فعاليته الكافية، كما ان التمسك بهدف إنهاء الاحتلال وتقرير المصير وإقامة الدولة لا يتناقض مع فتح الطريق أمام الحل الجذري الاستراتيجي بإقامة دولة واحدة في كل فلسطين. إنهاء الاحتلال هو المفتاح والهدف والأولوية وليس إقامة الدولة. وإقامة الدولة لا يقضي على خيار الدولة الواحدة، بل أقصر طريق لتحقيقه، وعدم تحقيق الدولة يجعل الحل الجذري هو الخيار الوحيد الذي يمكن العمل من أجل تحقيقه، وهنا لا بد من معرفة أن تحقيق الحل الجذري، أصعب وأعقد وليس أسهل، من إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.

ثانيا: انجاز حق العودة والتعويض للاجئين بالاستناد لقرارات الشرعية الدولية وخصوصا قرار 194، والسعي لتوفير حياة كريمة للاجئين أينما تواجدوا لحين حل قضيتهم. فلا يمكن نسيان أمر اللاجئين كليا وتوقع أن يستمروا بالولاء للقيادة الفلسطينية. وإذا أرادت القيادة الفلسطينية من اللاجئين أن ينتصروا لقضية فلسطين يجب أن تحرص على حمل قضيتهم بشكل مبدئي وليس كتكتيك خصوصا بعد أن ثبت بالتجربة الطويلة أن الوهم بإمكانية مقايضة حق اللاجئين بالدولة رهان خاسر، لأن إسرائيل لا تريد إقامة دولة حقيقية حتى لو تخلى الفلسطينيون عن حق العودة.

ثالثا: إن الدفاع عن مصالح وأهداف شعبنا في 1948، ودعم مطالبهم بخصوص تحويل إسرائيل لدولة ديمقراطية، تحقق المساواة لكل مواطنيها واحترام حقوقهم الفردية والجماعية، بما يتسع أيضا للبحث في خيار إقامة دولة ثنائية القومية، جزء لا يتجزأ من البرنامج الوطني الفلسطيني الذي ترفعه م.ت.ف الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني داخل الوطن الفلسطيني وخارجه.

رابعا: إن م.ت.ف إذا أرادت أن تبقى وتعود وتكون ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، قولا وفعلا، يجب أن تحمل لواء المصالح والأهداف الفلسطينية لجميع الفلسطينيين وتدافع عنهم وتمثلهم أينما كانوا. عندها كل تجمع فلسطيني سيناضل من أجل الكل الفلسطيني ومن أجل نفسه في نفس الوقت، فالكل سينخرط في إطار برنامج واحد وقيادة واحدة، برنامج يلحظ أن لكل تجمع خصوصيته وأهدافه وأشكال النضال التي تناسبه.

وإذا عادت المنظمة من خلال اصلاحها وتطويرها وإعادة تشكيلها بحيث تضم مختلف القطاعات والقوى التي لا تزال خارجها، ستصبح قولا وفعلا تمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده.

أما إذا استمر الرهان على إقامة دولة، وأن هذا ممكن، من خلال المفاوضات الثنائية الى الأبد والوقوع بوهم جديد حول أن إثبات جدارة الفلسطينيين، ببناء مؤسسات كفؤة وقادرة سيمكن الفلسطينيون من إقامة دولتهم، فإنه وهم سينتهي في أحسن الأحوال الى إقامة دولة مقطعة الأوصال في قطاع غزة وجزء من الضفة الغربية، وتعيش في معازل، وتقوم على تصفية القضية الفلسطينية بمختلف قضاياها وأبعادها خصوصا قضيتي القدس واللاجئين.

هل نجرؤ على وضع استراتيجية بديلة عن استراتيجية المفاوضات العبثية التي وصلت الى طريق مسدود، لدرجة أن صاحب نظرية "المفاوضات حياة" أقر بأن 18 عاما من المفاوضات لم تحقق شيئا.

ان الاستراتيجية البديلة تجمع ما بين العمل السياسي والمقاومة الشعبية وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وإعادة القضية الفلسطينية الى بعدها العربي، واستنهاض أوسع حركة تضامن دولي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني التوسعي العدواني العنصري.

هل نجرؤ على الخروج من الصندوق؟ ولا نكتفي بالاحتجاج من داخله في محاولة لإنقاذ طريق فاشل وشبع فشلا منذ زمن طويل.

هل نجرؤ على الانتصار؟

 

مشاركة: