الرئيسية » هاني المصري »   11 أيلول 2007

| | |
على حماس ان تقف وتفكر!
هاني المصري

بعد أحداث الجمعة الأخيرة التي وصلت إلى حد قيام القوة التنفيذية بمنع الصلاة في الساحات العامة بالقوة، وضربهم وضرب الصحافيين ومنعهم من القيام بعملهم، وتنظيم حملة اعتقالات عشوائية قبل واثناء وبعد يوم الجمعة، وصلت إلى حد اعتقال بعض قادة العمل الوطني وم.ت.ف، وبعد المحاولات المحمومة لكسر اضراب يوم الاحد الماضي الناجح، وان لم يكن شاملا، على قيادة حركة حماس وكل كوادرها وافرادها وانصارها والحريصين عليها ان يفكروا ملياً الى أين وصلت حركة حماس وكيفية الخروج من المأزق الخطير والمتفاقم الذي يضر ليس بحركة حماس وحدها، وانما بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية ومشروعه الوطني. فالكرة في ملعب حماس وعليها ان تقذفها بالاتجاه الصحيح. واذا فعلت ذلك ستعيد اللعبة الى قواعدها الاصلية وبما يخدم الفلسطينيين جميعاً.


لقد بات واضحاً لكل ذي عين بصيرة، ان حماس قيدت نفسها بحبال "انتصارها" بغزة، وان هذا "الانتصار" سواء اذا تم عن سابق اصرار وتصميم، تنفيذاً لمشروع حماس الخاص، او دفعت اليه دفعاً وكان الغرض منه اجراءً أمنياً يهدف إلى مواجهة "التيار الانقلابي الخياني" في فتح فان هذا الانتصار تحول إلى هزيمة لحماس، ويمكن ان يتحول إلى هزيمة أكبر اذا لم تستخلص حماس الدروس والعبر قبل فوات الأوان.

الدليل الحاسم على ما سبق، ان معركة حماس بعد انقلابها على الشرعية لم تعد مع "التيار الانقلابي الخياني" في فتح، وانما اصبحت مع فتح كلها، ومنظمة التحرير بكل فصائلها، بما في ذلك الفصائل التي اتخذت موقفاً مستقلاً محايداً من الخلاف الفتحاوي - الحمساوي بل وتقاطعت مع حماس سياسياً، ويمكن ان تتحول المعركة اذا استمر الحال على هذا المنوال الى معركة مع قطاعات شعبية واسعة ومع حركة الجهاد الاسلامي التي اعربت في العديد من المناسبات عن انتقادها لبعض سياسات وممارسات حماس خصوصاً ما تقوم به القوة التنفيذية من انتهاكات للحريات الفردية والعامة.

لا يكفي لتفسير ما حدث ويحدث يومياً من تحول في الموقف الوطني والشعبي ضد ممارسات القوة التنفيذية، وبالتالي ضد حماس، التشهير بالفصائل وانتقادها بل يجب التفكير لماذا يحدث هذا التحول في مواقف الفصائل والمزاج الشعبي العام؟ وإلى أين يمكن ان ينتهي؟

ان تحول المعركة بين حماس وتيار في فتح، الى معركة بين حماس ومنظمة التحرير، والى حد ما الجهاد الاسلامي وقطاعات شعبية متزايدة، يدل على ان حماس انفردت بالحكم بغزة وطبقت اجراءات قمعية وان وجهة نظرها غير مقنعة، وان برنامجها رغم كل الظلم والحصار الذي تعرضت له، غير واقعي ولا يستجيب لمتطلبات الواقع. هذا اذا سلمنا جدلاً بأن لدى حماس برنامجاً محدداً. رواية حماس متناقضة وغير مقنعة الا لاهل الولاء والثقة. فهي مثلاً تقول انها تعترف بشرعية الرئيس وتقوم بنفس الوقت بشن اشد الحملات الاعلامية على الرئيس!؟ وتقول انها مستعدة للحوار والمصالحة واعادة الامور إلى ما كانت عليه مع اشتراط اصلاح الاجهزة الامنية وتحويلها إلى اجهزة أمنية مهنية وطنية ولا حزبية، بينما تقوم باتخاذ اجراءات في مجالات عديدة تكرس نتائج الحسم العسكري، قد يقول قائل ان السلطة برئاسة ابو مازن، لم تبق للصلح مطرحاً، وهي ردت على انقلاب حماس بانقلاب آخر أشد، وقطعت كل السبل والطرق للحوار والمصالحة. وهذا القول يتضمن بعض الصحة، ولكن دون وضع "خطأ" بحجم الحسم العسكري والانقلاب على نفس المستوى مع مراسيم اصدرها الرئيس او قرارات اصدرتها الحكومة ويمكن الاجتهاد حولها بل ويمكن وضع بعضها في سياق رد الفعل السلبي واعتبارها غير قانونية وتعمق الانقسام.

من بادر بالحسم العسكري عليه اولاً ان يبادر بتقديم العلاج، دون اعفاء القيادة من مسؤولياتها عن المبادرة ايضاً.

الاهم من كل ما تقدم، اولاً: ان الفلسطينيين في ظل الانقسام بين سلطة الامر الواقع في غزة، والسلطة الشرعية في رام الله، باتت احوالهم على كافة المستويات اسوأ. ولا يغير من ذلك الاموال التي افرجت عنها اسرائيل وتعهدت بها الولايات المتحدة الاميركية وغيرها من الدول فهذه الاموال وظيفتها واضحة فهي تصب في خانة تغييب القضية الوطنية وتكريس وتعميق الانقسام وشرطها استمراره، وهي في معظمها أموال فلسطينية سبق ان احتجزتها اسرائيل كجزء من الحصار الذي فرض على الفلسطينيين لانهم اختاروا نواباً بأغلبية تؤيد حركة حماس، ولم يوافقوا على الشروط الاسرائيلية التي وضعت على الحكومة العاشرة، حكومة حماس الأولى.

ثانياً: ان التيار الذي حاربته حماس او ادعت انها تحاربه، وهو تيار مهادن يدعو لقبول اي عرض اسرائيلي، بات الان اقوى لانه يختبئ وراء شبه اجماع يتشكل. وهذا التيار لم يكن يريد اصلاً مشاركة حماس بالانتخابات والسلطة حتى ولو وافقت على كل شروطه وشروط اسرائيل، لان مشاركة حماس تعني ان دوره وحصته في القرار والنفوذ والمصالح والمراكز ستقل كثيراً او تتلاشى لان حماس ستحصل على حصة كبيرة تتناسب مع وزنها، ولأن المشاركة والتعددية ستساهم في وجود نظام من المساءلة والمحاسبة والمراقبة التي تجعل هناك فرصة لمكافحة الفساد وسوء الادارة، والهدر والفوضى والتسيب الأمني، وفي كافة المجالات، وهي الظروف الملائمة لوجود وانتشار هذا التيار.

ثالثاً: ان ما حدث يقوي التيار الاقصائي التكفيري التخويني المتطرف في حماس، والذي لا يؤمن حقاً بالوطنية ولا الواقعية ولا الديمقراطية ونصب نفسه وصياً على الدين والوطن والشعب والارض، بحجة انه ظل الله على الارض ومكلف برسالة سماوية لا تخضع للمناقشة والمشاركة والتعددية وابداء الرأي والاجتهاد. وانما تخضع لأمر واقع هو "من ليس معي فهو ضدي". ومن هو ضدي خائن كافر مرتد يستحق التصفية، وهذا التيار الذي اعتبر ما حدث في غزة تحريراً ثانياً لقطاع غزة، وانتصاراً على العلمانية، لا يهمه ما يعانيه الشعب الفلسطيني حالياً، خصوصاً في قطاع غزة، من بؤس وفقر وجوع وفقدان أمل وثقة جراء الحصار المتفاقم والاعتداءات الاسرائيلية المرشحة للمزيد من التوسع، بل كل ما يهمه انشاء قاعدة متقدمة نقية لبرنامجه المتطرف.

رابعاً: لا يمكن محاربة حماس بنفس اساليبها، مثل استخدام الدين والصلاة في الساحات العامة كوسيلة سياسية، مع عدم قبول موقفها الرافض ازاء استخدام نفس الاساليب التي اعتمدتها سابقاً. فكون حماس قد حولت الجوامع الى مكاتب فصائلية تستخدم للتعبئة ضد الخصوم وللتفكير والتخوين واشعال الفتنة، مثلما حولت الدين كله إلى قطاع خاص بها، بعيداً عن المسلمين جميعاً، لا يعطي لاحد اصدار فتاوى بصحة او عدم صحة الصلاة في الساحات العامة، فما يجري صراع سياسي يجب ان يخاض على أساس سياسي، والدين أكبر وأرقى وأسمى من التعامل معه كوسيلة لخدمة هذا الفصيل او ذاك.

خامساً: ان اجواء الانقسام واتجاهه نحو التكريس يعطي فرصة ذهبية لاسرائيل لاستكمال تطبيق مخططها الاحتلالي العنصري بمعدلات اسرع، ويغريها بامكانية فرض حل تصفوي على القضية الفلسطينية سواء عبر المفاوضات المباشرة التي لم تحمل جديداً، او عبر الاجتماع القادم اذا عقد والذي يراد منه في الحد الأقصى قطف ثمار الانقسام الفلسطيني لصالح اسرائيل عربياً وفلسطينياً عبر التطبيع وفرض حلول مرفوضة، وفي الحد الأدنى تحويله إلى اجتماع علاقات عامة لمساعدة الولايات المتحدة الاميركية والايحاء بأن هناك عملية سلام دون سلام حقيقي.

 

 

مشاركة: