الرئيسية » هاني المصري »   17 أيار 2011

| | |
عقدة سلام فيّاض أم البرنامج السياسي؟
هاني المصري

 

منذ توقيع اتفاق القاهرة بالأحرف الأولى تسود حالة من التفاؤل الشارع الفلسطيني.

وبدأت ثماره الطيبة في الظهور، فمن التظاهرات التي عمّت الضفة وغزة ابتهاجاً بالاتفاق بمشاركة حركتي فتح وحماس، مروراً بوقف حملات التحريض الإعلامية المتبادلة، واستئناف بث تلفزيون فلسطين من غزة وفضائية الأقصى من الضفة، والاحتفالات بالمصالحة التي شهدتها غزة ونابلس، وانتهاءً بإحياء الذكرى الثالثة والستين للنكبة بصورة غير مسبوقة؛ كل ذلك يدل على أن الوحدة تعيد الأمور إلى نصابها، وتجعل كل الطاقات والجهود والإبداعات الفلسطينية ــ أينما كانت داخل الوطن وخارجه ــ تصب في مجراها الطبيعي في مواجهة الاحتلال.


إن المحك العملي لاتفاق القاهرة يكمُن في تحقيق شراكة حقيقية تضم الجميع، وليس فتح وحماس فقط، والشروع في تطبيقه بشكل سريع ومتزامن، بحيث يتم تشكيل حكومة وفاق وطني، في الوقت نفسه الذي توجه فيه الدعوة إلى عقد الاجتماع الأول للإطار القيادي المؤقت للمنظمة، وتحديد صلاحياته بدقة، وتبييض السجون من المعتقلين دون إبطاء، ووقف جميع الانتهاكات ضد الحقوق والحريات العامة، والسماح بعودة كل المهجرين من قطاع غزة، وتشكيل لجان للشروع في حل مشاكل المفصولين من وظائفهم لأسباب سياسية، وفتح المؤسسات المغلقة وعودة الموظفين المستنكفين عن العمل، والشروع في المصالحة الداخلية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

إنّ الخلافاتِ التي طفت على السطح، والمترافقة مع الثغرات القائمة في الاتفاق يمكن أن تؤدي ــ إذا لم تتوفر الإرادة اللازمة ــ إلى فشله.

وإذا بدأنا بمسألة تشكيل الحكومة نجد الخلافات الآتية:

أولاً ــ إن حماس تريد رئيس الحكومة من غزة، وذلك من باب التوازن في توزيع المناصب، حتى لا يهمش قطاع غزة، كون الرئيس مقيماً في الضفة ورئيس المجلس التشريعي من الضفة. ومع أن حماس لا تضع هذا المطلب شرطًا، إلا أنّ التمسك به وطرحه كمسألة مبدئية خطأ؛ لأنه يؤشر إلى السعي إلى تقاسم جهوي وجغرافي للمناصب والمكتسبات، يضاف إلى التقاسم الفئوي والفصائلي، فالنتيجة ستكون المزيد من تفتيت الشعب تحت راية الوحدة.

يمكن أن يكون رئيس الحكومة من الضفة أو غزة أو أي فلسطيني تتوفر فيه الكفاءة والمواصفات المطلوبة، لأننا إذا قسّمنا الشعب على أساس جغرافي، فسندخل في دوامة جهنمية نعرف متى وكيف دخلنا فيها ولا ندري كيفية الخروج منها.

ثانياً ــ برزت عقدة سلام فياض عند البحث في تشكيل حكومة الوفاق الوطني، ففي حين أنّ الرئيس وقطاعات عديدة يفضلون تكليفه حتى يواصل ويستكمل تطبيق برنامجه، خصوصاً مع اقتراب استحقاق أيلول؛ لأنه مقبول دولياً ما يساعد على استمرار الدعم الدولي للسلطة، ويجنبها الفشل والانهيار مثلما حدث لحكومة الوحدة الوطنية التي شكلت العام 2007، ولم تصمد سوى ثلاثة أشهر، إلا أنّ أوساطاً واسعة في حركة حماس ترفض سلام فياض رئيساً لحكومة الوفاق الوطني؛ لأنه ترأس الحكومة في الضفة طوال الانقسام، ومارست الأجهزة الأمنية في عهده القمع ضد أفراد حماس ومؤسساتها، وواصلت التنسيق الأمني وطوّرته إلى أن وصل إلى حد التعاون الميداني، ولأن برنامجه يلتزم بشروط اللجنة الرباعية الظالمة التي استهدفت عزل حماس، ويركز على بناء المؤسسات كطريق لإقامة الدولة.

إن بعض قادة حماس شبهوا مسألة تكليف سلام فيّاض رئاسةَ الحكومة القادمة بما جرى مع أبي موسى الأشعري حينما خلع صاحبه سيدنا علي بن أبي طالب، في حين لم يفعل عمرو بن العاص الشيء نفسه مع صاحبه كما جرى الاتفاق.

ويظهر مدى تعقيد هذه المسألة من خلال أنّ أوساطاً مهمة من حركة فتح وخارجها ترفض تكليف سلام فيّاض، ولكنها تراهن على رفض حماس له، لأنهم يعتبرون أن مهمة سلام فيّاض انتهت، وحكومته أقصت حركة فتح عن الوزارات، والمرحلة الجديدة تقتضي تغيير سياسات ووجوه.

إن حل هذا الإشكال يكون بتركيز الجهود لحل البرنامج السياسي والنضالي الفلسطيني في المرحلة القادمة، لأنّ الخلاف ليس على الشخص وإنما على البرنامج السياسي للحكومة، الذي يحدد الشخص المناسب لرئاستها.

إن عقدة الحكومة تظهر من خلال موقفين مختلفين:

الموقف الأول ــ مفاده أن الحكومة القادمة غير سياسية، ولها وظائف محددة، وبرنامجها وفقاً للقانون الأساسي هو برنامج الرئيس، وهذان أمران متناقضان، فكيف تكون الحكومة غير سياسية وبرنامجها برنامج الرئيس في الوقت نفسه؟.

الموقف الثاني ــ مفاده أنّ حكومة الوفاق الوطني ليست رهينة لبرنامج الرئيس، وأنّ أبرز مهماتها توحيد المؤسسات عبر الوفاق الوطني؛ حتى تتمكن من تطبيق القانون الأساسي، وأنّ البرنامج السياسي سيتحدد في الإطار القيادي المؤقت للمنظمة.

إنّ عدم الاتفاق على برنامج سياسي يمثل قنبلة قابلة للانفجار في أية لحظة، على الرغم من إمكانية التوصل إليه بعد التقارب السياسي الملموس الذي عكسه خطاب خالد مشعل في حفل المصالحة، والتصريحات والمقابلات التي أجراها بعده، ولكن حتى يتم الاتفاق عليه يجب التراجع عن البرنامج الخاص لكل طرف لصالح برنامج القواسم الوطنية المشتركة، بعيداً عن شروط اللجنة الرباعية الدولية، وعلى أساس الالتزام بالأهداف والحقوق الوطنية، والاستناد إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وبما يكرس حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بكل أشكالها عبر مرجعية وطنية، وبما ينسجم مع القانون الدولي الإنساني.

إنّ البرنامج السياسي يجب أن يتضمّن أسس وقواعد ومرجعية المفاوضات والتسوية، وكيفية التعامل مع استحقاق أيلول، والاستعداد لما بعده، والجمع بين التحركات السياسية والدبلوماسية والمقاومة المثمرة؛ لأن ترك مسائل جوهرية مثل المشار إليها تحت رحمة المجهول، وبقاءها مفتوحةً دون خيارات محددة للعمل على إنجاحها؛ سيؤدي في أحسن الأحوال إلى قفزة في الهواء.

على القادة أن يتذكروا أنّ فلسطينَ ما زالت تحت الاحتلال والسلطة كذلك، وأنّ المطلوب أولاً وأساساً خطة لإزالة الاحتلال بعد الفشل في تحقيق الأهداف الوطنية، بعد وصول المفاوضات إلى طريق مسدود وفي ظل تعليق المقاومة.

على الجميع ألا ينسى أنّ إسرائيلَََ لاعبٌ رئيس، وستقوم بكل ما في وسعها لإسقاط المصالحة، وأن يستعد لاحتمال عدم تمكين الشعب الفلسطيني من تعزيز وحدته الوطنية، وإعطائها شرعية عبر تنظيم انتخابات على مختلف المستويات. فالانتخابات في ظل الوحدة عمل نضالي سيستغرق وقتاً، وسيُفرض على الاحتلال فرضاً.

إن أحد الحلول الممكنة يتمثل في تشكيل حكومة وفاق وطني فوراً تكون مؤقتة حتى أيلول القادم، وليس مهماً من يرئسها، وتكون مهمتها استنفاد مهمات واستحقاقات هذه المرحلة، ليصار بعد ذلك إلى تشكيل حكومة وفاق وطني، من الأفضل أن تكون حكومة وحدة وطنية قوية قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر القادمة. فبعد أيلول ستبدأ مرحلة أخرى من المواجهة مع الاحتلال، حتى لو حصلنا على قرار من الجمعية العامة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، لأن هذا القرار لن يُترجم على الأرض إلى حقيقة سياسية، إلا إذا اعتمد الفلسطينيون بعد أيلول برنامجاً قادراً على إنهاء الاحتلال؛ برنامجاً يجعل الاحتلال يخسر من احتلاله.

لا بديل عن إستراتيجية جديدة تبدأ بعد أيلول القادم بإعلان انتهاء المرحلة الانتقالية التي دشّنها اتفاق أوسلو، ومفترض أنّها قد انتهت وفقاً لهذا الاتفاق في أيار 1999، وبالتالي علينا وقف العمل بالالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية من جانب واحد.

ولإنجاح الإستراتيجية الجديدة، لا بد من إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني: برنامج إنهاء الاحتلال، وحق العودة والتعويض، والدفاع عن مصالح تجمعات الشعب الفلسطيني داخل فلسطين 1948 وفي الشتات، وتمكين الشعب من ممارسة حقه بتقرير مصيره، بما يشمل حقه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس على الأراضي المحتلة العام 1967.

كما لا بد من التركيز على إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي، وتكون قولاً وفعلاً الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذا لا يكون إلا باعتمادها ميثاقاً وطنياً يستند إلى الميثاق القديم وتجديده، ويلتزم بالأهداف والحقوق الوطنية.

إن المنظمة هي البيت الذي يمكن أن يضم الجميع، وشرعيتها ووجودها مستمدان من دفاعها عن الحقوق الفلسطينية، ومن الإجماع الفلسطيني على هذه الحقوق، ومن ممارستها للمقاومة بجميع أشكالها لتحقيق هذه الحقوق.

ومن الطبيعي أن نتوقع ونستعد لتراجع دور السلطة في المرحلة القادمة، ولتقدم دور المنظمة، فالمدخل لشق طريق الخلاص الوطني يكون بالتركيز على المنظمة وتوحيد الشعب حولها، فالمنظمة قامت واستمرت واستمدت شرعيتها من الكفاح الفلسطيني، وليست بحاجة إلى إذن من إسرائيل حتى تستمر، بينما السلطة ولدت من رحم اتفاقيات ثنائية ودولية تقيدها بقيود غليظة، ويمكن أن تنهار مع استمرار وقف المفاوضات، أو تتغير وظائفها وشكلها، بحيث تلعب دوراً إدارياً وخدماتياً، وتنقل الوظائف السياسية للمنظمة.

 

مشاركة: