الرئيسية » هاني المصري »   06 تشرين الأول 2007

| | |
على هامش اجتماع الخريف: وقف العدوان والاستيطان والجدار أولاً
هاني المصري

على ذمة صحيفة "يديعوت احرونوت" فان اولمرت تنفس الصعداء عندما وافق ابو مازن في لقائهما الاخير على تأجيل البحث في القضايا الجوهرية الى ما بعد "المؤتمر" الدولي، وبعد اقناعه بالتخلي عن "اتفاق الاطار" الذي طالب الفلسطينيون بانجازه قبل اجتماع الخريف، وعن مطلب وضع "وثيقة واضحة ومحددة" تتطرق الى قضايا الحل النهائي "ضمن اطار زمني محدد" (في غضون ستة اشهر) ولا اعرف مدى صحة ما نشرته الصحيفة الاسرائيلية، الا ان المراقب للتصريحات الفلسطينية يلاحظ ان عملية خفض سقف التوقعات الفلسطينية من المؤتمر قد بدأت. فالحديث الرسمي الفلسطيني الان لم يعد يتطرق الى "اتفاقية اطار" وانما الى وثيقة مشتركة، اما موضوع الجداول الزمنية فيبدو أنه لا يزال مطروحا بقوة في التصريحات الصادرة عن القيادات الفلسطينية، ولا ادري الى متى. فمن المتوقع ان يسحب من التداول باسرع وقت. الامر اللافت هو ان الموقف الفلسطيني بدأ يشدد على أهمية ان يكون اجتماع الخريف نقطة انطلاقة للمفاوضات القادمة، بما يوحي بان استئناف المفاوضات هو الهدف الممكن تحقيقه والذي يرضى عنه الفلسطينيون او سيقبلونه مختارين أو مكرهين. وعندما يقال لمسؤول فلسطيني ان المفاوضات استؤنفت بدليل عقد ستة لقاءات بين ابو مازن واولمرت، وان استئناف المفاوضات دون مرجعية ولا آلية ولا جداول زمنية ولا ضمانات دولية ولا مشاركة دولية فاعلة، ليس بالقضية المهمة بل انها تمثل خطراً كبيراً يظهر في ان المفاوضات تتحول الى هدف بحد ذاتها، وتتركز على شروط المفاوضات وايجاد افق سياسي يهدف الى التوصل في اسرع وقت الى اتفاق لا يتم تطبيقه الآن وانما في المستقبل بحجة ان الطرف الفلسطيني في ظل ضعف السلطة والانقسام اعجز عن تطبيق اي اتفاق كان، يقول لك يجب الاختيار بين اهون الشرين. وان لا خيار سوى استئناف المفاوضات باي ثمن. أصبح الاتفاق على استئناف المفاوضات دون تنازل عن مرجعياتها السابقة هو سقف الموقف الفلسطيني بعد ان انزلته تصريحات ومواقف اولمرت وليفني وباراك التي دعمتها الادارة الاميركية من الشجرة العالية التي صعد اليها عندما أخذ يتحدث عن اتفاقية اطار تفصيلية مدعومة بجداول زمنية قصيرة.

 

المرجعية التي يتحدثون عن تثبيتها كانجاز، لم تعد واضحة بتاتا، فالقيادة الفلسطينية تتحدث خلال السنوات الماضية عن مرجعية تشمل خلطة عجيبة غريبة، تبدأ بخارطة الطريق ورؤية بوش ومبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

وعندما يقال لقيادتنا بان خارطة الطريق ولدت ميتة عندما وضعت عليها حكومة شارون تحفظاتها التي تنسفها من حيث الاساس، وبعدما وافقت ادارة بوش على أخذ هذه التحفظات بالحسبان عند التطبيق، كما حصل فعلاً، تدير رأسها غير مهتمة بهذا الحديث وتكرر تمسكها بخارطة الطريق وبقية المعزوفة المعروفة.

وعندما يقال لها ان اعادة طرح مبادرة السلام العربية في قمة الرياض بعد سنوات من طرح خارطة الطريق من دون ان تنفذ يفترض ان تؤدي الى تجاوز فلسطيني وعربي لخارطة الطريق لا نجد جواباً فلسطينياً شافياً. بل نجد الاصرار على التمسك بخارطة الطريق رغم انها خطة امنية وضعت للتعجيز وليس للتطبيق كما طمأن شارون اعضاء حزبه عندما وافق عليها بعد اضافة التحفظات الاسرائيلية.

ان التعامل الفلسطيني مع خارطة الطريق ادى مؤخراً ويمكن ان يؤدي لاحقاً الى الأخذ بالتفسيرات الاسرائيلية لخارطة الطريق، اي تطبيق الالتزامات الفلسطينية اولا ثم بعد ذلك ترى اسرائيل كيف ستطبق الالتزامات الاسرائيلية. فاسرائيل لا تريد حلا دائما لان حكومة اولمرت عاجزة عن التوصل الى مثل هذا الحل، بل تريد اتفاقات جزئية مرجعيتها الاساسية أمن الاحتلال.

ان الاعمى، أو الذي يريد ان يتعامى عن الحقيقة، هما اللذان لا يريان ان ما يجري في السنوات الاخيرة خصوصاً في لقاءات القمة الفلسطينية الاسرائيلية، ما هو سوى محاولة اميركية-اسرائيلية ناجحة الى حد كبير لتغيير قواعد اللعبة والمرجعية التي حكمت عملية السلام لتحل محلها مرجعية جديدة تأخذ برؤية بوش وورقة الضمانات الاميركية التي اعطاها لشارون.

صحيح ان القيادة الفلسطينية لم تسلم رسميا بتغيير قواعد اللعبة والمرجعية، ولكنها تتعامل فعلياً مع عملية مفاوضات ثنائية دون مرجعية، مما يجعل ما تقبله او ترفضه اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية هو المرجعية الوحيدة المعتمدة، والدليل على ما سبق هو ان القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية التي تستند اليهما، اصبحت كلها في خبر كان، ولا يذكرها سوى الجانب الفلسطيني. واذا ارادت القيادة الفلسطينية ان تعود لعملية سلام ذات مرجعية دولية عليها ان تجمع عناصر القوة والضغط الفلسطينية والعربية والدولية. اما سياسة الاسترضاء فلا تكفي بل توصلنا الى ما نحن فيه.

اسرائيل تريد من اجتماع الخريف في الحد الاقصى فرض رؤيتها للحل النهائي على الفلسطينيين وهذا متعذر تماماً الآن، اما في الحد الأدنى فتريد ابقاء زمام المبادرة سياسياً في يدها من خلال مفاوضات ثنائية تقطع الطريق على المبادرات الاخرى وتسد الفراغ، وتكون دون مرجعية ولا مشاركة دولية ولا من طرف ثالث والتقدم على طريق ايجاد مرجعية جديدة للمفاوضات تناسب اسرائيل.

كما تريد اسرائيل استخدام المفاوضات كغطاء لما تقوم به على الارض من فرض حقائق تجعل الحل الاسرائيلي أكثر وأكثر هو المطروح عملياً.

وأخيراً تهدف اسرائيل الى توظيف اجتماع الخريف لتعميق وتكريس الانقسام الداخلي الفلسطيني وجر العرب خصوصاً السعودية للتطبيع دون ان تدفع اسرائيل شيئاً بالمقابل. والولايات المتحدة الاميركية تريد من اجتماع الخريف ان تقنع العرب بأنها مهتمة بحل قضيتهم المركزية، من دون حلها فعلاً، للحصول على دعمهم لسياساتها في المنطقة وخصوصاً في العراق، وازاء المواجهة المفتوحة على كل الاحتمالات مع ايران.

على الفلسطينيين ان يدركوا ما هي المصالح والاهداف الاميركية الاسرائيلية من اجتماع الخريف، ولا يجعلوها تتحقق دون ان يحققوا هم شيئاً. واذا كان متعذرا الاتفاق على تسوية نهائية على الأقل يجب ان يحرص الفلسطينيون على أن يتم وقف العدوان العسكري الاسرائيلي بكل اشكاله والاستيطان وبناء الجدار قبل اجتماع الخريف. واذا حدث ذلك وتم استئناف المفاوضات فالضرر سيكون أقل بكثير.

اما مفاوضات بلا نهاية وعبثية وتستخدم للتغطية على استكمال تطبيق المشاريع الاسرائيلية على الارض الرامية لكسر ارادة الفلسطينيين وتغيير وعيهم ودفعهم لقبول ما تعرضه وتفرضه اسرائيل، فإنها تمثل ربحاً صافيا لاسرائيل.

ان المبالغة بأن 63 دولة ستشارك في "المؤتمر"، وان سورية ولبنان ستشاركان يخفي الحقيقة بما فيها، القلق الفلسطيني بان يخرج الوفد الفلسطيني من المولد بلا حمص، فأخذ يبحث عن الفتات او الورقة التي يمكن ان تستر العورة.

فلو شارك كل العالم في مؤتمر لا يستند الى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ولا تقوده الامم المتحدة ولا تتحكم بمن سيشارك به ولا بصلاحياته ولا نتائجه فان العالم سيكون شاهد الزور للمصادقة على ما يتم الاتفاق عليه بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وما أهمية مشاركة سورية اذا لم تبحث مسألة الجولان، واذا كانت مشاركتها بسبب أنها عضو في لجنة المتابعة العربية الافضل اذا كان عقد اجتماع الخريف لا بد منه، واذا كان متعذراً الاتفاق على اتفاقية اطار وجداول زمنية سريعة وآلية تطبيق ملزمة وضمانات دولية، ان نذهب دون اتفاق لوضع الحضور امام مسؤوليات المجتمع الدولي ازاء حل الصراع وتلبية الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

وهذا قد يدفع الادارة الاميركية لتأجيل عقد الاجتماع او سحبه من التداول ولكنه يمنع من ايجاد وهم عن عملية السلام غير موجودة على ارض الواقع. لا يكفي ان يقول بوش ان ما تقوله رايس وتفعله يعبر عنه حتى نطير من الفرح. ولا يكفي قول بوش انه لا يسمح بفشل اجتماع الخريف حتى نتفاءل. فمعايير النجاح او الفشل الاميركية والاسرائيلية تختلف عن معايير النجاح والفشل الفلسطينية.

يمكن استغلال ازمة السياسة الاميركية-والاسرائيلية في المنطقة. كما يمكن استغلال حاجة ادارة بوش كغطاء عربي لما تفعله في العراق ولما يمكن ان تفعله ضد ايران.

كما يمكن الاعتماد على ان القضية الفلسطينية رغم كل التراجع في مكانتها لا تزال مفتاح الحرب والسلام في المنطقة. وهذا يجعل الموقف الفلسطيني مهمّاً وفاعلا.

كا يمكن ايضاً الاصرار على وقف العدوان والاستيطان والجدار قبل اجتماع الخريف مقابل استئناف المفاوضات ووقف المقاومة المسلحة. وهذا هدف قابل للتحقيق، وينطبق عليه مبدأ تقليل الخسائر والاضرار، ودرء المفاسد اولى من جلب المنافع. واذا تحقق ذلك، ويمكن ان يتحقق اذا اتبعت سياسة جديدة، سياسة تريد ان تكافح وتصارع لا ان تقبل ما يعرض عليها من عطايا وبوادر بناء ثقة مهما كانت، فإنه سيبقى ما يمكن التفاوض عليه.

اما اذا استؤنفت المفاوضات، وواصلت اسرائيل سياسة خلق الحقائق على الارض، والعدوان العسكري بكل اشكاله، فلن يبقى بعد سنوات قليلة ما يمكن التفاوض حوله. ما سبق نصائح او توصيات أضعها امام وفد المفاوضات الفلسطيني القديم المتجدد دوماً والى الأبد!!!

مشاركة: