الرئيسية » هاني المصري »   08 أيار 2007

| | |
على هامش مؤتمر: فلسطين عام 2007: التحديات والفرص
هاني المصري

 

أنهى مؤتمر "فلسطين عام 2007: التحديات والفرص" أعماله التي استمرت يومين، بعد ان قدم منبراً للمثقفين والاعلاميين والسياسيين والاكاديميين والفعاليات على مختلف آرائها واتجاهاتها للتحاور فيما بينهم حول الأزمة التي تمر بها القضية الفلسطينية وتحدق بالنظام السياسي الفلسطيني بمختلف مكوناته، وتقيم السياسة الفلسطينية بأبعادها الرئيسية.

وحقق المؤتمر الذي نظمه المركز الفلسطيني للاعلام والابحاث والدراسات "بدائل" بعض التقدم على صعيد عدم الاكتفاء بالتشخيص وتوجيه النقد، بل التقدم للامام عبر وضع تصورات واقتراحات للخروج من هذه الأزمة الشاملة.

 

اللافت للنظر في اعمال هذا المؤتمر الذي شارك به نخبة من كافة اطياف النظام السياسي والمجتمع، الشعور الجماعي المتصاعد بان الوقت من دم، والتاريخ لا يرحم، وان الفلسطينيين مطالبون بالتحرك بسرعة قبل فوات الأوان رغم الاختلافات في المواقف والبرامج السياسية. فالخطر مشترك ومتعاظم ويهدد بالحاق خسائر كبيرة اضافية بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، تعيد عقارب التاريخ سنوات طويلة الى الوراء.

ان ابرز الاستنتاجات التي خرجت بها ومعي الكثير من المشاركين، من الاوراق والمداخلات التي شهدها المؤتمر يمكن تلخيصها بما يلي:

اولاً: ان اسرائيل، وعلى الرغم من اختلاف الحكومات التي تعاقبت عليها منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى الان، ورغم الاختلافات بين الاحزاب الاسرائيلية لا تريد تسوية مع الفلسطينيين، كما تدعي، وانما تريد تسويتها هي. وان معالم ومضمون هذه التسوية بات واضحاً للجميع.

واكدت التجربة الماضية ان معاهدات السلام العربية التي عقدتها بعض الدول العربية مع اسرائيل، وان التطبيع العربي المتعدد والمتفاوت من بلد عربي الى آخر، الذي حصل او يمكن ان يحصل، لا يساعد على تحقيق السلام بل يجعل اسرائيل أقوى ويزيد قدرتها على فرض تسويتها، والضغط اكثر على الفلسطينيين.

ثانياً: ان السلطة منذ عملية السور الواقي العام 2002، اصبحت سلطة ضعيفة ومقيدة، واصبحت بصورة مستمرة على حافة الانهيار، ويتم التعامل معها ليس كمجرد مرحلة، ولا وسيلة لقيام دولة بل غاية لاسرائيل وربما لاطراف اقليمية ودولية مختلفة. ومثل هذه السلطة تعفي اسرائيل من مسؤولياتها، وتجعلها اكثر قدرة على تحقيق اهدافها وفرض تسويتها. وليس من الضروري ان يكون الحل باتخاذ موقف متسرع بحل السلطة، بل المطلوب اعادة النظر بالسلطة التي قامت على اساس اتفاق مع اسرائيل باركة المجتمع الدولي ولكي تكون مرحلة اولى تتبعها مفاوضات نهائية تستهدف توقيع اتفاق سلام، بحيث يتم وضع السلطة في سياق استراتيجية اخرى، تنطلق من ان الشعب الفلسطيني لا يزال يمر في مرحلة تحرر وطني، وهذا قد يقتضي تغيير بعض وظائف وشكل السلطة. والاستعداد لاحتمال انهيار السلطة كتحصيل حاصل لاستمرار الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والامنية الضاغطة عليها.

ثالثاً: لا يمكن الجمع ما بين السلطة والمقاومة المسلحة الا اذا كانت المقاومة المسلحة مثل تلك المقاومة التي تحدث منذ سنوات وتكاد تنحصر باطلاق صواريخ عبثية على جنوب اسرائيل لا تحدث خسائر كبيرة تذكر بها، رغم انها "مقاومة" تساعد اسرائيل على تحقيق اهدافها المبيتة اصلاً، بسرعة اكبر وتكاليف اقل. فاسرائيل تقول للعالم انها "انسحبت" من غزة، والفلسطينيون يلاحقونها بالصواريخ فكيف تنسحب من الضفة؟ واحتفالنا "بالانسحاب"، "الانتصار التاريخي" ساعد اسرائيل على الترويج لاكاذيبها في العالم كله.

رابعاً: يشهد الوضع الفلسطيني ضعفاً متزايداً في مختلف مكوناته، فهناك ضعف قيادي تفاقم بعد غياب الزعيم التاريخي ياسر عرفات، وهناك صراع على السلطة بين قطبين رغم انها سلطة محدودة الصلاحيات وقصية. وان هذا الصراع يبدو احياناً وكأن السلطة اصبحت غاية بحد ذاتها. وهناك صراع مجتمعي حتمي في ظل تفكك متزايد بسرعة.

خامساً: ان غياب المبادرة الفلسطينية، والسياسة الانتقائية التجريدية، وسياسة ردود الافعال التي لا تؤثر بل تتأثر، هي سياسة انتظارية قاتلة، واستمرار هذه السياسة يجعل اللاعب الفلسطيني اكثر واكثر ليس اللاعب الوحيد ولا الرئيسي في الشؤون الفلسطينية، بل ان ضعف الخيار الفلسطيني والارادة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية وتراجع الكيانية والدور الفلسطيني يفتح ابواب كل انواع التدخلات الاسرائيلية والعربية والاقليمية والدولية في الشؤون الداخلية الفلسطينية.

سادساً: ان اتفاق مكة وبرنامج حكومة الوحدة الوطنية، رغم اهميتهما البالغة في حقن الدماء وفي توفير نوع من التوافق، لم يقدما برنامجاً وطنياً منسجماً وموحداً ومشتركاً، وانما شكلا نوعاً من التعايش بين برنامجين مختلفين، لذلك لاحظنا انه رغم ان حكومة الوحدة الوطنية لم يمض على تشكيلها شهران تصاعدت الدعوات لتغييرها او لحل السلطة او الدعوة الى انتخابات مبكرة او العودة لحكومة الكفاءات او لتغيير برنامج الحكومة لينسجم بالكامل مع الشروط الدولية. وهذا يطرح ضرورة المسارعة لحوار جاد لبلورة رؤية استراتيجية قادرة على توحيد الفلسطينيين فعلاً، وبحيث ينبثق عنها برنامج قادر على حفظ الحقوق والاهداف الوطنية، وقادر في نفس الوقت على الاقلاع وفك الحصار والتقدم ، وهذا هو الاهم على طريق انهاء الاحتلال وكل ما بني على الاحتلال من عدوان واستيطان وجدار وحصار وخلق امر واقع يجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عملياً.

سابعاً: ان مأزق تدهور الاقتصاد الوطني، مثله مثل تدهور الاوضاع الامنية الداخلية، بقدر ما لهما من علاقة باسباب فلسطينية تستحق المعالجة، انما يعبر عن ازمة سياسية اساساً تتطلب مقاربة سياسية قادرة على رفع الحصار اولاً، وتهيئة المناخات المناسبة لتحقيق نمو ودعم القطاع الخاص واعادة تشجيع الاستثمار بما يحد من البطالة والتراجع المستمر في الناتج القومي الاجمالي ودخل الفرد.

ان معدلات البطالة والفقر وانسداد الافق السياسي والعدوان الاسرائيلي المستمر تنذر بانفجارات لا يمكن التحكم بها، وتفتح الطريق لنشوء تيارات متشددة اكثر تصبح مواقف حماس بالنسبة لها مواقف معتدلة جداً.

وفي هذا السياق رفض المؤتمر استمرار فرض الحصار والمقاطعة والتمييز بين الفلسطينيين على قاعدة "معتدلين ومتطرفين"، رئاسة وحكومة، وزراء من حماس ووزراء من فتح، يتطلب موقفاً فلسطينياً موحداً يرفض هذه الازدواجية في التعامل مع النظام السياسي، لا سيما الحكومة، ويؤكد وجوب التعامل مع الحكومة، وعبر حساب وزارة المالية، من دون تمييز، خصوصاً ان الاستجابة لهذا المنطق ليس من شأنها سوى اطالة امد الحصار ومعاناة الشعب الفلسطيني، وبث الفرقة وعناصر الفتنة الداخلية بين القوى السياسية الفلسطينية، خصوصاً طرفي الاستقطاب الحاد بين فتح وحماس.

ثامناً: استمرار الحزبية في بناء الاجهزة الامنية، وتداخل وتضارب صلاحياتها، والمزاوجة بين المسؤوليات السياسية والامنية لقادة الاجهزة الامنية وكوادرها، واستمرار تعددها وزيادة عددها، انما يعبر عن غياب الفلسفة الواضحة لدور ووظيفة المؤسسة الامنية، وهو الامر الذي يتطلب وضع عقيدة امنية فلسطينية جديدة تعالج كل هذه المشكلات.

ما سبق هو ابرز التوصيات والاستنتاجات التي توصل اليها مؤتمر "فلسطين عام 7002: التحديات والفرص" الذي ستصدر جميع اعماله في كتاب باقرب فرصة ممكنة.

 

مشاركة: