الرئيسية » هاني المصري »   01 تشرين الثاني 2009

| | |
على هامش حوار القاهرة : الرزمة الكاملة، والمحاصصة والمقاومة (1-2)
هاني المصري

 

 تستعد الفصائل، بعد تلقيها الدعوات الرسمية، لإرسال وفودها للمشاركة في جلسة الحوار الوطني الشامل التي ستبدأ في القاهرة في التاسع من الشهر الجاري.

وعلى اهمية الشروع بالحوار، حيث يفترض ان يكون الاسلوب الوحيد لحل الخلافات والنزاعات الداخلية، وهوافضل مليون مرة من القطيعة والمقاطعة، ومن استمرار التحريض والتهديد بالحسم والمواجهة، الا ان الردود المختلفة التي ارسلت على الورقة المصرية تؤكد ان الهوة لا تزال شاسعة جدا، وانها اذا لم تكن مجرد مواقف اولية ومطروحة للتفاوض والمساومة، فان الحوار سيستمر طويلا بدون نتيجة، ويمكن ان يصبح حوار طرشان.

 

وقد صرح الرئيس ابو مازن ان فصائل منظمة التحرير الفلسطينية توافق على الورقة المصرية كما هي، وهذا التصريح صحيح من حيث الجوهر، ولكنه ليس دقيقا تماما،لان بعض فصائل م.ت.ف خصوصا الجبهة الشعبية ابدت ملاحظات على الورقة المصرية، واعلنت انها ارسلت هذه الملاحظات الى القيادة المصرية، ولكن على قاعدة الترحيب بها واعتبارها اساسا صالحا للبدء بالحوار.

كذلك ارسلت حركة حماس ملاحظات عديدة تكاد تشمل كل شيء، وهي تتقاطع في بعض الملاحظات مع الجهاد الاسلامي وحتى مع الجبهة الشعبية.

ومن اجل مشاركة الرأي العام بما يجري سأحاول ان اعرض الملاحظات التي قدمتها "حماس" :

ان الملاحظة الاساسية تتعلق بضرورة ان يتم الحوار بشكل متواز حول كافة القضايا بشكل متزامن، وان يتم التوصل الى اتفاق رزمة واحدة متكاملة، فإما الاتفاق على كل شيء او عدم الاتفاق على شيء. وتتذرع "حماس" لتبرير هذا الموقف بانها لدغت في السابق عندما وافقت على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتركت الاتفاق على المسائل الاخرى، خصوصا الاجهزة الامنية وم.ت.ف الى وقت لاحق. لقد تمردت الاجهزة الامنية على وزير الداخلية ورئيس حكومة الوحدة الوطنية وهو ما شكل المفجر الرئيس للأزمة التي تلاحقت الى حد الانقسام. "ورغم وجاهة وجهة نظر "حماس" حول الرزمة المتكاملة، ولكن الاصرار على الاتفاق على كل شيء، ينفع مع العدو، ومعتمد في المفاوضات مع اسرائيل، اما ان يحكم ذلك الحوار الداخلي فمن شأنه ان يؤدي الى حوار طويل لا يعرف سوى الله متى ينتهي، والوقت من دم والتاريخ لا يرحم . في هذا السياق، نضع اقتراح "حماس" السابق بان يستمر الحوار من 6-9 اشهر، ورفضها لوضع سقوف زمنية على عمل اللجان، ما يدل ان "حماس" تماطل وتراهن على الوقت لتحسين موقفها في الحوار الداخلي.

ان الافضل، مليون مرة، ان يتم الاتفاق على كل شيء ولكن هذا صعب وان لم يكن مستحيلا، وهو هدف يجب العمل بكل قوة لتحقيقه، ولكن بدون وضعه كشرط مسبق، لانه يصبح شرطا تعجيزيا يشبه موقف الاب الذي لا يريد ان يزوج ابنته فيطلب مهرا كبيرا. اذا تعذر الاتفاق على كل شيء، يمكن الاتفاق على مراحل بحيث يتم التركيز في المرحلة الاولى على استعادة الوحدة وتشكيل حكومة وطنية انتقالية من الكفاءات الوطنية المستقلة مهمتها توحيد الوطن والمؤسسات والتحضير لاجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية واصلاح الاجهزة الامنية لتكون اجهزة امنية مهنية بعيدا عن الفصائلية وهذا افضل بكثير من استمرار الوضع الحالي الذي يعني ان الانقسام سيصل الى نقطة اللاعودة.

أما النقطة الثانية التي توليها "حماس" اهمية كبرى، فهي ان يكون الحوار الاساسي، وبالتالي الاتفاق الذي يمكن التوصل اليه، اتفاقا ثنائيا، يعقد بين "فتح" و"حماس" لانهما يمثلان 96% من الشعب الفلسطيني، كما صرح عدد من قادة "حماس"، ولانه لا يوجد خلاف او نزاع بين "حماس" والفصائل الاخرى. وهذه النقطة تنطوي على قدر من الصحة، وخطورتها تكمن في انها تخفي نزوعا نحو عقد محاصصة فصائلية بين "فتح" و"حماس" يتم فيها اقتسام السلطة والمنظمة والاجهزة والمناصب والمكاسب والمشاريع. والمحاصصة اسلوب قديم اعتمد سابقا في المنظمة، وكان ينسجم مع ان شرعية الفصائل والمقاومة كانت تستمد اساسا من المقاومة ولا تعتمد على صناديق الاقتراع. لان العمل الفلسطيني كان في جوهره الاساسي عملا سريا لمقاومة الاحتلال، فكانت القرارات (والتعيينات والحصص) تتخذ بالتوافق والاتفاق. أما الآن ففلسطين والفلسطينيون بحاجة الى شراكة وطنية لأن المواضيع المختلف حولها، لا تمس "فتح" و"حماس" وحدهما، ولان الشعب الفلسطيني اكبر واهم واعظم من كل القيادات والفصائل، وهو لا ينحصر بالفصائل، بل ان هناك نسبة محترمة (تشارك ولا تشارك في الانتخابات) لاتؤيد الفصائل وتريد أن ترى تغييرا واصلاحا وتجديدا بها، او أن ترى فصائل واحزابا جديدة.

من حق "حماس" ان تكون شريكا كاملا في المنظمة والسلطة والقرار، ولكن على اسس تضمن حماية وتطوير التعددية وتستند الى مرجعية واحدة (ولا اقول برنامجا واحدا) تحدد ركائز المصلحة الوطنية العليا، وعلى قواعد لعبة تنظم العلاقات الداخلية على اساس ديمقراطي يحول دون تكرار الاقتتال والانقسام .

وهناك ملاحظة ثالثة على الورقة المصرية تشترك في طرحها "حماس" و"الجهاد الاسلامي" والجبهة الشعبية تتعلق بالقيود الموضوعة على ممارسة حق المقاومة، وذلك من خلال اشتراطها بالتوافق الوطني، وحصر توفير الامن للمواطن والوطن بالاجهزة الامنية و"هذا من شأنه ان يمس بالمقاومة، فالمقاومة حق مقدس ومشروع ويجب ممارستها بدون شروط". ان هذه الاراء ليست مقدسة ولا تنهي النقاش حول المقاومة، لان المقاومة عمل وطني، وعلمي، ويجب ان يخضع للمصلحة الوطنية ويسترشد بالبرنامج الوطني، وينسجم مع عدالة القضية الفلسطينية وتفوقها الاخلاقي، ويوضع في حساب الربح والخسارة وموازين القوى والمعطيات المحلية والاقليمية والدولية.

فأي عمل مقاوم ليس له هدف سياسي، يكون عملا عبثيا، قد يؤدي الى عكس الاهداف المأمولة منه. والمقاومة عمل جماعي يجب أن تتخذ القرارات بشأنه المؤسسات الوطنية الشرعية (اذا كانت منتخبة او غير منتخبة)، فلا يعقل ان يترك أمر المقاومة لكل فصيل او حزب او مجموعة من الافراد او لكل فرد ليقرر بشأنها كما يرى، فالشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني، ومن حقه المقاومة بكافة الاشكال بما فيها الكفاح المسلح، ولكن اختيار الشكل او الاشكال المناسبة في كل مرحلة يعتمد على الظروف والمعطيات وموازين القوى ووجود عمق استراتيجي عربي واقليمي ودولي يؤيد ويوفر الدعم المستمر لهذا الشكل او ذاك.

فالمقاومة ليست صنما نعبده، ولا غاية بحد ذاتها، وانما وسيلة لتحقيق الاهداف الوطنية. وهناك فرق بين المقاومة عندما تكون شكلا من اشكال الدفاع المشروع عن النفس مثل التصدي لاعتداءات المستوطنين، وعندما تكون عملا مبادرا وهجوميا يستهدف الجبهة الداخلية للعدو. وهناك فرق بين حرب الشعب وحرب العصابات والحرب الكلاسيكية والانتقال من شكل الى آخر تحدده موازين القوى والمتغيرات. فلا يمكن مثلا استخدام العمليات الاستشهادية التي هي عمل بطولي ومقاوم وينطوي على تضحية هائلة بأغلى ما يملك الانسان وهو حياته، كأسلوب رئيس في المقاومة واستهداف اهداف مدنية او استراتيجية بدون اجراء حساب لردود الافعال والخسائر المتوقعة فالعمليات الاستشهادية كانت محاولة جدية جدا من الفلسطينيين (عن قصد او غير قصد) لدفع الصراع نحو المعارك الحاسمة والفاصلة، وهذا يمكن أن يكون مشروعا اذا كان الطرف الذي يستخدمها مستعدا للمعارك الحاسمة. اما ان يقوم بتنفيذها بدون ان يكون مستعدا ويعطي فرصة للعدو المتفوق عسكريا لتنفيذ عمليات عسكرية حاسمة بدون توفر القدرة على ايقاع خسائر فادحة به، فانه ينتهي الى ما انتهينا اليه، اي يسهل اعادة احتلال الضفة (بدون خسائر اسرائيلية تذكر) وفرض الحصار الخانق على قطاع غزة وارتكاب كل الاعمال العسكرية بما فيها المجازر والعقوبات الجماعية ضده، ما أدى الى وقف العمليات الاستشهادية دون مقابل ولا حتى اتفاق تهدئة متبادلة.

فاسرائيل لم توقف عدوانها العسكري ضد الفلسطينيين بما في ذلك في الضفة والذي يتضمن الاغتيالات والاعتقالات والاقتحامات اليومية بينما اوقف الفلسطينيون بمن فيهم اصحاب العمليات الاستشهادية العمليات بدون مقابل. لو تم عرض وقف هذه العمليات في اعوام 2001 و2002 و2003 لكان الفلسطينيون قد حصلوا من اسرائيل على مقابل محترم ومحترم جدا لذلك.

اقول ما سبق رغم انني من المنتقدين لهذه العمليات، لانها استهدفت المدنيين الاسرائيليين وتركزت في داخل اسرائيل وتواصلت في مرحلة ما بعد احداث 11 ايلول 2001 وشن الحرب العالمية ضد الارهاب، الأمر الذي مكن اسرائيل وحلفاءها من المزج ما بين الارهاب والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال والتي يقرها القانون الدولي وشرعة الامم المتحدة وكافة الاديان والمواثيق الدنيوية .

واخيرا هل سمحت "حماس" للمجموعات العسكرية التابعة للجهاد الاسلامي وغيرها من الفصائل بخرق التهدئة في غزة؟ ألم يعتبر محمود الزهار وغيره من قادة "حماس" ان من قام بإطلاق الصواريخ بعد التهدئة مخرب ويخدم الاحتلال وخارج عن الصف الوطني؟ ألم تعتقل سلطة "حماس" بعض الافراد لانهم نفذوا او خططوا لاطلاق صواريخ على اسرائيل في مرحلة التهدئة؟

ان وحدة القيادة والقرار والسلطة شرط ضروري لكي تستطيع المقاومة ان تزرع وحتى يتمكن العمل السياسي والمفاوضات ان تحصد. اما ترك الحبل على الغارب بحيث يقاوم من يريد ان يقاوم ومتى شاء، ويفاوض من يريد ان يفاوض ومتى شاء، فهذا يؤدي حتما الى الفوضى والى تعددية الاستراتجيات والسلطات ومصادر القرار، ويعني ان المفاوض يدمر كل ما يزرعه المقاوم، والى ان تصبح المقاومة غاية بحد ذاتها ام وسيلة لتحسين الوضع الداخلي لهذا الفصيل او ذاك، وليست استراتيجية قادرة على انهاء الاحتلال، وهذا يجعل المقاومة في احسن الاحوال ليست اكثر من تسجيل موقف في التاريخ. ويقودنا الى نقطة صحيحة تطرحها "حماس" وغيرها من الفصائل مثل الجهاد الاسلامي حول ربط التهدئة بالحوار الداخلي رغم انها مسألة اسرائيلية ــ فلسطينية، وبالتالي فان مثل هذا الربط ما بين التهدئة والحوار الفلسطيني يضع الفيتو على المصالحة الفلسطينية في يد اسرائيل.

عندما نتحدث عن المقاومة، وضرورة ان تخضع الى استراتيجية واحدة وقيادة واحدة، والى توافق وطني، فان هذا ينطبق اكثر بكثير على المفاوضات، فلا يمكن الانفراد بالمفاوضات، خصوصا عندما لا تحقق تقدما، مثلما يحدث في المفاوضات التي انطلقت بعد انابوليس، التي تسير بدون مرجعية واضحة وملزمة، ودون ضمانات دولية مما يجعلها مفاوضات ضارة ومحكومة بالفشل وتستخدمها اسرائيل كغطاء لاستمرارها في تطبيق المخططات التوسعية والعنصرية والاستيطانية بسرعة اكبر وتكاليف اقل؟؟

 

مشاركة: