الرئيسية » هاني المصري »   23 أيلول 2006

| | |
عملية سلام جديدة أم لعب بالوقت الضائع؟
هاني المصري

صرح الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أن مبادرة جديدة للسلام في الشرق الأوسط ستطرح على الأرجح في الستين يوماً المقبلة.

وعزا كلينتون ذلك إلى أن الأنباء السيئة الواردة من العراق وأفغانستان ولبنان خلقت شعوراً يفرض اعتماد استراتيجية تضمن قيام نظام جديد يسمح للجميع بالعيش معاً إذا ما أردنا وضع حد لتفاقم الوضع.

 

وكان بلير رئيس الحكومة البريطانية قال عشية وأثناء جولته الشرق أوسطية إنه وضع إقامة الدولة الفلسطينية كأولوية له، حتى مغادرته سدة الحكم، وتعهد بالقيام بزيارة جديدة للمنطقة بعد شهرين يطرح فيها أفكاراً محددة لإطلاق عملية السلام. وأطلق وزير الخارجية الروسي والرئيس الفرنسي دعوات لعقد مؤتمر دولي جديد على غرار مؤتمر مدريد الذي عقد العام 1990. وأعلنت الجامعة العربية موت عملية السلام وقررت نقل ملف القضية الفلسطينية إلى مجلس الأمن، وسط تكاثر الحديث عن إحياء وإعادة طرح مبادرة السلام العربية، وتبلور أفكار عربية لمحاولة إقرارها في مجلس الأمن، أو الاكتفاء بإقرار أو إصدار بيان رئاسي عن مجلس الأمن يدعو لإحياء عملية السلام ويتضمن أفكاراً تكون أعلى من خارطة الطريق وأقل من مبادرة السلام العربية. هذا في الوقت الذي أعلنت حكومة أولمرت عن رفض مبادرة السلام والدعوات لعقد مؤتمر دولي، كما قررت تجميد خطة الانطواء، وعاد أولمرت للحديث عن خارطة الطريق التي قتلتها اسرائيل وهي في المهد، وتجاوزتها حكومة شارون عبر طرح الخطوات أحادية الجانب، وشجعت الإدارة الأميركية على اقامة اتصالات إسرائيلية ـ فلسطينية وإحياء خارطة الطريق، ورفضت التعاطي مع أفكار جديدة مثل الدعوة لعقد مؤتمر دولي أو إحياء مبدأ الأرض مقابل السلام، الذي يعتبر حجر الزاوية الذي بنيت على أساسه عملية السلام، وتعرض هذا المبدأ لنسف كامل عبر السياسات والمخططات والاجراءات الإسرائيلية، التي استبدلت "الأرض مقابل السلام"، بسياسة "السلام مقابل السلام"، الأمر الذي أدى إلى انهيار عملية السلام وازدياد دوامة العنف والى الفوضى والدمار وينذر باندلاع المزيد من المواجهات والحروب في المنطقة. وسط هذا الزخم كله، أتى بيان اللجنة الرباعية الدولية الأخير الذي رحب بالجهود التي يبذلها الرئيس الفلسطيني لإقامة حكومة وحدة وطنية، وحمل نوعاً من الرجاء بأن تأخذ هذه الحكومة بالشروط الثلاثة التي حددتها سابقاً اللجنة الرباعية للاعتراف والتعامل مع الحكومة الفلسطينية، فيما اعتبر علامة ايجابية مشجعة على حدوث نوع من النفير في الموقف الدولي، فالرجاء يختلف عن الاشتراط، وخصوصاً ان بيان اللجنة الرباعية المذكور تضمن دعوة صريحة لإسرائيل بالافراج عن المستحقات الجمركية الفلسطينية التي تحتجزها للشهر السابع على التوالي، ومن شأن تحريرها حل أزمة السلطة المالية التي أوصلت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية إلى درجة تنذر بكل أنواع الانفجار والفوضى.

وإذا كان بيان اللجنة الرباعية يعكس تغييراً في الموقف الدولي خصوصاً الموقف الأميركي، الذي كان يصر حتى الآن، على ضرورة الوفاء الكامل بالشروط الدولية للتعامل مع الحكومة الفلسطينية الحالية، وأية حكومة قادمة، فهذا سيسمح أو سيزيد من امكانات التوصل إلى اتفاق حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، توحد الموقف الفلسطيني وتكون قادرة على التعامل مع الموقف الدولي، وعلى اسقاط سياسة اللاشريك التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية الأخيرة، ووظفتها لخدمة السياسة الإسرائيلية الأصلية والرامية إلى خلق حقائق على الأرض عبر استخدام القوة والعدوان والاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال والاعتقالات وتهويد القدس وإقامة المناطق الأمنية والعسكرية، وضرب مقومات الحياة خصوصاً الاقتصادية للفلسطينيين، وذلك ضمن مخطط استراتيجي يرمي إلى جعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن تطبيقه عملياً. وهذا الحل لا يتضمن إقامة دولة فلسطينية تكون جديرة بهذا الاسم، بل يسمح بقيام دولة الكانتونات التي لا تحمل من مقومات الدول سوى الاسم. ولكن رغم تكاثر المؤشرات على زيادة الاهتمام الدولي بهدف إحياء عملية السلام، إلا أننا يجب أن لا نغرق بالتفاؤل، فالإدارة الأميركية وعلى لسان ستيف هادلي مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي، بدد التفاؤل الذي انتشر بعد لقاء بوش ـ أبو مازن، وبعد بيان اللجنة الرباعية الدولية، حيث أوضح أن الموقف الأميركي لا يزال على حاله، ويصر على الوفاء بالشروط الدولية كشرط لفك الحصار المالي والعزلة الدولية عن الحكومة الفلسطينية الحالية، وأية حكومة قادمة.

كما ان وزيرة الخارجية الأميركية أخرست مستشارها زوليك الذي تحدث عن ضرورة إعطاء أولوية لإحياء عملية السلام وطرح أفكار جديدة تتجاوز خارطة الطريق.

الخشية المبررة أن كل الحراك الأميركي حول عملية السلام والمفاوضات وتغيير الموقف الإسرائيلي المتمثل بالعودة للحديث عن خارطة الطريق وتجميد خطة الانطواء، ما هو سوى تقطيع للوقت ومحاولة لسد الفراغ، وقطع الطريق على تداعيات الحرب اللبنانية الأخيرة، التي أثبتت حدود القوة، وعجز اسرائيل على حسم الحرب بسرعة وحصرها خارج حدودها. فالولايات المتحدة الأميركية واسرائيل تخشيان من ملء الفراغ بأفكار ومبادرات جديدة مختلفة تنهي الاحتكار الأميركي الإسرائيلي لكافة المبادرات التي حاولت حل أزمة الشرق الأوسط وفشلت.

إن الصمود على الحقوق الفلسطينية والعربية، والاصرار على انطلاق عملية سلام حقيقية مرجعيتها إنهاء الاحتلال الذي وقع العام 1967، وطرح برنامج وطني وواقعي، والاستعداد للدفاع ضد أية اعتداءات اسرائيلية، والاحتفاظ بالحق في مقاومة الاحتلال واستخدامه في الوقت والمكان وضد الأهداف المناسبة، يمكن أن يعمق الاتجاه الدولي الذي يمكن أن يتعاظم وبدأ يرى أن لا طريق لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة دون الضغط على اسرائيل لوقف عدوانها وإنهاء الاحتلال وإزالة الاستيطان والجدار. فلا يمكن الجمع بين الاحتلال والسلام، ولا يمكن تقليص أو تمويه الاحتلال ولا اعطاؤه مكافآت عبر منحه أراضي بحجة تلبية احتياجات اسرائيل الأمنية، في حين أنه يندرج في سياق العمل لتحقيق الأطماع التوسعية العنصرية الإسرائيلية.

لو دققنا في كل المعطيات المتوفرة لن نجد تحولاً جوهرياً بالسياسة الأميركية والاسرائيلية يسمح بانطلاق عملية سلام قادرة على انهاء الاحتلال، وانما التغير ينحصر بالاستعداد للتفاوض في نطاق خارطة الطريق، ودون التخلي عن الملاحظات الاسرائيلية عليها، والتي تفرغها تماماً من مضمونها، بحيث يصبح تطبيقها من رابع المستحيلات، وإذا طبقت ستحقق مصالح وأهداف ومطامح طرف واحد هو الطرف الإسرائيلي!.

 

مشاركة: