الرئيسية » هاني المصري »   27 حزيران 2006

| | |
عملية مقاومة نوعية وجريئة ومشروعة
هاني المصري

العملية الفدائية التي شنتها المقاومة الفلسطينية التابعة لثلاثة أجنحة عسكرية على موقع كرم أبو سالم، أسفرت عن مقتل ضابط وجندي اسرائيليين وخطف ثالث، وجرح 4 جنود آخرين على الأقل. وهي عملية بطولية ونوعية وجريئة ومشروعة، رغم أنها يمكن أن تكون لها تداعيات خطيرة، سواء على مستوى الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو على المستوى الداخلي الفلسطيني، وعلينا أن نحاصر تداعياتها فلسطينياً، لأن توقيتها السيئ، على الأرجح غير مقصود، لأن هذه العملية بدأ الاستعداد لها منذ عدة أشهر، وليست بنت ساعتها، كما أنها لم تنفذ بعد التوقيع على الاتفاق الوطني، وانما عشية التوقيع، وهذا قد يطرح أكثر من علامة سؤال!.

 

في كل الأحوال، تتميز العملية بثلاث مزايا هي:

أولاً: ان كتائب القسام شاركت في تنفيذها، وهذا يطرح عدة أسئلة منها: هل تخلت حماس عن التهدئة؟ أم ان العملية مجرد ردة فعل طبيعية على الاعتداءات والمجازر الإسرائيلية الأخيرة، بما فيها اغتيال الشهيد جمال أبو سمهدانة؟ على الأرجح ان هذه العملية مجرد ردة فعل شبيهة بقيام كتائب القسام بإطلاق القذائف والصواريخ على جنوب اسرائيل بعد مجزرة الشاطئ، ثم الاعلان بسرعة من حماس بأنها لا تزال ملتزمة بالتهدئة!.

أم ان العملية تعكس اختلافاً بين القيادة السياسية لحماس والجناح العسكري أو بين عدة اتجاهات داخل حماس؟ اتجاه يريد انجاح الوفاق الوطني والاحتفاظ بالمشاركة بالسلطة، وآخر يريد العودة الى خيار المقاومة لاقتناعه باستحالة الجمع بين السلطة والمقاومة المسلحة. وما يدفع الى هذا التساؤل أن العملية نفذت عشية التوقيع على وثيقة الأسرى بعد تعديلها تعديلات طفيفة لا تمس بجوهرها، ووسط مشاورات أشارت الى تبلور شبه اجماع خصوصاً بين فتح وحماس على تأييد الالتزام بالتهدئة. فالجميع يدرك أن التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني يقيد أية أعمال مقاومة منفردة لأنها ستعتبر خروجاً على الإجماع الوطني. فالوثيقة التي سيوقع عليها ستشمل البنود الثلاثة الواردة في وثيقة الأسرى بشأن المقاومة. وهي تنص على حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بمختلف الوسائل، وتركيز المقاومة في الأراضي المحتلة العام 7691، وتنص على تشكيل جبهة مقاومة موحدة، وتشكيل مرجعية سياسية موحدة لها. وقد تنص الوثيقة على عدم استهداف المدنيين داخل اسرائيل، لأن هذا الاستهداف يساعد اسرائيل في المزج بين المقاومة الفلسطينية المشروعة للاحتلال وبين الارهاب.

بعد اقرار الوثيقة لا يمكن الاستمرار بالتعامل مع المقاومة كحق خاص يمارسه كل فرد أو مجموعة أو فصيل كما يحلو له، بينما يتحمل تبعاته وعواقبه الجميع دون استثناء. وانما المقاومة شأن وطني عام يقرر بشأنه الجميع وعبر المؤسسات الشرعية المتفق عليها. كما تنص الوثيقة على "أن المصلحة الوطنية تقتضي ضرورة البحث عن أفضل الأساليب والوسائل المناسبة لاستمرار مشاركة شعبنا وقواه السياسية في قطاع غزة في وضعه الجديد(..) وان المصلحة الوطنية تقضي بإعادة تقييم الوسائل والأساليب النضالية الأنجع في مقاومة الاحتلال"، لا يمكن الاستمرار في اطلاق الصواريخ والقذائف التي لا تسبب سوى الصدمة لبعض الإسرائيليين وتستخدمها اسرائيل كذريعة للاستمرار في سياسة القتل الجماعي والتجويع والحصار الخانق.

ثانياً: تميزت عملية "الوهم المتبدد" بقدرة كبيرة على التخطيط والتنفيذ، فالموقع محصن بشكل جيد جداً، بحيث يصعب الوصول اليه، والمقاومون هاجموه من الجانب المصري الذي من المفترض أن يكون آمناً من وجهة نظر جيش الاحتلال، وضحايا العملية من جنود الاحتلال وليسوا من المدنيين الإسرائيليين. ولقد اعترف قادة جيش الاحتلال، ان المقاتلين الفلسطينيين قاتلوا بحرفية ومهارة عالية، وكأنهم جنود بجيش محترف. كما قال أحد الجنود الإسرائيليين الجرحى انه تفاجأ بمهارة المقاتلين الذين نفذوا العملية. فالعملية استخدم فيها نفق طوله يمكن أن يصل الى أكثر من 004م، وعمقه 9 أمتار واستغرق بناؤه عدة أشهر، كما ان المقاتلين أثناء الانسحاب لم يستخدموا النفق وانما ذهب المهاجمون سيراً على الأقدام، مستخدمين قذيفة لإحداث ثغرة في الأسلاك الشائكة المكهربة التي تحيط بالموقع، كما أن الدوريات والكلاب والمصفحات والطائرات الإسرائيلية عجزت عن تتبع آثارهم، كما ان قوات الاحتلال فوجئت وهي تستخدم النفق لدراسته انه مزروع بالألغام، ما جعل الاستخلاصات الاسرائيلية حول مدة بنائه وخرائطه ليست دقيقة تماماً.

ثالثاً: تعتبر هذه العملية، أول عملية من نوعها بعد خطة فك الارتباط عن غزة، وتميزت بأنها تشمل اختطاف جندي اسرائيلي، وهذا حادث يعتبر الأول من نوعه منذ سنوات طويلة، خصوصاً منذ اختطاف الجندي نحشون فاكسمان والذي قتل بعد مداهمة قوات الاحتلال مقر اختطافه. وربما كان الهدف من اختطاف الجندي هذه المرة السعي لعملية تبادل للأسرى، بعد أن رفضت اسرائيل كافة المحاولات والمبادرات والجهود السلمية لإطلاق سراحهم، أو إطلاق سراح حتى ذوي الأحكام العالية الذين قضوا سنوات طويلة جداً وراء القضبان، وبعضهم أسير منذ ما قبل التوقيع على اتفاق أوسلو.

اسرائيل التي هالها ما حدث، وعانت من صدمة العملية، لجأت الى اطلاق التهديدات ضد السلطة برئيسها وحكومتها وكل من له صلة بـ "الارهاب"، وبدأت الاستعدادات لتنفيذ عملية بل عمليات كبيرة ضد قطاع غزة. واعتبرت ان حجم الرد سيتوقف على مصير الجندي المختطف، حيث سيتضاعف عدة مرات إذا أصابه مكروه، علماً بأنه مصاب حسبما أشارت مختلف التقارير ومن مصادر مختلفة.. وعلينا أن لا ننسى أن اسرائيل أعدت خطة "السهم الجنوبي" منذ أكثر من شهرين، وتحدثت الأوساط الصحافية الاسرائيلية قبل عملية كرم أبو سالم عن قرب تنفيذ هذه الخطة التي تتكون من عدة مراحل، مرحلتها الأخيرة تصل الى إعادة احتلال مساحات واسعة من غزة.

لقد ناشدت السلطة بمختلف مكوناتها، الرئاسة والحكومة، المختطفين بالحفاظ على سلامة الجندي المخطوف، ومعاملته معاملة حسنة، وإطلاق سراحه فوراً، حفاظاً على المصلحة الفلسطينية ولمنع تداعيات خطيرة جداً على قطاع غزة.

ودون شك ان العملية عقّدت جلسات الحوار الوطني، الذي كان على وشك التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني، بعد ادخال تعديلات طفيفة عليها. وانا اعتقد أن الرد الفوري السريع على التهديدات الاسرائيلية، يكون بالتوقيع على الوثيقة، والالتزام العميق بها من خلال الشروع فوراً بتنفيذها، من مختلف الجوانب، ما يتعلق منها باحياء وتفعيل م. ت. ف، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد وبما يضمن ضم كل الفصائل والأطراف التي لا تزال خارجها، وعقد المجلس الوطني الجديد في مدة أقصاها نهاية العام الحالي، وما يتعلق منها بالمقاومة، حسب البنود الواردة بالوثيقة، والمشار اليها اعلاه، وما يخص تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على العمل، وتحقيق درء الحرب الأهلية، وكسر الحصار الخانق، واسقاط خطة أولمرت عبر تقديم الشريك الفلسطيني قوياً وموحداً، وبيده خطة بديلة عن خطة الانطواء ومسلحة بالشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية.

مشاركة: