الرئيسية » هاني المصري »   05 أيار 2007

| | |
تقرير فينوغراد ومصير إسرائيل
هاني المصري

قدم تقرير فينوغراد اعترافاً رسمياً بهزيمة اسرائيل في حرب تموز، حرب الوعد الصادق، وذلك من خلال استخدام تعابير مثل الفشل الذريع بالحرب، وخوضها دون دراسة وبتهور، ودون خطط واهداف، وتحميل اولمرت وبيرتس وحالوتس المسؤولية عن اخفاقات الحرب، وعن تدهور هيبة الردع الاسرائيلية.

الاعتراف الرسمي الاسرائيلي بالهزيمة، وان بصيغ غير مباشرة، يعطي الحق لحزب الله بأن يشعر بالفخر مرة اخرى، وان يتذوق طعم النصر مجدداً، رغم الثمن الغالي الذي دفعه الحزب ولبنان. هذا الثمن لم يستحق اية اشارة او نقد في التقرير الاسرائيلي رغم فداحة الدمار وحجم التضحيات التي وقعت في لبنان.

وحتى لا يخطئ احد في قراءة دلالات ما نشر في تقرير فينوغراد، وحتى لا يتم التركيز على أبعاد التقرير على الحكومة الاسرائيلية وداخل اسرائيل فقط، يجب رؤية ابعاده على الصراع العربي-الاسرائيلي، وتحديداً على دور اسرائيل القادم في المنطقة برمتها.

 

يجب التفريق بين الاعتراف بالاخفاقات وبين نقد الحرب. فالتقرير لم يتطرق الى نقد الحرب ومعارضتها من حيث المبدأ، ولم يرفضها اخلاقيا بل انتقد الانجراف لها بسرعة دون استعداد وفي ظل الثغرات الخطيرة والكثيرة التي ادت الى الهزيمة، بل ان التقرير وبّخ الحكومة الحالية والحكومات السابقة لانها لم تحرك ساكناً من أجل منع حزب الله من معاظمة التسلح واسباب القوة. لذلك من اوائل الاستنتاجات التي يمكن ان تخرج بها الحكومة الحالية والحكومة اللاحقة، ان تبادر لشنّ حروب او عمليات حربية لضرب القوى التي تعادي اسرائيل ومنعها من التحول إلى قوى ذات شأن يمكن ان تهدد اسرائيل.

تأسيساً على ما تقدم، لم يستخلص تقرير فينوغراد العبرة الاساسية من الحرب، وهي حدود القوة العسكرية، وانها مهما طغت وبلغت وتفوقت، ستعجز عن تحقيق اهدافها، اذا كانت تتضمن كسر ارادة شعب على الحياة والعيش بحرية واستقلال وكرامة على ارضه. فالجيش الاسرائيلي، الذي يعتبر نفسه لا يقهر، والجيش الرابع في العالم، وقف عاجزاً امام حزب صغير. هذا الدرس لم تتم الاشارة له لأن الاعتراف به يعني ان اسرائيل لن تستطيع ان تحقق اهدافها بالقوة. واذا عدنا الى التاريخ نجد ان اسرائيل لم تعترف ولا تريد ان تعترف حتى الآن، بأنها لم تحقق اهدافها حتى عندما انتصرت عسكرياً. وانها ستهزم كلما وعندما تواجه "عدواً" مصمما على المقاومة والدفاع عن نفسه، ويستعد للحرب وأخذ بأسباب النصر، ويتوفر له القدرة العلمية والتصميم والامكانات الضرورية، والدعم التسليحي اللازم، والعمق الاستراتيجي. تقرير فينوغراد شخّص الاخطاء والاخفاقات، ويعتقد أن معالجتها، ستمكن اسرائيل من الانتصار في الحرب القادمة. وعلى اساس ان ما لا تحققه القوة تحققه قوة أكبر. وما لا تحققه الحرب الجوية يمكن ان تحققه الحرب البرية. في هذا السياق لم يصل ولم يجرؤ تقرير فينوغراد الى ان يستنتج ان حرب تموز سيكون لها تأثير استراتيجي على المنطقة بصورة عامة، وعلى وجود ودور اسرائيل بصفة خاصة.

لقد اسقطت هذه الحرب نظرية الردع الاسرائيلية سقوطاً مدوياً. فلم يستطع الجيش الاسرائيلي الاحتفاظ بزمام المبادرة، ولم يحسم الحرب بسرعة خاطفة، ولا نقلها الى ارض العدو، ولا إبعادها عن الجهبة الداخلية الاسرائيلية. ولا يمكن اعادة الاعتبار لهذه النظرية وترميم الردع الاسرائيلي، لان كل الاحزاب والبلدان والشعوب المجاورة التي تخوض صراعا ضد اسرائيل، ستغار من حزب الله وستحاول ان تقلده وتحذو حذوه، وإن بدرجات متفاوتة. تأسيساً على ما تقدم، على إسرائيل ان تفكر مرتين قبل ان تخوض حرباً جديدة، وعليها ان تستعد لتكبد خسائر وخوض حروب عديدة وطويلة. وهذا يعني ان الدور الاسرائيلي بحاجة الى تغيير استراتيجي ليناسب المعطيات الجديدة. اما اذا ركبت اسرائيل رأسها، وتصرفت وكأن شيئاً لم يحدث، فهذا يعني انها ستنجرف بسرعة مشابهة للطريقة التي انجرفت فيها الى حرب تموز نحو حروب جديدة.

وحتى نفهم التغيير الذي يمكن ان يحدث على الدور الاسرائيلي، علينا ان نتذكر ان اسرائيل منذ تأسيسها لم تسع لكي تعيش كبلد طبيعي الى جانب البلدان والشعوب التي تعيش في المنطقة منذ الاف السنين، وانما عاشت ككيان استعماري استيطاني اجلائي عنصري، وقامت على حساب شعب آخر، ولعبت دور القاعدة المتقدمة والأداة الغليظة في ايدي الغرب، بهدف ابقاء شعوب المنطقة وبلدانها في حالة ضعف وتمزق وتبعية وجهل وفقر حتى تبقى اسيرة الهيمنة، ومن اجل ان تلعب اسرائيل دورا مركزياً في اطارها.

عجز اسرائيل عن الاستمرار في لعب هذا الدور بدأ يظهر عندما اضطرت الادارة الاميركية الى خوض الحرب العالمية على العراق التي عرفت باسم عاصفة الصحراء، وتعمق أكثر باحتلال العراق الذي اصبح الان واضحاً ان اهدافها الرئيسية ليست القضاء على اسلحة الدمار الشامل غير الموجودة اصلا في العراق، وليست القضاء على التحالف غير القائم بين نظام صدام والقاعدة، وانما مثلما اعترف بريمر اول حاكم اميركي في العراق، ومثلما يؤكد انطوني زيني احد اهم الجنرالات الاميركيين، ان احتلال العراق جاء من أجل حماية اسرائيل والنفط. فاسرائيل بدلا من ان تبقى ذخراً استراتيجياً للدفاع عن المصالح الاميركية اصبحت عبئاً استراتيجيا على هذه المصالح. وهذا الامر سيفرض نفسه عاجلاً أم آجلاً على الاستراتيجية الاميركية في المنطقة.

في ضوء هذا التفسير لدلالات تقرير فينوغراد، بل لدلالات حرب تموز، لا يصبح هناك فرق كبير، بين ان يسقط اولمرت فوراً لصالح تزعم لفني او بيريس للحكومة الحالية او حكومة مشابهة لها، او لا يسقط ويستمر في رئاسة الحكومة الاسرائيلية او الذهاب الى انتخابات مبكرة في اسرائيل ستجلب على الأغلب، الى الحكومة والكنيست احزاب اليمين بزعامة الليكود ورئيسه بنيامين نتنياهو.

فالامر الأهم، هو هل ستدرك اسرائيل انها تقترب من لحظة الحقيقة، لحظة الاختيار. فاذا ارادت البقاء في المنطقة عليها التحول الى دولة طبيعية ترضى بدور يتناسب مع وزنها وحجمها. ان مفتاح قيام اسرائيل بذلك التحول يبدأ بالاستعداد لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا، ولو بالحدود الدنيا، بحيث يتم قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس على الاراضي المحتلة عام 1967، وحل مشكلة اللاجئين وفقا لقرار 194.

واذا ارادت الاستمرار ككيان استعماري استيطاني عنصري اجلائي يسعى لتأبيد الهيمنة الخارجية على المنطقة، فان المنطقة ستلفظه في نهاية الأمر. فشعوب وبلدان المنطقة قادرة على تحمل وتحملت هزائم عديدة، فهل تستطيع اسرائيل أن تتحمل هزيمة حقيقية واحدة؟

 

مشاركة: