الرئيسية » هاني المصري »   17 آذار 2009

| | |
على هامش الحوار: الاتفاق الوطني آت عاجلاً أم آجلاً
هاني المصري

أنهت لجان الحوار في القاهرة يومي الاحد والاثنين أعمالها بعد 5-6 ايام من المناقشات الحامية، وأحالت قضايا الخلاف الى لجنة التوجيه العليا وسط تزايد الآمال بامكانية الاتفاق عاجلاً أم آجلاً على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، فالقضايا المطروحة للحوار جدية جداً، والجميع يدرك اكثر واكثر اهمية النجاح.

فاللجان استطاعت، وإن بشكل متفاوت، أن تحقق تقدماً ملموساً وبعضها حاسماً، بحيث لا يبقى على طاولة رؤساء الوفود والشخصيات الوطنية المستقلة والمسؤولين المصريين سوى حسم القضايا الرئيسة المتبقية.

 

ليس شيئاً بسيطاً أن تتفق لجنة الانتخابات على تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية وعلى ضرورة ان تعقد في موعد أقصاه 25 كانون الثاني 2010، وأن تعقد انتخابات للمجلس الوطني على اساس التمثيل النسبي الكامل، وأن تتفق على تشكيل لجنة الانتخابات وفقاً للقانون- أي يشكلها الرئيس- ولكن بعد التشاور مع القوى السياسية والشخصيات الوطنية والحكومة التوافقية.

وأن تتفق على تشكيل محكمة قضايا الانتخابات وفقاً للقانون، ولكن بعد التشاور والتوافق الوطني، ولم يعد هناك قضية جوهرية عالقة في لجنة الانتخابات سوى شكل القانون، وهل تعقد الانتخابات وفقا للتمثيل النسبي الكامل أم وفقاً للقانون المختلط. وحول هذه المسألة هناك امكانية كبيرة للاتفاق من خلال رفع نسبة الحسم قليلاً، لأن رفعها كثيراً يضر بمبدأ التعددية والمنافسة ويخدم المحاصصة الفصائلية والاحزاب الكبيرة ويضر بالاحزاب الصغيرة ويحرمها من التمثيل في البرنامج القادم.

وليس أمراً هيناً على الاطلاق ان تتفق لجنة المنظمة على وحدانية تمثيل "م. ت.ف" للشعب الفلسطيني وعلى انها المرجعية العليا للفلسطينيين بما في ذلك الحكومة والسلطة، وذلك بعد الخلافات الطويلة والمريرة حول هذا الامر والتي وصلت في الايام الاخيرة الى مستويات غير مسبوقة. وتبقى هناك نقطة جوهرية في ملف المنظمة هي المرجعية المؤقتة في الفترة من هنا وحتى انعقاد المجلس الوطني الجديد، حيث تم الاتفاق عليها ثم برز الخلاف مجدداً، ربما لكي تتم مقايضة هذا الامر مع موضوع شكل الحكومة وبرنامجها.

فـ "فتح" وفصائل المنظمة ستدفع من جيبها عند تشكيل المرجعية المؤقتة، وفي الحكومة "حماس" هي التي ستدفع لأنها يمكن ان تضطر الى القبول بعدم المشاركة بقياداتها وعناصر بارزة منها في الحكومة. وحول المرجعية المؤقتة هناك اقتراحات لا تمس بدور قيادة المنظمة في المرحلة الانتقالية وبين ضرورة إعطاء المرجعية المؤقتة دوراً اساسياً ايضاً.

وليس أمراً هيناً ان تنهي لجنة المصالحة أعمالها وأن تغلق لجنة التوجيه هذا الملف نهائياً، فالمسألة تتعلق بضحايا كثيرة وعائلات فقدت معيلها أو عزيزاً عليها. فتوفر الارادة لمعالجة ذلك عبر الاتفاق على مهام لجنة المصالحة يساعد على عدم ترك الباب مفتوحاً للثارات وعمليات الانتقام التي اذا بدأت لا يعرف احد كيف ومتى تنتهي.

وقامت لجنة الأمن بالاتفاق على عدد ومهام الاجهزة الامنية بصورة حددت لكل جهاز مهماته، فالأمن الوطني حددت مهماته بما يكفل حماية سيادة البلاد وتأمين سلامة اراضيها، وتنفيذ الاحكام القضائية والاوامر الصادرة عن السلطة وحماية الوطن من اي اعتداء خارجي ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية في مناطق انتشارها، والتمثيل العسكري في سفارات الوطن في الخارج، أما الأمن الداخلي فمهماته تبدأ بحفظ النظام العام والحفاظ على الآداب والاخلاق الفاضلة وحماية أمن المواطن وحقوقه وحرياته وتنفيذ احترام القانون والقيام بأعمال الدفاع المدني والإنقاذ وإطفاء الحرائق وتنتهي بمكافحة كافة اعمال وصور التجسس داخل الوطن والمحافظة على الجبهة الداخلية من اي اختراقات او تهديدات خارجية وتنفيذ الاحكام القضائية والقرارات القانونية الصادرة عن السلطة.

وتبقى نقطة عالقة في هذا الملف هي كيفية دمج الاجهزة الامنية في الضفة وقطاع غزة بأجهزة واحدة بأسرع وقت وأقل الأضرار.

أما لجنة الحكومة فهي أكثر اللجان صعوبة وتعقيداً، فقد كانت مكلفة بتنفيذ عدة مهمات تبدأ باقتراح طبيعة الحكومة وشكلها وبرنامجها ومهامها ومعالجة القضايا المدنية التي نجمت عن الانقسام، وتسوية اوضاع الجمعيات والمؤسسات الاهلية والرسمية التي صودرت او أُغلقت في الضفة وغزة، والإجراءات المطلوبة لاعادة توحيد مؤسسات السطة الوطنية في الضفة والقطاع وتنتهي باستئناف عمل المجلس التشريعي وفقاً للقانون.

لقد كان من المتوقع ان لا تحدث هذه اللجنة اختراقاً حاسماً، بحيث اقتصر التقدم الحاصل فيها على تحديد مهام الحكومة ومعالجة القضايا المدنية، أما القضايا الاخرى فاشبعت بحثاً وحدث اقتراب كبير فيها يجعلها تقترب من الحسم، ولكن لم تحسم لضياع الوقت المحدد، وأُحيلت الى لجنة التوجيه العليا.

وعندما نتذكر أن مصير الاتفاق كله يتوقف الى حد كبير على مدى الاتفاق على مهام لجنة الحكومة يكون مطلوباً منا الصبر وطول النفس وبذل الجهود الجادة والمضنية من اجل التوصل الى اتفاق. فالمسألة تتعلق بالحكم الفلسطيني الذي يؤثر تأثيراً مباشراً على حياة الفلسطينيين على مختلف المستويات والأصعدة. يمكن الرهان على نجاح بلورة برنامج وطني ديمقراطي للحكومة يكون قادراً على فك الحصار، فوراً أو بعد حين، لأن عدم تحقيق ذلك يؤدي الى مضاعفة المعاناة الهائلة للفلسطينيين خصوصاً في قطاع غزة خاصة بعد تدميره وما ألحقه العدوان الاسرائيلي به. كما ان عدم معالجة القضايا المدنية الناجمة عن الانقسام يعني ان مصير عشرات الآلاف من الموظفين وعائلاتهم، الذين يصل عددهم الى مئات الآلاف سيبقى مجهولاً، فهناك جبل هائل من المشاكل التي ان لم يتم النظر اليها بعقلانية ومسؤولية يمكن ان تؤدي الى انهيار اي اتفاق وطني بعد الوصول اليه لانه سيصطدم في عقبات ضخمة.

لا يمكن إنهاء الانقسام وما ادى اليه من وجود سلطتين واحدة في الضفة واخرى في غزة، لكل منها هيكل وظيفي وامني وقضائي....الخ، وكل منها تدعي انها شرعية وقانونية، من خلال تجاهل هذا الواقع والاستخفاف به، وانما من خلال معالجة عميقة وجدية وجريئة وقادرة على وضع الحلول المناسبة.

لقد تحملنا الانقسام أكثر من واحد وعشرين شهراً وبمقدورنا ان نتحمل بقاءه أياماً أو أسابيع اخرى من اجل التوصل الى اتفاق حقيقي قادر على إنهاء الانقسام الذي لا يمكن إنهاؤه بضربة سحرية واحدة وانما عبر خطة منهجية متدرجة تسعى الى تحقيق هذا الهدف باسرع وقت ممكن بدون تسرع ولا إبطاء.

وأخيراً، يمكن ان نحل مسألة الخلاف على شكل الحكومة وبرنامجها من خلال الاتفاق على حكومة وفاق وطني انتقالية مؤقتة لحين إجراء الانتخابات في موعد أقصاه 25 كانون الثاني 2010، بحيث تكون حكومة شخصيات وطنية مطعمة بشخصيات من الفصائل تكون مهنية، وتلعب الفصائل دوراً اساسياً في تشكيلها، وعلى اساس برنامج يستند الى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، دون الاشارة الى الاتفاقات والالتزامات، وبحيث يكون برنامجاً أعلى مما تطالب به "حماس" من التزام ببرنامج حكومة الوحدة الوطنية، وأقل مما تطالب به "فتح" وغيرها من الالتزام بالتزامات المنظمة، شرط ان يسعى الجميع للكفاح من اجل تسويق هذه الحكومة على كل المستويات والمحافل العربية والاقليمية والدولية !

 

مشاركة: